التكرار والاجترار من سمات الحداثة الفنية – ج 4


 
لوحة للفنان محمد خدة
لوحة للفنان محمد خدة

تأطير مفهوم الأصالة
“الحداثة في العالم العربي بوصفها منظورا، أو تنظيرا، أو بشكلها السائد، إنما هي غريبة بكاملها وأننا عندما نتكلم عليها إنما نتكلم عن الآخر، متوهمين أن هذا الآخر هو الذات”. أدونيس

إن تكريس الفردانية وترسيخها كقيمة أخلاقية، وغياب النظرية المؤطرة للممارسة الفنية، وشيوع السطحية أديا إلى تمييع مفهوم الأصالة، فرغم أن الفنان التشكيلي العربي يتوفر على ترسانة تقنية عالية وإمكانيات أدائية لا يستهان بها، فهو لم يكن يتوفر على رؤية ثقافية/جمالية وبعد استشرافي يمكنه من “تمثل الثابت والمتحول في الحياة”، ليتحرر من التبعية البصرية للفنان الغربي المختلف، المحنك، الحامل لتجربة طويلة، جعلته يتجاوز الذات والآخر، ليكون نموذجا للخلق والإبداع. فكل محاولة للتأصيل تحيل على مناهج المدارس الفنية الغربية، ومن تم نحاول إيجاد تبريرات لتلك الإحالة فنغرق في متاهات الاصطلاحات الغامضة”. (مختار العطار). فاللغة التي بات يتواصل بها المبدعون والنقاد غالبا ما تكون نوعا من العبث اللفظي ليس إلا. إذ أن “اللغة تغري بالعبث” وقد “يصل الأمر إلى عبث نقدي” كما قال صلاح عبد الصبور.
فمتاهة الاصطلاحات الغامضة هي التي بات يحملها الفنانون والنقاد شعلة يستنيرون بها ليثبتوا وجودهم ويبرروا مشروعية أصالتهم. لكن الهوية تعيش ارتجاجات كبيرة تعادل تلك الاهتزازات التي تتصدى لفرص “البحث عن الجديد وسلوك سبل التجدُّد” المتمثلة في السعي إلى تنظير مفهوم الأصالة وبناء فن ملتزم بقضاياه المصيرية، ومتحرر من الارتباطات والمرجعيات ذات الخلفية الدونية. وجاءت محاولات التأصيل، مستعيرة بطاقة انتمائها من التراث والتقليد، كردود فعل مناهضة، بل رافضة لما كان يتداوله المشهد التشكيلي ويُمَأسِس له على حين غفلة، فكان “ما يعرف بالحروفية أشبه بحصان طروادة لاصطياد الهوّية في مرتعها الأكثر بساطة ومطواعية” (الخطيبي).
يرى الدكتور عبد الكبير الخطيبي في دراسته التحليلية للفن العربي المعاصر، أن محاولات استكناه الهوية انكتبت خضوعا لازدواجية جمالية/فنية، شطرها الأول تمثل في تقمص شخصية تعبيرية شكلانية، تمتح وجودها من فهرس الفن الحديث الأوروبي وتستليذ بسطوح جماليته، معتبرة أن “الهوية قضية باطنية جوانية تتفاعل مع العالم الخارجي بالحسّ والحواس”، فلم تفلح التركيبات اللونية والتكوينات الشكلية في استلذاذ طعم الهوية مما جعلها ترتمي “على هامش التعبير الهوياتي”.
بينما الشطر الثاني اتخذ من “التعبير الحروفي والعلامي والرمزي” نهجا هوياتيا، مصيريا، ظل الرواد يعيشون هوسه، ولم ينجحوا في تحديه واختراقه رغم محاولاتهم المكشوفة لتجاوزه. وتبقى، في نظر الخطيبي، منجزات العراقي شاكر حسن (1925-2004)، والجزائري محمد خدة (1930-1991)، والمغربي أحمد الشرقاوي (1934-1967)، واللبناني سعيد عقل (1911-2014)، والتونسي نجيب بلخوجة (1933-2007)، ” تجارب رائدة وشبه نهائية استنفدت مفهومي العلامة والحرف، وكادت تكون بداية ونهاية لهذه التجربة”. أجل، كانت ولا زالت هذه التجارب “بداية ونهاية” لتيار الحرف والعلامة على صعيد الحركة التشكيلية العربية برمتها. لقد كان للأفكار الحداثية التي أطرتها كتابات تنظيرية وبيانات فنية، الأثر العميق على تجارب الفنانين الرواد ومن تلاهم من جيل ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلا أن الذين برزوا بعد تلك الفترة، فترة الاندثار والتشتت، أغلبهم لم يستوعبوا عمق التجارب الأولى، فاتخذوا الحرف العربي والعلامة مطية “لاستنهاض وهم هوية تمنح نفسها لهم مباشرة في اللغة وفي الكتابة والرموز المتداولة”. (الخطيبي).
أدت مقصدية استنهاض الهوية الواهية ومداواة “الجرح النرجسي”، الذي عانى منه الفن العربي كباقي أجناس الثقافة العربية، بأطرها وأفكارها ورؤاها إلى الكشف عن نزعة إيديولوجية تراثية خالصة، شبيهة في صراعها وصيغتها بتلك التي عمت المجتمع والسياسة… “أيديولوجيا تريد الاستغناء عن كل أيديولوجيا “مستوردة” لتنزل التراث نفسه منزلة الأيديولوجيا”. (طرابيشي). وفي نظر فريد الزاهي أن علة المرض وأعراض الالتباس لا يكمنان في الحركة التراثية نفسها، الحاملة لمشعل الحرف والعلامة، بل يتجسدان في التحول الذي شاب الحروفية وصيرها إلى “نزعة أيديولوجية”، أزاحت عن التراث حقيقته التاريخية، ليصبح واقعا تشطيريا لا تاريخيا، أوصل العلامة والحرف إلى نوع من “اجترار للمرئي البصري الإسلامي والشعبي”.
أدت عملية الاجترار هذه بالفنان العربي إلى السقوط في مأزق فني/إبداعي انكتبت من خلاله التأسيسات الجمالية والتقنية للوحة التشكيلية في محاولات يائسة للتوفيق بين توظيف عناصر التراث كبدائل تشكيلية/جمالية ومعطيات الاتجاهات الفنية الحديثة.
إن الواقع التشطيري للتراث والكينونة اللاتاريخية اللذان عايشتهما وماتزال، الممارسة التشكيلية العربية ألزما، كبدائل أنطلوجية، الفنان العربي على التحرك في إطار معارض فردية وجماعية، إقليمية ووطنية، تبين تاريخيا أنها لم تفد هذا الفنان في الارتقاء بفنه إلى تأسيس تجربة مساوقة ذات مرجعية ثقافية تتجاوز الفردانية والتشطير لتستشرف آفاقا أكثر شمولية.
حينما نتصفح تاريخ الحركة التشكيلية العربية نجد أنفسنا” أمام فصول متلاحقة ومكررة من تمثيلية واحدة كان يمكن أن يكون عنوانها “عودة الابن الضال الكاذبة”، الصورة التي انتقد بها جورج طرابيشي “المناورة البارعة التي نفذها (زكي نجيب محمود) على متن صفحات كتابه (تجديد الفكر العربي)، حيث صور نفسه كابن ضال رجع تائبا إلى أسرته وبيت أبيه، بعد قطيعة طويلة الأمد “أهدر فيها وقته وجهده وماله المعرفي في الغرف من ملذات الفكر الغربي الغريب “. (طرابيشي)

هوامش:
د. عبد الكبير الخطيبي، الفن العربي المعاصر-ترجمة فريد الزاهي
مختار العطار، آفاق الفن التشكيلي على مشارف القرن الواحد والعشرين، ط.1، دار الشروق القاهرة، 2000
جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية، ط.2، 2012، دار الساقي بيروت
فريد الزاهي-رهان العلامة والحروفية ومأزق الهوية، العربي الجديد، الإثنين 09/02/2015

المقال السابقبين الوطن والمواطنة
المقال التالىصَباحاتٌ بَصْرِيّة
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد