مماحكات أمريكا لإيران

 

منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية بدأ صراع كوني جديد وسباق في التطور العلمي وبالأخص العسكري وتطوير الآلة الحربية ويدخل ضمنه محاولة التمدد وبسط النفوذ على اكبر مساحة من أراضي الدول الأخرى اتفق علماء السياسة على تسميته بالحرب الباردة بين معسكرين شرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي (السابق) وغربي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية انتهى على اثر انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الدول التي كانت تساهم فيه بل وقسم منها ارتمى في أحضان المعسكر الغربي بعد تولي زعامات جديدة لقيادة السلطة فيها فانفرد المعسكر الغربي في قيادة العالم وتعالت الهيمنة الأمريكية على هذا التحالف ولمقاومة التغول الأمريكي سعت الدول الأوربية إلى إقامة تحالف بينها ولو على شكل منظمة اقتصادية وانكفأت في الاهتمام بأوطانها بعد أن انتهى عصر الاستعمار (الذي اعترض على تسميته) وعادت أوربا تطور من إمكانياتها الذاتية دون أن يكون لها طموح في احتلال بلدان الغير في أرجاء المعمورة الا بشكل محدود على العكس من الولايات المتحدة الأمريكية التي تناست الدرس الذي تلقته في فيتنام وحولت طريقتها من الاحتلال المباشر إلى غير المباشر (وهو السيطرة على ثروات الغير واستنزافها دون تواجد عسكري) بعد أن هيأت من ينفذ لها مشاريعها ولكنها عادت إلى أسلوبها القديم ودمجت بين الطريقتين كما حصل في العراق عام 2003 فاحتلته عسكريا ونصبت عليه بول بريمر حاكم مدني كما نتذكر جميعا.

للولايات المتحدة أسلوب خبيث في تنصيب الزعامات تحت عناوين يحسبها البسيط الذي لا يعرف تاريخها الأسود حقيقية كإقامة دولة ديمقراطية وتراعي حقوق الإنسان وتحترم الحرية الفردية والحكومة الوطنية وما شاكل كما حصل في (الربيع العربي) السيئ الصيت ولكنها في بواطن الأمور ( اقصد أمريكا ) تطبخ على نار هادئة وتصبر على فريستها إلى أن تتعب وتقع في مصيدتها فتلتهمها بهدوء وهذا ما حصل سابقا في العراق الذي حاصرته أكثر من ثلاثة عشر عام ويحصل اليوم مع غيره فهي تستنزف كل إمكانيات خصمها أو من يخرج عن إرادتها البشرية والمادية وطبعا لصالحها حتى إذا ما استسلم كان لها ما تريد وهذا بفضل تسخير كل الطاقات العالمية إضافة إلى ما تمتلك لخدمة مشاريعها وهي تسحق كل من يقف في طريقها عدا إسرائيل لخصوصيتها المتميزة فهي حليف استراتيجي ولا يتقاطعان بل ربما أمريكا صارت يد إسرائيل الضاربة في منطقتنا لأنها لا عداء لها مع شعوب الأرض إلا العرب .

ما نريد الحديث عنه إن رغبة القوة الأمريكية والمصالح الإسرائيلية اتفقت على أن تجري الأمور بالطريقة التي نشاهدها اليوم في منطقتنا التي يسمونها الشرق الأوسط وبدأت منذ مطلع القرن الحالي تتقاطع المصالح في بسط الهيمنة وتزعم الأدوار والقرارات حصريا في منطقة الجزيرة العربية صعودا شمالها إلى الحدود التركية بين الولايات المتحدة الأمريكية (وإسرائيل ضمنها حتما) في مقابل معسكر إيران وتركيا في جبهة أخرى ولكن اقل حدة واضعف تأثيرا ونحن العرب أرضنا ساحة لهذا الصراع وأموالنا مغذياته المادية ودماءنا وقوده ولا احد يأخذ برأينا بل ولن نستطيع إبداء خوفنا وحرصنا على مصالحنا فإيران تقتضي مصالحها الانتشار في لبنان حيث يعتبر جنوبه بزعامة حزب الله قاعدة إيرانية بامتياز وإيران لها مبرراتها في التواجد في اليمن والقرن الأفريقي لتحكم سيطرتها على مدخل البحر الأحمر الذي يختزل الطريق إلى أوربا وترى من الضروري دعم حكومة السيد بشار الأسد ربما كعرفان بالجميل السوري الذي وقف إلى جانبها أثناء الحرب العراقية الإيرانية ووفاء لها أو ربما دعما للعقيدة المشتركة والانتماء الطائفي (على ضعف هذا الرأي) لان روسيا والصين من غير المسلمين ولكنهم يدعمون سوريا طبعا بالإضافة إلى إطلالة إيران على طول السواحل الشرقية للخليج وهيمنتها المطلقة على خصره في مضيق هرمز الذي يبلغ عرضه ( فقط ستون مترا) وهو تقريبا ضمن المياه الإقليمية الإيرانية .

وجه الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران الظاهري يتمثل في القدرات النووية الإيرانية وتطوير أسلحتها الصاروخية البعيدة المدى وهو ليس بسبب كافي فبداياته كانت بدعم أمريكا منذ عام 1957 وهي أول من زودتها بتقنياته مع بعض الشركات الروسية والصينية والغربية كما إن بعض دول أواسط آسيا تمتلك علنا الأسلحة النووية مثل الهند وباكستان ناهيك عن الدول الآسيوية العظمى وعن كوريا ولم تقف أمريكا منها ذات الموقف فما الخطر الذي يمكن أن تشكله إيران بامتلاكها للتقنية النووية ؟

المشكلة أعمق واكبر من هذا فمنطقتنا هذه تزود العالم بثلث الإنتاج النفطي تقريبا ولازالت تمثل حلقة الوصل بين مشرق العالم ومغربيه وهي منجم كبير لا يكاد ينضب لكل الثروات ولازالت قبلة لأنظار كل الدول ومحطة لتنافسها فالصين ثبتت وجودها في مياه الخليج من خلال اتفاقية الاستثمار في الكويت إضافة إلى استثماراتها داخل إيران نفسها والعراق وروسيا تحاول الإبقاء على تواجدها في المنطقة لمصلحتها الاقتصادية فهي تحاول التواجد في إيران من خلال المنشات النووية وخلق فرص تعاون اقتصادي معها من جهة ومنع مد أنبوب الغاز الخليجي إلى أوربا كما تعمل للمحافظة على تواجدها في سوريا من خلال الدعم العسكري وما يترتب عليه من تسويق لبضاعتها العسكرية خصوصا بعد أن فقدت مكانتها في العراق بعد أحداث عام 2003 وهي تحلم بخلافة الاتحاد السوفيتي وعودتها إلى مسرح الأحداث كقطب منافس لأمريكا , وإيران لا زالت تحلم بإعادة أمجاد إمبراطوريتها من خلال تزعمها لطائفة واسعة من المسلمين وتركيا تحلم بإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية والاهم من هذا وذاك أمريكا التي هيمنت على العالم بكل أنواع القوة لا تريد لأحد حليفا كان لها أو عدو أن يخرج عن طاعتها ولا تريد أن تفقد مكانتها ونفوذها الذي يؤمن حماية حليفتها المدللة إسرائيل فتثير الفتن لتشغل الجميع عن ما تخطط له في تامين حدودها بهدوء بعيدا عن إزعاج من يعارضها والانتهاء منها بشكل كامل وبالنتيجة النهائية فانها تحاول وضع إيران على جادتها من خلال تقليم اظافرها ليس أكثر وان ما سيحصل في ساعة الصفر لا يتجاوز في ابعد مدى له ضربة صاروخية أمريكية لبعض الأهداف الإيرانية وهو أمر مستبعد الحصول لا خوفا من إيران وطريقة ردها ولكن تجنب لما يترتب عليها من آثار كبيرة وأنها تدرك أيضا إن التلويح بالعصا غير من الضرب بها.

وعودة على ذي بدء فان الولايات المتحدة لازالت تشعر إنها من يقود العالم وبالطريق التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وتحمل الآخرين تبعات مخططاتها وتكاليف حروبها ولا زال العالم يقاومها إلا الحكام العرب مستمرين يتبعونها كما العبد لسيده دون مراعاة لمصالح شعوبهم وان غدا لناظره قريب.

لا تعليقات

اترك رد