إنما الحياة مواقف

 

عندما شعرت زوجة أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي بالغيرة في يوم من الأيام من الالتفاف الجماهيري الكبير وغيابه المتواصل أيام وأيام عن البيت داعبها قائلا ” يدي التي تلوح للملايين ملك لك .” كان أنطون سعادة يقصد ما يقول لأقرب الناس إلى قلبه .
ومن المواقف التي أعجبتني كثيرا في هذه الحياة في عام 2013 عندما خرجت السيدة الأولى أسماء الأسد مع طفليها بين الجماهير في ساحة الأمويين بين الحشود الغفيرة وكأنها تريد أن تسجل موقفا للتاريخ وللسيد رئيس الجمهورية وهو :” أنا مواطنتك يا سيادة الرئيس . مثلي مثل أي مواطن سوري.”
إنما الحياة مواقف هذا ما يقوله الحكماء ..وقليلون من يدركون معنى هذه المواقف .
تروي الحكايات قصصا عن مواقف فيها الحكمة والطرافة والحزن ومن بينها اخترت لكم هذا الأسبوع هذه الحكاية الجميلة :
قال على عجل وهو يضع معطفه فوق كتفيه :” لقد تأخرت قليلا عن الاجتماع. علي أن أسرع.” ثم خرج من البيت مسرعا. ركب سيارته و مشى بعيدا .في هذه الأثناء كانت هي تهبط الدرج درجتين درجتين مسرعة وتصرخ :” انتظر! انتظر!” .لكنها اكتشفت أنه قد رحل.
جعدت فمها كما تجعد جريدة وهمست لنفسها : ” لقد نسي أن يعطيني قبلة الوداع.” كان صوتها يرتجف تحت تأثير شعورها بالألم . اتصلت به بالهاتف وقالت له باتهام: ” لقد غادرت المنزل من دون أن تعطيني قبلة الوداع.” أجابها نادما : ” أنا آسف يا حبيبتي ” ردت : ” لا بأس .”  وحاولت أن تبدو ناضجة تماما ثم أقفلت الخط .
تناولت فطورها بسرعة  ثم لبست حذاءها والتقطت حقيبتها المدرسية ثم بدأت تمشي نحو الباب وكتفيها منحنيين نحو الأسفل بسبب حزنها. وأثناء هبوطها الدرج للخروج ، توقفت سيارة مسرعة أمام المنزل. نزل منها رجل . هرعت إليه مسرعة، وشع وجهها بالنور وكأنه شجرة عيد الميلاد .
غمرها بذراعيه ورفعها إليه ثم قال لها : ” أنا آسف. لقد نسيت .” لم تقل شيئا. لكن فكها تألم من شدة ابتسامتها .
بعد مضي خمسة عشر عاما ، لن يتذكر أحد أنه تأخر عن الاجتماع ، لكن الفتاة الصغيرة لن تنسى أبدا على مر الأيام أن والدها عاد للبيت فقط ليعطيها قبلة الوداع.
و يُحكى أن غانـدي كان يجري بسرعة للحاق بقطار وقد بدأ القطار بالسير وعند صعوده القطار سقطت من قدمـه إحدى فردتي حذائه فما كان منه إلا خلع الفردة الثانية وبسرعة رماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار فتعجب أصدقاؤه !
وسألوه ما حملك على ما فعلت ؟ لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟
فقال غاندي الحكيم: أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الانتفاع بهما فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده ولن أستفيد أنــا منها أيضا.
ويحكى أن رجلا أعمى جلس على إحدى عتبات عمارة واضعا ً قبعته بين قدميه وبجانبه لوحة مكتوب عليها “: أنا أعمى أرجوكم ساعدوني “.فمر رجل إعلانات بالأعمى ووقف ليرى أن قبعته لا تحوي سوى قروش قليلة فوضع المزيد فيها دون أن يستأذن الأعمى . أخذ لوحته وكتب عليها عبارة أخرى وأعادها مكانها ومضى في طريقه لاحظ الأعمى أن قبعته قد امتلأت بالقروش والأوراق النقدية ، فعرف أن شيئاً قد تغير وأدرك أن ما سمعه من الكتابة هو ذلك التغيير فسأل أحد المارة عما هو مكتوب عليها فكانت الآتي “: نحن في فصل الربيع لكنني لا أستطيع رؤية جماله.”
هي الحياة بما لها وما عليها رسائل وإشارات والمحظوظ هو من يفك الشيفرة ويفهم الرسالة المبتغاة منها دون عناء .
ألستم معي في ذلك ؟

المقال السابق” الهمبلة ” !!
المقال التالىحرب
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد