هل خسر أردوغان الرهان في الاعتماد على محور الإخوان ؟


 

بعد ثورة الشعب المصري على حكم الإخوان في مصر بدعم الجيش والسعودية بعدها حاول الملك سلمان أن يقنع أردوغان بالتزام الحياد خصوصا وأن المنطقة تواجه تحديات جسام تتمثل بشكل خاص في سوريا، خصوصا وأن تركيا بحاجة إلى التحالف مع السعودية ومع بقية دول الخليج لتوحيد مواقفها في مواجهة السلوك الإيراني الذي دمر المنطقة، لكن أردوغان اختار الوقوف إلى جانب محور الإخوان مما أدى إلى تقسيم المواقف وتقسم المنطقة.
اضطرت الدول العربية إلى محاصرة دولة قطر، لكن تركيا قفزت على الأزمة وأقامت قاعدة عسكرية في قطر مما عقد من أزمة دول الخليج ولم تتوقف تركيا عند هذا الحد بل قفزت إلى تطوير ميناء سواكن في السودان مما أغضب مصر والسعودية باعتبار أن منطقة البحر الأحمر منطقة حيوية لهما بسبب أن تركيا أصرت على مواقفها من أجل إيجاد أسواق جديدة لها وتنفيذ مشروعها لكي تتقدم نحو المركز العاشر اقتصاديا في عام 2023.
تحولت تركيا إلى مركز مالي لجماعة الإخوان التي نقلت استثماراتها من ماليزيا وأوربا وإندونيسيا وغيرها إلى تركيا في المقابل احتضنت تركيا النسبة الأكبر من المنصات الإعلامية الإخوانية وفي مقدمتها قنوات الشرق ووطن ومكملين التي تبث ضد دولة مصر وضد السعودية ودولة الإمارات بعد حصار الدول الأربع لقطر.
حصار أردوغان وتقليم أظافره يتطلب تجريده من بعض أذرعه وأسباب قوته من أجل تقليص قدرته على المناورة مما يتطلب بالضرورة ضرب سياج مشدد حول الإخوان وأجنحتها، واعتبرت أمريكا دعم قطر أردوغان بنحو 15 مليار دولار كاستثمارات مباشرة في السوق التركي قزم يحاول التعملق، واستعرضت القناة الحرة في أحد برامجها عددا من التجاوزات القطرية وفي مقدمتها دعم الإرهاب وتمويل الجماعات المسلحة في المناطق الساخنة، واعتبرت أن ما قامت به قطر خطوة عدائية تجاهها.
لكن قطر قامت بتلك الخطوة خوفا من تخلي تركيا عنها، فيما الإخوان الذين راهنوا على انهيار الاقتصاد المصري اليوم يقودون حملة لصالح دعم الليرة التركية واعتبروه واجب ديني على كل مسلم ودعوتهم لشراء منتجات تركية لدعم اقتصادها وأن السفر على الخطوط الجوية التركية جهاد في سبيل الله لبناء بلد مسلم وجيش مسلم باعتبار أن تركيا القلعة الأخيرة للمسلمين وهي التي تدافع عنهم وفي الوقت الذي يعتبرون الجيش التركي مسلم فإنهم يهاجمون الجيش المصري ويتمنون أن تصل مصر إلى ما وصلت إليه سوريا والعراق.
هذا الضغط الأمريكي على دولة قطر من أجل أن يجد أردوغان نفسه عاريا من القوة وعاجزا عن مواصلة العمل في عدد من الملفات التي انزعجت منه دول المنطقة وعلى رأسها السعودية ومصر، وكذلك تقليم أظافر أردوغان في سوريا وفي غزة وحتى في الداخل العراقي وأيضا الالتزام بالعقوبات المفروضة على إيران التي يتملص منها أردوغان وهو ما يبعده مجددا عن السعودية ودول الخليج والدول العربية التي تعاني من السلوك الإيراني.
أوربا تتخلى عن تركيا كما تخلت عن إيران في وجه العاصفة الأمريكية رغم أن ألمانيا أعلنت أن اقتصادها سيتأثر بانهيار الليرة، لكن أوربا نصحت تركيا باللجوء إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض، كذلك خسرت تركيا أسواق الدول العربية بسبب موقفها حول ورقة الإخوان رغم أن العلاقات الاقتصادية لم تتوقف مع السعودية ومع بقية دول الخليج، لكنها لن تقدم على توقيع عقود جديدة أو تقديم استثمارات لإنقاذ الليرة التركية كما قدمت لدولة مصر والأردن.
أحلام جمال عبد الناصر والعرب تحطمت لنحو قرن من الزمن، وحلم إيران اليوم سيتم تدميرها والتي تشبه عنتريات صدام حسين، ويسير أردوغان على نفس المسار وعلى نفس درب جمال عبد الناصر الذي كان يعتمد على تحشيد الشارع العربي بشخصيته المبهرة وهو ما يفعله أردوغان اليوم، وبالطبع هناك جبهة عريضة للتيارات الإسلامية التي تسوق لأردوغان وهو ما جعل أردوغان يقع في فخ الشعبوية كما وقع جمال عبد الناصر هو وصدام حسين في توريط الأمة العربية في مواجهات تصعيدية لا مبرر لها مثل إغلاق جمال عبد الناصر ممر تيران أمام القوات الإسرائيلية وحذرته أمريكا لكنه لم يتراجع عن قراره لأنه مخالف للاتفاق المصري السعودي الأميركي البريطاني الموقع عام 1957، بل رد الرئيس عبد الناصر بأن ممر تيران ليس ممرا دوليا بل ممرا إقليميا أي ممر أدرني سعودي مصري الذي تحول اليوم إلى نيوم مشروع المستقبل للدول الثلاثة السعودية ومصر والأردن مما يعطي درسا أكثر ازدهارا مستقبل يسوده السلام والتعايش ولن تنساق هذه الدول للمزايدات مهما بلغ مداها.
البعض يتساءل أين يتجه الاقتصاد التركي؟ وهل تركيا على شفا الانهيار الاقتصادي؟، لكن من المؤكد لا يمكن اختزال الأزمة التركية في الليرة في مواجهة الدولار وهي أكثر تعقيدا من ذلك بكثير حيث اقتراب التجربة الأردوغانية من نهايتها ولكنه تجاهلها.
تجربة أردوغان الذي استطاع حذف ستة أصفار من العملة التركية عام 2005 حتى أصبحت الليرة تساوي كل دولار نحو 1.324 وكانت مستقرة مع بداية الثورات العربية عام 2011 عند 1.675 وبدأت تنخفض منذ عام 2014 لكنها انهارت بداية 2018 التي وصلت إلى 6.63 في 21 أغسطس.
التعبئة الشعبوية التي يتبعها أردوغان لها مكان في عالم السياسة، لكنها ليس لها مكان في عالم الاقتصاد، فبعد سنوات من النمو المرتفع يواجه أردوغان نيران كثيفة نتيجة المواجهة الراهنة بين المستثمرين والرئيس أردوغان بسبب تدخله في سياسات البنك المركزي الذي فقد جاذبيته ما يدفعهم للتخلص من الليرة، ويرى بعض الاقتصاديين أن فقاعة النمو التركي قد بلغت منتهاها، وأنقرة بحاجة إلى مجموعة جديدة من السياسات الاقتصادية لتفادي الانهيار، والحزمة الأخيرة من البنك المركزي ليست أكثر من مسكنات ضرورية وإذا لم تترافق رؤية تنموية على غرار رؤية السعودية 2030 فإن ما تحقق في السنوات الماضية من انجازات اقتصادية ستذهب أدراج الرياح.
الولايات المتحدة وأوربا لديهم أسس اقتصادية أقوى عشرات المرات من تركيا لكنهم تعرضوا لأزمة اقتصادية عام 2008، وما يرغب فيه المستثمر حاليا أن يرى إجراءات أكثر قوة من قرار البنك المركزي بتوفير مزيد من السيولة المالية في الأسواق، بسبب أن الاقتصاد التركي يعاني من نقاط ضعف في مجالات البناء والقطاع العقاري ويتوافق مع زيادة الفائدة الأمريكية الذي يعني أن رؤوس الأموال تتطلع إلى الاستثمار في الداخل الأمريكي والخروج من الأسواق الناشئة وليس فقط من تركيا وهي ما تسمى بالأموال الساخنة، وأكثر من 80 في المائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في تركيا أوربية وأمريكية، ومع روسيا تصل لنحو 6 في المائة، لكن شراء تركيا منظومة إس 400 من روسيا أقلق الولايات المتحدة واعتبرتها سابقة غير معهودة بسبب أن تركيا في منظومة حلف شمال الأطلسي وهي خطوة اتخذها أردوغان بعد رفض الاتحاد الأوربي انضمام تركيا إليه، وكذلك بعد رفض أمريكا تزويد تركيا بصواريخ باتريوت.
وتعمل روسيا على إمداد تركيا بنصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي سنويا، وتخطط شركة غازبروم بإنشاء خط أنابيب ( تورك – ستريم ) الذي يسمى بالشريان التركي والذي سينتهي عام 2019، كما منح الرئيس التركي شركة روزاتوم النووية حقوق إنشاء محطة أكويو النووية في تركيا بلغت قيمته 20 مليار دولار وعرضت الشركة الذرية الروسية تغطية تمويل المشروع العملاق مقابل الحصول على نسبة 51 في المائة من الملكية، وستغطي المحطة نسبة 10 في المائة من الاحتياجات التركية السنوية من الطاقة، ما يعني نأي تركيا عن فلك الولايات المتحدة لأن أردوغان يتهم الولايات المتحدة بأنها كانت وراء الانقلاب ضده في 2016 وهذا التقارب مع روسيا من أجل الحيلولة دون حدوث انقلاب ضده، وتأتي الاعتبارات الاقتصادية في المرتبة الثانية لذلك أرادت الولايات المتحدة إحراجه وأن ورقة الاقتصاد تأتي في المرتبة الأولى وأن يعيد حساباته، وتلك الظروف خدمت روسيا في سوريا وأذعن أردوغان لروسيا.
اختزال الأزمة التركية في انخفاض الليرة يمثل تبسيطا شديدا لأزمة شديدة التعقيد، يحرف أسلوب المعالجة بعيدا عن الجذور الحقيقية للأزمة، التي باتت تهدد إنجازات الأتراك الاقتصادية ونقلتهم من مراكز متأخرة جدا حيث يبلغ الناتج المحلي 180 مليار دولار عام 2001 ونسبة الفقر 50 في المائة إلى المركز السابع عشر، ويريد أردوغان نقل تركيا بحلول الذكرى المئوية الأولى لإعلان الجمهورية في 2023 مشيرا أن الناتج المحلي سيبلغ تريليوني دولار في هذا التاريخ.
لكن الأزمة الراهنة ووقوع تركيا في منطقة ساخنة بالأحداث، ففي 2008 كانت هناك الحرب بين الجارة جورجيا وروسيا، ومن الشمال حرب أوكرانيا التي هي في حالة حرب منذ 8 سنوات مع روسيا، وفي 2011 ثورات الربيع العربي خصوصا وأن تركيا ترتبط بحدود برية تبلغ نحو 900 كيلومترا مع سوريا ونحو 400 كيلومترا مع العراق.
يعتبر عدد من الاقتصاديين أن تكلفة ديون تركيا أكثر أهمية من صرف الليرة، فخلال السنوات العشر الماضية استفادت تركيا من الأزمة المالية التي ضربت أمريكا وأوربا أدى الإفراط التركي في الاقتراض إلى ارتفاع إجمالي الديون التركية إلى نحو 466.67 مليار دولار في نهاية مارس 2018 والتي تبلغ نسبة 52.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 882.16 مليار دولار، وهناك قروض واجبة السداد تبلغ نحو 303.2 مليار دولار ، نصيب القطاع الخاص بلغ نحو 69.7 في المائة من إجمالي الديون الخارجية والتي قفزت من 33 في المائة عام 2007.
تبلغ تكلفة الديون حاليا 18 في المائة سنويا بالليرة التركية و7 في المائة بالدولار، خصوصا بعدما فشلت تركيا في توسيع أسواقها بسبب أزماتها نتيجة انحيازها لمحور الإخوان، فخسرت توسيع أسواقها في دول الخليج وفي أفريقيا وكذلك مع أمريكا بسبب الأزمة الحالية بين البلدين، وهي تحاول أن تسابق الزمن في الحصول على أسواق جديدة بعدما رفضت أوربا انضمامها، رغم أن تركيا جزء من الاتحاد الجمركي الأوربي في 21 ديسمبر 1995 وهي عضو مؤسس في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عام 1961 وفي مجموعة العشرين عام 1999.
السبب الرئيسي في الخلط الذي حدث بين السياسة والاقتصاد، بالتأكيد هناك تداخل بين الاثنين دائما، لكن عندما يوجه الاقتصاد لخدمة الأهداف السياسية بعيدا عن القوانين المنظمة لعلم الاقتصاد فإن المنطقي أن تشهد تركيا ما تشهده حاليا.
لتركيا مراكز قوى لكن بالتأكيد النظام المصرفي ليس واحدا منها بسبب أنها لم تكن مبنية على أسس اقتصادية صلبة وأنه يعتمد على الاقتراض من الخارج لتمويل أنشطته، بسبب أن نجاحها كان مستمد من ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، خاصة في قطاع البناء والتشييد.
يشبه الاقتصاد التركي عندما كانت تحتل الأرجنتين المرتبة العاشرة في تصنيف الاقتصاد العالمي ومع هذا لم يكد القرن العشرين ينتهي إلا وكانت الأرجنتين تعلن إفلاسها أكثر من مرة، وحتى الآن لا تزال الأرجنتين تعاني أوضاعا اقتصادية صعبة على الرغم من ثرائها بالموارد الطبيعية.

لا تعليقات

اترك رد