الفضاء بين الشرعية والشعرية في مجموعة إبراهيم الألمعي القصصية ج 3


 

…… يؤثر الفضاء على الشخصيّات ، وخاصّة منها الشخصيّة الرئيسيّة ، وتكثر في مجموعة الألمعي أوزار الشخصيّات ، كل لها وزرها ومعاناتها حتى كأن الوزر بات هو الشخصيّة الرئيسيّة التي تتردّد في ثنايا القص. كل شخصيّة تشعر بالنقص حتى الكبت في أحايين كثيرة. وما يؤكّد ذلك أنّ هذه الشخصيّات ظهرت في القص غائمة وضبابية ، فلا نكاد ندرك لها اسمًا أو صفة تميّزها عن غيرها ، إلاّ فيما ندر مثل شخصيتي : هادية ، وسلمى التي عنونت بها نصوص كل ما يشير إليه الراوي معاناة الذات التي يدور حولها فعل القص ووزرها الذي يظلّ ماثلا إلى النهاية فلا نقف بذلك على نهاية وتبقى مفتوحة على احتمالات القارئ ودرجات التخييل لديه ، ليبدع قصّا سليل النص المبدَع. وهاهنا يلتزم الكاتب بأهم أسّ من أسس الأقصوصة ، فيتركها تنتظر الانفراج (الانفراج بعودة النت في أقصوصة “ضائعون في الفضاء “) أو قد لا ندرك بوادره أصلا وهو ما نجده في أغلب الأقصوصات . وهذا الميل إلى الضيق يعدّ جزءا من نظريّة الأقصوصة ، واعتبره دانيال غروينوفسكيالمميّز لفضاء الأقصوصة. ليفتح هذا الفضاء على أبعاد ثلاثة وهي : الفضاء القصصي الذي يحيل على الواقع والفضاء المرجعي الذي يحيل عليه الملفوظ السردي والفضاء الوظيفي الذي تدور فيه الأحداث. فأمّا الفضاء القصصي فهو ما أشرنا إليه من انعقاد القص على حيرة الإنسان وضعفه أمام هواجس الواقع ، وغالبية قصص المجموعة تعالج خيبات الإنسان من خلال ومضة ملتقطة في الحياة المعيشية أو في سلوك الشخصيّة. ويتخذ النص لذلك تقنيات اللقطة وانتقاء ما يناسب اللحظة التي يريد الكشف عنها فيشكّل الحدث الواقعي تشكيلا فنيا وفق استراتيجيا مميزة يرسم خطتها ، كتخير آلية زمانية متخيّلة وهاهنا ينفتح الفضاء المرجعي L’espace référentiel على الفضاء الوظيفي Espace fonctionnelوالفضاء الدّال Espace signifiant ففي الفضاء المرجعي يطالعنا المكان الذي يتخذ غالبا شكلا خارجيّا يجعله مكانا محدّدا Lieu determiné وهو ما نجده في بعض نصوص المجموعة ( البيت في أقصوصة ” وحشة ” / المقهى الشعبي في ” قناع ” / المكتب في “طال عمرك” …) ولكن في أغلب النصوص الأخرى بدا المكان غائما تماما كالشخصيّة فلم يعد هاجس الكاتب الواقعية باعتبارها أهم مبدأ تتركّز عليه الأقصوصة. وهذا يجعلنا نقف إزاء شعريّة الفضاء الحكائي التي تتحقّق بالتجاوز الذي يفتحها على مجال المطلق والذهن ف”زاوية المقهى الشعبي ” تحيل أساسا على معنى الانزواء ، هذا المكان الذي يتجاوز بعده الهندسي إلى رمز لمعاناة طبقة من طبقات المجتمع وهي الطبقة المهمّشة التي تحاول أن تزيح أوزارها بالقهوة والشاي، وتهرب إلى عوالم نائية مع دخان النرجيلة. كذا الشأن بالنسبة إلى البيت في “وحشة ” الذي يتحول إلى رمز للضيق والتوتر ، إنّه الشكل الآخر للموت الذي تنتفي فيه الحركة ، وقد ارتبط بشخصية الأم التي بدت سلبية على مستوى الفعل والحدث من الداخل يقابلها الموت في الخارج الذي شاع في القرية. وليس هو سوى موت العزائم حين تموت إرادة مجتمع نصفه مشلول لا يتقن غير ترديد “الأدعية والأذكار”. وبهذا قد تكون الأم صورة للأمة التي تختنق بالحتميات وإملاءات الشيوخ والعادات والتقاليد التي تقتل في دواخلها الفكر والروح. وغالبا ما يحضر الطريق أو ما يدلّ عليه مثل “ردهات المستشفى ” ليدلل على معنى الضياع والتيه وما الردهة أو الطريق سوى رحلة متعبة مرهقة تعمق مأساة الإنسان وتزيد أوزاره ” كيف سيقطع الطريق الموحش بين المدرسة وبيته” بهذا يتجاوز المكان كونه مجرد إطار للأحداث إلى كونه أحد العناصر الفاعلة في الحدث. إذن فالمكان هو خديم الدراما بل قد يكون شخصية من شخصيّاتها ، خاصة وأنّه يكتفي في الغالب بمكان واحد فيهيمن التّأثّر والاضطرابات الذاتيّة، وهو ما يتحقق في الفضاء الوظيفي. ومن هنا ينشأ الفضاء الدال. فيكون التعالق بين المكان – عنصرًا من عناصر القص -وما يحيل عليه من رمزية تحدد مدلوله . والزمان أيضا ليس بعيدا عن هذا التصور حيث اهتدى جيرار جينيتإلى تقسيم الزمان بدوره إلى قصصي وحكائي وهو المتحكم في دعم مفهوم الوقفة Pose أو الاستباق أو مقدار تواتر الحدث والتشكيل الخطّي له في النص.. وقد يصعب ضبط هذه المقاييس في الأقصوصة يرجعها جيرار جينات إلى عدم توفّر مقاييس مضبوطة للزمان الحكائي، كل ذلك قد يرتبط بمقدار التكثيف والقدرة على السيطرة على الحدث بفعل اللغة وهذا ما نراه في مجموعة الألمعي التي تراوحت النصوص فيها بين القصيرة والقصيرة جدا وهو أمر يجعلنا نقف مرّة أخرى إزاء شعرية الفضاء في الأقصوصة. فتحقيق التكثيف يمكن أن يفتح نص الأقصوصة على النص الشعري وهذا ما جعل صبري حافظ يعلن أن: ” الأقصوصة هي أكثر الأشكال الأدبية اقترابا من كثافة الشعر وتوهّجه وتركيزه”. وقد أثارت هذه المسألة عديد الإشكاليات في مدى صحّة التقارب بين الأقصوصة والشعر. قد ندرج ذلك ضمن ما نسميه “الفضاء الإبداعي الذي يفترض جملة من الشروط حدّدها محمد القاضي في أشكال ثلاثة هي التركيب، والتقابل والتماثل”. في حين يذهب إدغار ألان بو إلى أهمية الوحدة، لذلك يجدر أن تكون قصيرة محدّدة في الفضاء أي نازعة إلى التكثيف ، خاضعة بالكامل للأثر الحاد الذي تنتجه عند حل العقدة. وبكلّ ذلك نصل إلى أهم مظاهر الشعريّة ، وهي البحث عن مظاهر الإيحاء في الفضاء في الخطاب الأقصوصي الذي يحقّق في الآن نفسه وظيفة أسلوبية جماليّة وأخرى تأثيريّة. وهاهنا قد نتحدّث عن القارئ باعتباره الشريك في العمليّة الإبداعيّة حين يستكنه فسحة الفضاء ويحاول أن يلتقط دلالاته الهاربة. ليتحول من مجرد أداة للزينة أو إطارا للأحداث إلى موضوع للقص ، وتتحوّل معه الأقصوصة لتصبح وسيلة بحث عن فضاء مفقود ندرك بعض ملامحه في نصوص الألمعي حين فارق الواقع ليعرج إلى أكوان رومانسية نائية ينشد فيها أملا متجدّدا يزيح عنه أوزاره. وفيها تتحرّر اللغة من مواضعاتها الواقعية لينفتح بها على عوالم ذهنية ” تنبش ساعة الغروب بقايا تتحصّن في أعماقه ، تنمو دقائقها كأشجار متسلّقة ، توقظ مخاوف الطفولة، والليل الطويل الساكن إلاّ من أصوات الهوام والطيور التي تأوي إلى الشّجر الكثيف بجوار بيتهم وصور أشباح يتخيّلها تقترب من النافذة ..”

