شهداء منسيون !

 

الحرب الأهلية اللبنانية أكلت الأخضر واليابس واحرقت قلوب الآلاف من الأمهات من كل الطوائف والملل. والحيرة الكبرى حين تكون عراقيا منفيا، طوعا او كراهية، تبحث عن مكان آمن في هذا العالم المترامي الاطراف ! فهروبك من نظام قمعي،مثل نظام صدام، يدفعك بالقبول بأية بقعة في الأرض فيها متسع من الحرية والامان!
كانت بيروت الغربية، في السبعينيات، نقطة تجمع لليساريين العرب، وبالاخص العراقيون الهاربون من بطش صدام، رغم أن البلد كان يعيش حربا أهلية مستعرة. لملم العراقيون بسرعة الامهم وأحلامهم وجراحاتهم وأسسوا لبيت كبير يجمعهم! ومنحت الأغلبية جوازات سفر من دول صديقة كانت تساند اليسار العراقي بمحنته! إلا أن تطور الاحداث في لبنان، بعد فترة ليست بالطويلة، قلب الطاولة على تلك الأحلام، وخاصة بُعيد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، بالتعاون مع حزب الكتائب، وطلب حينها من غير المقاتلين ترك بيروت!
قبل ستة وثلاثين عاما، وتحديدا في الثالث عشر من شهر آب 1982، حاول أربعة شباب من الشيوعيين العراقيين ترك بيروت باتجاه الشام وهم الفنان غانم بابان والشاعر أبو سرحان ( ذياب گزار ) والفنان المسرحي كاظم الخالدي وصباح ستراك.
غانم بابان عرفته مسارح معهد وأكاديمية الفنون الجميلة وفرقة المسرح الفني الحديث كممثل كوميدي من طراز خاص والجميع يتذكره في مسرحية ” بغداد الأزل بين الجد والهزل” من إعداد واخراج الراحل قاسم محمد، غانم هو الشاهد الوحيد عما حدث للاربعة أثناء تركهم بيروت.
ابو سرحان، مجدد في كتابة الأغنية العراقية ومن منا لا يتذكر ” القنطرة بعيدة” و” ابنادم” و” لول لوه” وغيرها كثير.
أما كاظم الخالدي فكان أحد المجددين في حركة المسرح العراقي، وهو من أبدع فكرة ” الإخراج الجماعي”، والمبادر في تأسيس حركة الشباب الجديد المسرحية في مطلع السبعينيات.
وللأسف لا أمتلك معلومات محددة عن الشاب الرابع صباح ستراك.
كانت بوابة المتحف في بيروت الشرقية هي المنفذ الوحيد لخروجهم، وكان يقف على تلك البوابة عتاة القتلة من القوات اللبنانية!
وقبل أن يصلوا إلى البوابة قال الخالدي لبابان ” انت جواز سفرك عراقي ونحن جوازات سفرنا يمنية ديمقراطية فاذا اخذتك القوات فنحن لا نعرفك وإذا أخذتنا نحن فأنت لا تعرفنا”، اية نكران ذات!
وبالفعل نَفَذَ غانم بابان ليسلم بجلده، بينما الثلاثة الباقية محيت أثار وجودهم حتى هذه اللحظة!
فهل تستطيع حكومة بغداد المقبلة فتح هذا الملف مع الأشقاء اللبنانيين لمعرفة مصير هؤلاء والاقتصاص من القتلة؟!
وللتذكير نقول بأن الجرائم و لا تسقط بالتقادم سواء كانت تلك الجرائم خارج البلد ام داخله!

المقال السابقالتلوث الخطير في اغنى مدن العراق
المقال التالىالخصخصة أكبر عملية سطو في التاريخ
الكاتب د. طه رشيد حاصل على ليسانس فنون مسرحية / أكاديمية الفنون الجميلة ـ بغداد ـ 1974 ودبلوم لغة فرنسية من جامعة بواتييه 1988.عمل في الصحافة الاذاعية بين 1975 - 1978 وساهم بكل ألاعمال المسرحية في فرقة المسرح الفني الحديث - مسرح بغداد لنفس الفترة. - 1978 - 1984 منشط ثقافي واستاذ مسرح في المدارس الثا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد