المسرح بين استدعاء التراثي إيجاباً واجتراره إحياءً للمنقرض

 

عندما نقرأ صفحة المذاهب الأدبية والفنية سنجد أن في الرومانسية ما يشير بوضوح ودقة إلى حال الوله المرضي بالمنقرض ليصير تعريفاً لأحد أجنحة الرومانسية ومحاولة إحياء ذلك المنقرض واجتراره بمعنى تقليده ومحاكاته بعصر يحمل قوانينه الخاصة المتعارضة وذاك الماضي. والأصل في الرومانسية عندما نقرأ أبعادها في ضوء الثورة البرجوازية وتحطيم قوانين الكلاسي ووجودها المذهبي الجمالي سيكون بوساطة الدرام البرجوازي الأمر الذي سنجده مختلفاً تجاه ما نتحدث هنا عنه من جناح رومانسي لا يتواءم ومنطق العيش الراهن وقوانينه، فيلجأ إلى التفات إلى الوراء حيث بعضهم يظل مولعا ولِهاً بالمنقرض..

إن هذا الجناح تحديداً لا يبحث عن وسائل الاستفادة من تجاريب الماضي وتغيير الأدوات في التعامل مع ظروف عيشه.. صحيح أن اتجاهات فنية عديدة وظَّفت التراثي بوصفه رمزاً لاشتغالاتها إلا أن من الصحيح أيضا وجود أجنحة ماضوية المنطق كانت لا تبحث عن توظيف الماضي رمزياً بما يتيح متابعة حركة الزمن ومتغيراته بل تقدم ذاك التراثي بطريقة تستدر عواطف الناس لتشلّها وتحنطها بقوانين الماضي بصورة تنغلق عليه فتُكْرِهُ الحاضر على رفض جوهر قوانينه وعلى ارتداء لبوس الماضي المنقرض، بالضبط من الشواهد الحية أمام أعيننا حال ارتداء الأزياء التي كانت ابنة قرون وعصور انصرمت وانتهت…

إنهم يقدسون التمظهر بجلابيب ونماذج لم تعد بيومنا سوى من تراثيات سيكون جميلا ارتداؤها بمناسبة حفلة تنكرية أو استعراض صورة الأمس فيما ستثير السخرية يوم يجعلها أحدهم لباسه العادي بيومنا! إن الملابس والمظاهر ليست ذات قدسية ملزمة واجبة وهي شكليات تظهر وتختفي بحسب كل عصر وإمكانات التعبير فيه ووسائل الصناعة والتصميم بما تقتضيه البيئة وظروفها.. بينما أولئك الذين يقدسون المنقرض يجترونه بشكلياته متجنبين أية فرصة للتدبر في الجواهر وما تقتضيه….

وفكرياً جمالياً، سنجد أن سبارتكوس يمكن تقديمه بطلاً رمزاً للبطولة والتضحية وقيادة حراك الشعب من أجل الحرية ويمكن أن يكون مجرد استدعاء ذاك الماضي المنقرض للعيش في كنف مجرياته كما كان وكأنه هو البطولة وما بعده انتهى! ولربما اطلع القارئ الكريم على مسرحيات قدمت الحسين ثائراً رمزاً لحركة إصلاح الأوضاع والتمسك بثوابت قيمية سامية بينما نجد حالات تقديم الحسين بواقعة ماساوية أليمة بـ(بكائيات) تكون المعالجة فيها مجرد استدرار دموع وأحزان يريدونها أن تتملك عواطف أو مشاعر المتلقي فتمحو فيه أية قدرات على التعامل مع واقعه.. إنهم يقدمون الواقعة والرمز مجرد بكائية تسلب منها معانيها الجوهرية وتلغي فرصة توظيفها رمزاً ليومنا في التحدي والانعتاق…

لهذا نجد السلطات بظلال النظام الطائفي تصرف مئات الملايين، طبعا ليس من جيبها، وعلى مدار العام كي تقدم نمطاً يجتر الشكلي وينزع عنه جوهره ومعانيه بخزعبلات من تأليف من يسمونه رجل دين مجلبب وممثل يحفظ مُلائيات مَقتل فيما رائع المعاني لا ترد إلا بصيغ وشكليات (بيانية وصنعة لغوية) تستدر الانفعالات فقط لا غير..

ومثله سنجد ما يسمونه مسرحاً ويلصقون به وصفا بنسبته إلى هذه الشخصية التاريخية أو تلك أو الدينية ليسترزقوا بقدسيتها وجودهم بينما المسرح مولود في رحم التقدم البشري (المديني) يحمل قوانينه ومتغيراته ويرفض التقيد بقوانين عندما يكون عهدها انتهى لأن معنى التمدن والتحضر يكمن في (المتغير) تحديداً…

إن انتماء المسرح وقوانينه وأسس اشتغاله وتوظيفاته يقع حيث الوجود الإنساني المتقدم بمتغير ولادة المدينة من رحم الحياة البشرية ومجتمعاتها الأولى والمسرح بأجناسه ارتبط دوما بمتغيرات الحضارة ومتغيرات الصراع في دولة المدينة ثم تطورات وجود الدولة والمجتمعات البشرية حتى يومنا وهو ما لا يتعارض والقيم السامية بحقيقتها لا بما يفرغها من ثوابتها…

إنّ حركة التمدن لا تقطع استثمار المنجز البشري ومنه الرموز التراثية ولكنها بوصفها حركة تنويرية تستند للعقل العلمي لا تقبل باجترار رمزٍ شكليا ولا تقرّ نزع الدلالة بنزع جوهرها ومقاصدها في أنسنة وجودنا..

وعلى سبيل المثال فإن أبطالا في التاريخ الوطني القومي والإنساني بدءا بجلجامش وأنكيدو ومرورا بأسماء كأورنمو وحمورابي ونبوخذنصر ثم مرورا بالحمزة وعمر وعلي والحسين فالحلاج وغيرهم؛ وما تعنيه قصص حيوات كل أولئك، إنهم جميعا أبناء عصرهم قدموا ما تطلَّبه منهم كل عصر فخلدهم التاريخ في منجزهم.. وكل اسم في التاريخ باقٍ بسلبيته كما اسم نيرون أو إيجابياته كما الحلاج وغيرهما كُثُر…

أن نبكي جلجامش أبداً لأنه لم يحظ بنبتة الخلود، أو نبكي فلانا أبدا فلا دين في ذلك ولا مذهب ولا قدسيتهما ولكن إسقاط القدسية على ما نتولَّه فيه من المنقرض أو الباقي حيا في الضمير، بحسب الحال؛ إنما هو أمر يخدم الدجل لرجال كهنوت يحيون اليوم على دماء الفقراء الأبرياء وكل القصص المدبجة هي بين الوله بالمنقرض شكلا يستهدف استلاب شخصياتنا أو استدعاء التراثي إيجابا بوصفه رمزا يُغني ويتقدم بنا، وكلا النموذجين نراهما بيومنا..

إنما يكثر نموذج الاجترار بظلال نظم، كالنظام الطائفي الفاسد بالعراق اليوم فيما المسرح الحقيقي الذي يبني الأنفس ويقوي العزائم محظور مصادَر لأنه يفضح جريمة الاجترار البكائية بتقديمه ذات الشخصيات برمزيتها الفكرية الإيجابية ناصعة الوجود بهيته…

إن قراءة التوظيف بنائيا للماضي ورموزه الإيجابية ستكون بإيراد تلك الرموز في سياقات الحوار ومنطق الموضوع الذي تتناوله المسرحية.. كما يمكن أن يكون بمعالجة الشخصية التراثية ووضعها في سياق العمل الدرامي من بوابة السيرة التاريخية أو من بوابة إبداع صورة حوار بين شخصيتي الحاضر والماضي ما يتطلب أساسا بنيوياً بعينه للعمل المسرحي…

لكننا بخصوص الاجترار السلبي نقف عند تخوم عرض واحد يتقمص الشخصية التاريخية التراثية تحديدا منها الشخصية الدينية المقدسة ذات الوقع التراجيدي لمزيد استدرار عواطف وانفعالات بطريقة بكائية تتقصد إيقاع الصدمة والاحباط والسلبية والاستسلام للقدر عند شخصية المتلقي ما يجعلها تابعة خانعة لأي مجلبب معمم من ممثلي نظام حكم طائفي مرضي كالذي يعيشه العراقي…

إنّ تقديم تلك الشخصية بطريقة بطولية لا ركوس ولا انتكاس فيها بطريقة رمزية ستمنح المتلقي قدرات الاقتداء بشخصية فاعلة بخلاف العرض والتقديم بأسلوب النواح الذي ما أنزل الله به من سلطان.. وأتذكر هنا على سبيل المثال قولا أو حديثا ينص على أنه لا عزاء فوق ثلاث لكن من يقيم التعازي بأسلوب الاجترار واستدرار العواطف إنما يتقصد تكريس منظومة قيمية سلبية مرضية للسطو على الجموع المجهّلة عن قصد وإصرار على منع تشغيل العقل..

إن المسرح ليس حالة قصَّخون يحكي سيراً أو خرافاتٍ لمستمعين خاليّ الوفاض وهو لا يمثل وجوده (المسرحي) ما لم يكن هناك جمهور واع قادر على إعمال العقل ومناقشة ما يعرض عليه بما يستكمل دائرة مبدع متلقٍ بصورة مكتملة سليمة صحيحة…

إن معالجتي المقترحة هنا، تركز على تصورين لتقديم التراثي وهما متناقضين في أسلوبهما ومقاصدهما وبحدود هذي الزاوية أرجو أن أكون قدمت أوليات حوار وومضة مناسبة بمجالهما لقراءة المشهد المسرحي العراقي والعربي بحدود زاوية المعالجة.

لا تعليقات

اترك رد