الله و خلق الكون من عدم

 

هل من الضروري أو الممكن أن يوجد الله أم لا حاجة لوجود الله و لا دور له في نشوء الكون؟ يتصارع علماء الفيزياء حول الإجابة على هذا السؤال و يتنافسون كما يفعل الفلاسفة بالضبط ما يشير بقوة إلى وحدة الفلسفة و العلم و انصهارهما في حقل معرفي واحد لا يتجزأ.

الوجود من عدم
يشرح الفيزيائي الكبير ستيفن هوكنغ في كتابه “التصميم العظيم” كيف من الممكن للكون أن ينشأ من العدم. فالعدم يتكوّن من طاقات متعارضة , ولذا تختزل بعضها البعض فيتشكّل العدم. لكن بما أنَّ قوانين ميكانيكا الكمّ احتمالية و ليست حتمية و علما ً بأنَّها تحكم العدم كما أي شيء آخر , إذن من المحتمل أن تفلت طاقة معينة من العدم و لا يتم اختزالها ما يتيح في المجال أمام تحوّل تلك الطاقة إلى عالم موجود بالفعل. هكذا من الممكن نشوء الكون من العدم من دون الاعتماد على خالق لتفسير ذلك. على هذا الأساس , يقول هوكنغ إنَّ الكون نتيجة العدم و قوانين ميكانيكا الكمّ. فبالنسبة إلى ميكانيكا الكمّ , تنشأ الجُسيمات الافتراضية من العدم و من ثم تختفي بسرعة هائلة ما يجعل من الممكن أن ينمو الكون من العدم. هكذا يتم خلق الكون تلقائياً بفضل العدم و قوانين الطبيعة كقوانين ميكانيكا الكمّ و قانون الجاذبية المسؤول عن تكوين النجوم و المجرات. لذا يؤكد هوكنغ على أننا لا نحتاج إلى الله لكي نفسّر لماذا يوجد الكون أو الوجود. فمن الممكن تفسير وجود الكون أو وجود شيء بدلاً من لا شيء من خلال العلم و قوانينه فقط. يعترف هوكنغ بأنه لا يبرهن على عدم وجود الله بل يدلنا فقط على عدم ضرورة وجوده. فالكون موجود لأنه ضروري الوجود. و هو ضروري الوجود لأنَّ عدم وجوده يستلزم وجود العدم , و وجود العدم يستلزم وجود الوجود كما أوضحت ميكانيكا الكمّ.

(Stephen Hawking and Leonard Mlodinow : The Grand Design. 2010. Bantam).

بالنسبة إلى هوكنغ , القوانين الطبيعية قادرة على تفسير الكون و ظواهره و تنجح في الإجابة على سؤال ” لماذا يوجد الوجود؟” ما يدفعنا نحو التخلي عن الاعتماد على الكائنات الخارقة كالله من أجل تفسير العالم أو الإجابة على أسئلتنا العلمية. لا يقول هوكنغ إنَّ الله قد مات كما يقول نيتشه بل يعتبر أنَّ الله قد أصبح خارج الخدمة.

إمكانية وجود الله
تعرضت أفكار هوكنغ حول الله و خلق الكون إلى نقد شديد من قبل بعض العلماء والفلاسفة. فمثلا ً, إعتبر الفيلسوف و الفيزيائي بول ديفيز أنَّ هوكنغ لم ينجح في إقصاء وجود الله أو إمكانية وجوده. بالنسبة إلى ديفيز , إذا كان كل ما يقوله هوكنغ صحيحا ً, ما يزال من الممكن أن يوجد الله و أن يكون الله خالق الكون.

يقول ديفيز إنَّ هوكنغ يفسّر لماذا نشأ الكون. فلقد نشأ , كما يقول العلماء , من العدم من جراء قوانين ميكانيكا الكمّ. لكن يتساءل : ما مصدر تلك القوانين الطبيعية التي أدت إلى أن يوجد الكون من العدم؟ هنا يجيب ديفيز قائلاً إنه من الممكن وجود خالق و هذا الخالق هو سبب وجود القوانين الطبيعية التي تتيح وجود الوجود من العدم. لكن يملك هوكنغ جوابا ً مناقضا ً لجواب ديفيز و هو أنه توجد هذه القوانين الطبيعية لأنه توجد كل القوانين الطبيعية الممكنة في أكوان ممكنة مختلفة و بذلك ليس من الغريب أن توجد قوانين طبيعية كقوانين ميكانيكا الكمّ المسؤولة عن نمو الكون من العدم. هنا يرد ديفيز متسائلاً : لماذا توجد كل القوانين الطبيعية الممكنة و ما مصدرها؟ و من الأجوبة المتاحة هو أنه لا بد من وجود ميتاقوانين طبيعية metalaws تؤدي إلى نشوء كل القوانين و الأكوان الممكنة من العدم. و الميتاقوانين هي القوانين الأعلى المؤدية إلى وجود القوانين الطبيعية. لكن ما مصدر الميتاقوانين؟ يجيب ديفيز: من الممكن أن يكون الله هو مصدرها. هكذا فكرة وجود الله و خلقه للوجود ما زالت فكرة ممكنة ؛ قد يوجد الله و قد نحتاج إليه كي نفسِّر لماذا توجد أية قوانين أصلا ً ( Paul Davies: Stephen Hawking’s big bang gaps. The Guardian. September 2010.).

المقال السابقهذه هي الحقيقة وبصراحة ..
المقال التالىقول ثان في الطائفية
حسن عجمي كاتب و شاعر و مفكر له سبعة عشر كتاباً في اللغة العربية و كتابان في اللغة الانكليزية. من كتبه السوبر حداثة و السوبر مستقبلية و السوبر تخلف. و يركز في فلسفته على تحليل العلم و اللغة و ارتباطهما بتطور المجتمع أو تخلفه. فكرته الأساسية تتمحور حول لا محددية العالم و إمكانية المعرفة. و يؤكد في أبح....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد