” شيطنة ” الاستعمار 3


 

بعد عقود من نيل الاستقلال ودخول دول المنطقة، منطقة الشرق الاوسط، الامم المتحده كاعضاء فيها، تحدث الهزة الارضية في الربيع العربي. ويخشى العديد من الكتاب والصحفيين استخدام عبارة الربيع العربي ويضعونها اما بين قوسين للاشارة الى قناعتهم بانها لم تكن ربيعا او لرفضها جملة. وهناك فئة اخرى تعتقد ان الربيع العربي هذا هو ” مؤامرة امبريالية صهيونية ” وانا لن اهتم بهذا التوصيف المنطلق من نظرية المؤامرة لانها لا تنظر الى جذر القضيه وهي وجود عوامل اساسيه لحدوث الفورات الاجتماعية هذه. تلك العوامل هي اجتماعيه-سياسيه-اقتصاديه.
ابرز ما يهمني، هنا ، هو انتصار الربيع العربي في تونس. فعدت لدراسة اشكاليات تونس وخصوصيتها فوجدت ان اسباب انتصار الربيع العربي فيها هو وجود مجتمع مدني متطور، نظام تعليمي متطور مقتبس من فرنسا ولا يخجل التوانسة من الافصاح عن ذلك لقناعتهم ان اية تجربة في اي مكان هي ملك للبشرية جميعا، مكانه المراة التونسيه وما نالته من حقوق وتعليم من زمن بورقيبه لحد اليوم . و اخيرا وليس اخر عامل لم ينتبه له احد وهو بقاء القوات المسلحة التونسيه على الحياد على طول الحياة السياسية التونسيه . فحتى حركة زين العابدين بن علي 7 نوفمبر 1987 قادها سياسيون ووزراء وكان للجيش دور ثانوي وهو تامينها من قبل الحرس الوطني اي لم يكن الجيش اليد الضاربة .
ما الت اليه الدول المستقلة من اوضاع مزريه وتراجع رهيب لاوضاع المواطنين جعلني اقف و اتمعن تطورات حركات التحرر الوطني العربيه منها .
الموضوع الاخر والذي لا يقل اهميتا عن خصوصية تونس هو ان عموم دول الخليج والاردن والمغرب بقيت مستقرة لحد يومنا الحالي، دول لم تتباهى بانها ثوريه ولا بانها ديموقراطيه في يوم من الايام ولكنها تفتخر بتحقيق بدرجة لا باس بها من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ويجب ان نعي ان دول الخليج تقودها مشيخات، اما الاردن والمغرب فهي ملكية دستوريه، وفيهما برلمان منتخب لكنهما لا يدعيان انهما ليبراليان.
العــــــــــراق
كان العراق ثلاث ولايات هي الموصل وبغداد والبصره، حكمهما العثمانيون لاكثر من 300 عام . ولم يدون لنا التاريخ حدوث انتفاضات ضد الحكم العثماني ولا حركات سياسية مطالبة بتوحيد هذه الولايات الثلاث. كانت الامراض متفشية بشكل هائل والامية باعلى مستوياتها ولم ينشئ الاستعمار العثماني لا مدارس ولا مستشفيات في هذه الولايات . ويذكر احد البحاثة الاجتماعيين ان عدد نفوس تلك الولايات كان 3 ملايين فرد ابان دخول بريطانيا، وهذا العدد الهزيل هو من نتاج الامراض التي كانت تتفشى بين الحين والاخر وايضا من نتاج الامية المتفشية.
بحثا عن المواد الخام وتقاسم الاسواق بين المنتصرين في الحرب العالمية الاولى، دخلت بريطانيا العراق من البصره طاردة الاستعمار العثماني عن عموم العراق وفرضت انتدابها وقامت بتوحيد الولايات الثلاث في بلد واحد اسمه العراق واستقدمت من سوريا فيصل الاول ونصبته ملكا على العراق وهو بالاصل حجازي هاشمي
كان المجتمع العراقي مجتمع عشائري مع غياب الاقطاع لان الاراضي كانت ملك صرف للحكومه . امامحاولات الحديث عن الطبقات في العراق فانه حديث هزلي فلا وجود لطبقة البرجوازية الصغيره ولا العمال ولا البرجوازية الكبيره . وهنا يجب ان لا نخلط بين وجود عوائل تسكن المدن تمتلك عقارات وتعيش برفاهيه من واردات تلك العقارات وترسل ابنائها للتعليم في تركيا.
في 1920 انطلقت في البصره وفي النجف وبعض مناطق بغداد ثورة مسلحة تطالب بالاستقلال من الانكليز. واذا ما نظرنا الى التركيبة الطبقيه لهذه الثوره لاوجز نا بالتالي قياده عشائريه مع رجال دين في تحالف معلن. مثل هذه القيادة لا يمكن لها اطلاقا طرد الانكليز وبناء دوله فالدوله ضاهرة حداثويه ومدنيه لا يمكن لشيخ عشيره ولا لرجل دين ان يشيدها ، والدليل على ذلك هو الفتوى التي اطلقها رجل الدين الشيعي الخالصي بتحريم دخول المدارس التي انشاءها الحكم الملكي بحجة انها استعماريه وعليه تخلف ابناء الشيعه عن التعليم لغاية منتصف الثلاثينيات. ثورة العشرين كانت ضد الحداثه وضد الاخر المختلف دينيا، لانه لو كانت حداثويه وتنبع من مصلحة وطن لاسعدها انشاء المدارس لانه الطريق الوحيد للقضاء على التخلف والاميه والامراض .
خذ هذا المثال المقارن عن النظرة الحداثويه للوطن. كانت تايوان مستعمرة يابانيه وفي ثلاثينيات القرن الماضي ارتكب اليابانيون افضع المجازر ومن جهة اخرى شيد اليابانيون مجتمعا مدنيا عبر عموده الفقري وهو التعليم وذلك عبر تاسيس جامعة في تايوان . بعد استقلال تايوان لم يدمر التايوانيون تلك الجامعة ولم يعتبروها رمز لسيطرة اليابان عليهم، بل طوروها فاصبحت واحده من افضل الجامعات في العالم . و تايوان الان احدى الدول الممتلكه لاقتصاد مستقر و متطور . دعونا نعود العراق .
وفي هذا الجانب ساتناول باختصار شديد سيرة احد ابرز رجالات الدولة العراقيه زمن الاحتلال الا وهو ساسون خزقيل ، الشخصية الوطنية ساهمت بجداره، مع غيره، في بناء دولة العراق.
ولد ساسون حزقيل عام 1860 وتوفي عام 1932 وعين وزيرا للمالية عام 1921 . انتدبته الحكومة العراقية عام 1923 ليمثل العراق في التفاوض مع بريطانيا حول بيع النفط فاصر على الشلن ” العملة البريطانية قبل الباود”، وحصل على ما اراد . وكان اول من نظم الميزانية المالية للعراق و كذلك نظام الضرائب. وصفته مسز بيل بما يلي ” انه اقدر رجل في مجلس الوزراء، هو صلب قليلا وينظر الى الامور من وجهة نظر الحقوقي الدستوري دون ان يعطي اهتماما كافي لاحوال العراق المتاخره، لكنه نزيه الى ابعد الحدود”. ويحكى عنه ان الملك فيصل طلب 20 دينار من اجل بناء مدرسة فرفض حزقيل صرف المبلغ معللا ذلك ان البرلمان اقر الميزانيه ولا توجد ابواب لصرف هذا المبلغ.
في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي بدات الحكومة العراقيه مباحثات مع شركات النفط العاملة في العراق سميت “مناصفة الارباح” وهنا وقعت الحكومة العراقية في مطب الدولة الريعية . وكان ذلك تاسيسا لتغرب الدولة عن المواطن .
نال العراق استقلاله عام 1932 ودخل في عصبة الامم كدولة مستقله الا انه كان ضعيفا امام دولتين كبيرتين جارتين هما تركيا و ايران . كما وان البنى الاجتماعيه العراقية لم تكن ناضجة لتشكيل دولة حديثه فقد كان للعشيرة دورا بارزا في اتخاذ القرار العراقي وكذلك ملاك الارض الى جانب اشراف المدن ليشكلوا اللاعبين الاساسيين في السياسة العراقيه . هذا الواقع جعل نوري السعيد يفكر في عقد اتفاقيه دفاع مشترك مع بريطانيا كي يجلب بريطانيا الى داخل محيط العراق وبالتالي توفر الحماية للعراق.
في هذه الفترة المتده من ثلاثينيات القرن الماضي وحتى انقلاب 1958 عاش العراق مرحلة عدم استقرار. ذلك العدم استقرار لم يكن ليمثل حالة نضوج ثورة وبالاخص في شكلها المسلح العنفي وكان من الممكن تاسيس ملكيه دستوريه كما في الاردن بدل تلك الثورة التي فتحت ابواب جهنم على العراق,
خلال الفترة الممتدة من تاسيس الدولة العراقيه اللخص ابرز ظواهرها :
1-تاسيس طبقة عاملة جنينيه في قطاع النفط والكهرباء والميناء، راس مال هذه القطاعات كانت لشركات النفط الاجنبيه وكذلك الكهرباء عدا الميناء ، لهذا فان مطالبهم الاقتصاديه، زيادة الاجور الاجازات و المنافع، كانت ترتبط دائما بمطالب سياسية ذات راس حربة وطنيه .
2- بقي ملاك الارض و رؤساء العشائر القاعدة الاجتماعية الساندة للنظام الملكي القائم
3-اسس المثقفين العراقيين احزاب ايديولوجيه بالاساس وهي الشيوعي والبعث، وكذلك اسس بعض المثقفين بدعم من العوائل العراقية المعروفة احزب الاستقلال و الوطني، لكنها لم تستطع ان تمد تاثيرها في الوسط العراقي الشعبي “بالاخص”.
4-بقي مجال توسع البرجوازية الصغيره محصور جدا وبالاخص بعد منتصف الخمسينيات، اي بعد البدايات الاولى لارتفاه واردات النفط، حيث شجع ذلك على تشجيع الاستيراد ومن جهة اخرى تفضيل التعين في دوائر الدولة
5-التفضيل الاكبر لهذه الفتره هو التعليم، وهنا لا اقصد من الناحية الكمية بل النوعية وكذلك انتشار المدارس الابتدائية في المناطق البعيده .
خريجي هذا النظام التعليمي وصل الى الجامعات في الستينيات و السبعينيات وحققوا مراكز مهمة عالميا لدى ذهابهم للتعليم في الدول المتقدمه ومثال ذلك دكتور علي الوردي وغيره .
6-لم يلعب الجيش دور جهاز مهمته حماية الحدود فقط بل تدخل باستمرار في السياسة عبر محاولات الانقلاب وغيرها .
7-لم يوافق الشعب الكردي على ضمه لدولة العراق وبقي يطالب بوطن للشعب الكردي مما اشر بوضوح على التاريخ السياسي منذ تاسيس الدولة العراقيه لحد يومنا الحالي .
و للحدث بقيه

لا تعليقات

اترك رد