يتسع مفهوم الفضاء فيتجاوز مفهوم المكان ، بل يصبح أهم من المكان ، على حد تعبير سعيد يقطين، إلى ما هو أبعد وأعمق من التحديد الجغرافي، فتتشكّل شعريّته التي هي بالأساس ذلك البحث عن مظاهر الإيحاء فيه، خاصة وفي علاقته بالخطاب الأقصوصي عامة ، فهو المجال الذي يدور فيه القص ويتشكل عبر البناء الفنّي ، يرسم استراتيجيا الحدث منذ نشوئه وانبلاجه لحظة الولادة الإبداعيّة. ولكن في هذا الفضاء المحدود اتسعت آفاق الكاتب وحملنا في أوساع نفسه الغائرة إلى أفكاره وهواجسه. وهاهنا تتقاذفنا أفكارنا حول مفهوم البطولة في هذا العمل الإبداعي الذي بدا زئبقيّا بين راو يمسك بزمام القص ، فلا يحدّثنا إلاّ بما يحس ويشعر ويفكّر. وبطل حمّال أوزار يختلف في هيئته ولا تنطلي علينا به حيلة القص. وبين فضاء ضيق –رحب ، محدود – مطلق ، واقعي – متخيل لعلّه بدوره يحمل وزر الكاتب ، مكوَّن فني يسهم في تشكيل العالم الأقصوصي ويكشف عبثيّة الإنسان في مواجهة الفضاء الوجودي الذي يبحث عنه ويختاره بديلا لحياة متجدّدة .

المقال السابقحرب
المقال التالىالطقوس والأساطير والعلم
خيرة مباركي ..تونسية -جزائرية (من أب جزايري وام تونسية )أستاذة في اللغة والآداب العربية .. متحصلة على الإجازة في الأدب العربي القديم والحديث وأحضر للماجستير في النقد الادبي .. فنانة تشكيلية وناقدة مع محاولات في الشعر ..عضو في الواحة الدولية للفنون والآداب وفي فنانون بلا حدود مع الدكتور الفنان الرائع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد