بين الوطن والمواطنة

 

ورد في اللغة إن الوطن هو المسكن أو المنزل الذي يقيم فيه الإنسان وفي الاصطلاح هو شعور وإحساس بحب الإنسان وارتباطه العميق بمكان استقراره والمواطنة هي صفة التعبير عن ارتباطه بوطنه ومصطلح المواطن من الألفاظ التي نحتاجها في كل استعمالاتنا اليومية في الشارع أو عند مراجعاتنا لدائرة رسمية معينة أو عند الشعور بالحاجة إلى التعبير عن قصور في انجاز الحكومة لواجب معين من واجباتها للدلالة على انتماء الفرد والمجموع إلى قطعة ارض تمثل بيتهم الكبير كأعداد محددة من الناس بينهم رابطة وثيقة وعلاقات مشتركة ولا يمكن الفصل بينهم بسهولة وبذلك يمكن التعبير عن المواطنة أنها اقوي العلاقات الاجتماعية وأوثقها لدى الشعوب المتحضرة وتعبر عن المدى الثقافي وتطوره في أي بلد وهي تحصيل حاصل ولا يشترط فيها العودة إلى الجنس أو العرق أو المذهب أو المعتقد السياسي أو المعتنق الفكري أو الديني وبهذا فهي تتجاوز كل الخصوصيات والأطر الضيقة التي قد يراها البعض مهمة أو واجبة أو يتمسك بها لغايات تخدم فكره وتتجلى بوضوح عندما يبتعد المواطن عن وطنه فيشتد به الحنين إلى حضن أمه الحقيقي حد البكاء وهذه الحالة يدركها من عانى من الغربية لأي سبب أكثر من غيره.

والمواطنة قد تكون مكتسبة نتيجة لهجرة المواطن من موطنه الأصلي لظروف يراها قسرية وقاهرة بالنسبة إليه فيندمج في مجتمع جديد ويصبح احد مواطنيه بمرور الوقت أو قد تكون طبيعية يكتسبها مع ولادته ونشأته وتنمو مع نموه وهي (أي المواطنة) في كل الأحوال لها استحقاقاتها في الواجبات يؤديها الفرد للمجموع ولها حقوقها التي يحصل عليها المواطن كجزء من مكتسباته التي ثبتها له دستور البلاد أي بلاد لمواطنيه لتكون بمثابة عقد بين الفرد والمجموع وبين المواطن ووطنه يتم من خلاله محاسبة الفرد من قبل المجموع في حالة إخلاله بواجباته وأيضا من حق هذا الفرد أن يطالب المجموع في الإيفاء بالتزاماتهم تجاهه كفكرة مبسطة معروفة للجميع لكن البعض يتجاهلها تفضيلا منه لمعتقده أو تسخيرا لمصلحته الفردية أو مصلحة انتمائه الفكري أو الحزبي على مصلحة مجموع المواطنين .

هذه الحالة تظهر بوضوح في مجتمعاتنا النامية والمتطلعة إلى تطوير حضارتها بعد أن عانت من ويلات تسلط الآخرين على أوطانهم بصفة محتل صادر كل استحقاقاتهم الإنسانية وافقدهم الشعور الحقيقي بطعم الانتماء للوطن ونمت فيهم نزعة الأنانية وتفضيل المصلحة الخاصة على مصلحة الوطن وان كانت المجتمعات المتقدمة لا تخلو منها لكنها في بلداننا تظهر بشكل جلي فكثير من الحكام باعوا انتمائهم الوطني بل حتى باعوا معتقدهم الديني فأصبحوا دمى وأدوات بيد الأجنبي لا ينفذون إلا أوامره فأصبحوا هم في واد والوطن ومواطنيه في واد آخر كما حصل في العراق حيث تراجع الصوت الوطني لصالح الطائفة ولصالح العرق أو القومية وتسبب في ضعف الالتزام بل وراح ابعد من ذلك إلى التناحر وسفك الدماء وسادت لغة السلاح ولهجة الحقد واشتدت حدة المطالب الخاصة وتشوهت صورة نسيجه ألفسيفسائي الرائعة فكاد أن يتقسم البلد وهيمن على مقدراته من لا ولاء عنده للوطن وتحولت ثقافة الجمع الوطني إلى ثقافة الاحتماء بالعشيرة والقبيلة والطائفة وتمزق البلد في غفلة من أبنائه الأوفياء في حالة تشبه السبات إلى حد كبير ايقضته منها شدة ألمه التي تسببت له بصحوة لعله يستطيع النجاة فيها من الانحدار إلى هاوية اللا عودة والتقسيم لا سامح الله .

المواطنة لا تعني العصمة فهي أن تشارك في بناء الوطن من موقعك بما تملك من قدرات تصب في مصلحة المجموع بالمقابل فان لك الحق في العيش الكريم والتعليم والصحة والعمل والأمن وما شاكل وان يسمع المجموع صوت الفرد إذا كان يصب في المصلحة والعامة وبناءا على هذا الفهم ماذا قدم الوطن هنا للمواطن ؟

هل نجحت الحكومة العراقية في توفير الخدمات التي ألزمها بها الدستور وأقرته على نفسها فالمواطن قدم أثمن ما لديه , قدم دمه وحياته دفاعا عن وطنه والحكومة أهملت عياله من بعده وتركتهم عرضة للضياع وظلم فقد المعيل والمواطن تعرض للإصابة والحكومة أهملت علاجه والموطن خدم سنوات عمره في مؤسسات الدولة وهي أضاعت عليه حقوقه التقاعدية وهو صبر ينتظر فرصة للعمل وهي أضاعت عليه شبابه في هذا الانتظار ناهيك عن انعدام الخدمات ابسط العامة كالماء الصالح للاستخدام والكهرباء وغيرها.

نحن اليوم نعيش حالة مخيفة من الطلاق والافتراق بين المواطن والوطن بسبب السياسة الحكومية الفاشلة القاسية التي لا تلبي تطلعات مواطنيها في الداخل وفي الخارج بما يؤمن منع مصادرتها من الغير والاعتداء عليهم وقد تسببت بكوارث بيئية خطيرة كتجفيف مياه الأنهار وتحويل روافدها مثلا لا حصرا وقد نتج عنها هجرة أعداد كبيرة من العراقيين إلى شتى بلدان العالم المختلفة ومن بقي من المواطنين منشغل في إيصال صوته العالي لمطالبة الوطن وأصحاب القرار فيه بواجباته تجاه مواطنيهم وهم لا يستجيبون لأعذار شتى لا ترتقي للوصول به إلى أدنى درجات الإقناع .

لا تعليقات

اترك رد