عوامل تفعيل حركة التذوق الفني التشكيلي ج3

 

التذوق والخيال:
اذا كان المتذوق عند تأمله للعمل الفني يعيش واقع التجربة الجمالية للمبدع التي نسميها هنا بالتجربة الفنية، فأن هذا التأمل يحتاج الى خيال واسع يحقق حضور الأبعاد الكاملة دون نقص للمنجز الذي تجسد في بدن خيال المبدع وقت إنجازه، ولذلك فأن عملية ادراك العمل يحتاج الى (مستقبل) أو متسلم يوازي خيال المؤثر (الفنان) في قوته وسعته، ويعد الخيال من أهم الخصائص التي تميز عملاً فنياً تشكيلياً عن آخر.

فكلما ازداد الخيال ثراء، ثقل وزن التجربة الفنية في داخل العمل الفني. والخيال يعني استدعاء لعديد من الصور التي تزدحم في مخيلة المتذوق وفي تجربته التأملية. مثلما هي عند الفنان في الشيء الواحد أو، أوضاعه المتعددة، ان هذه الأشياء التي تثير المتذوق هي أصلاً موجودة في الطبيعة، قد تغلب عليها الألفة والروتين بالنسبة للمتذوق العادي، فتنطفيء بهجتها وأثارتها. أما بالنسبة للمتذوق، فهذه البهجة لا تنطفيء، فهو يرى الأشياء مثلما يراها الطفل أول مرة، فيها حياة متجددة ومتغيرة، ذات معانٍ متغايرة، تزداد بأزدياد تجربته التذوقية، وبمقدار نموها ونضجها.

ويرتبط نسيج الخيال عند المتلقي بجملة عوامل متعددة مركبة في شخصيته تجعل في خياله قدراً مستطاعاً من التفسير والمرونة والتأويل احياناً متكافئة مع مستوياته الأدراكية وأسقاطاته الذاتية المرتبطة بماضيه الطفولي ونوع ثقافته ومستواها مما يجعله ميالاً لأتجاه من الفن نتيجة هذه المؤثرات التي ذكرناها.

وتعد المدرسة السوريالية من أكثر المدارس الفنية عنايةً بالخيال، فالصورة تاتي متلاحقة في الأحلام بأنواعها: أحلام اليقظة، وأحلام النوم العميق، وتأتي تباعاً في ترابط الخواطر وأستدعائها وفي أغلب الأحيان من كوامن في اللاشعور.. ويعتقد السورياليون أن الحقائق الظاهرة التي نتعامل وفقاً لها في الحياة العادية،لاتمثل الا في الحقائق، أما أربعة الأخماس الباقية فتستقر في اللاشعور. وعلى ذلك فأن الفنان السوريالي يسعى بخياله لكشف تلك الكوامن المختبئة، تارة للتعبير عنها بصفتها شحنة معلقة، أو معنى مثير، أو مضموناً ملازماً لتفكيره الشعوري واللاشعوري، أو للتنفيس عنها تارة أخرى.

ولكن علينا هنا ان نفرق بين الخيال، والتصور، فالأول لا يجد نفسه على أرض الواقع بل يوجد واقعه من كل الأمكانات المتاحة في الماضي والحاضر، فهو يجمع ليولد صوراً جديدة مبتكرة، أما التصور فيستدعي الصور كما هي، فالتصور إذن هو أداة تذكر للشيء، كما هو كائن، دون تغيير أو أضافة.

ولو أقتصر خيالنا على دنيا الواقع المحدود لبقيت الحياة قفراً بلا شعر أو خيال، مملة وعلى وتيرة واحدة، لا تساعد على ان يعيشها أحد بكل معانيها الفنية الجميلة. لذلك فالفن هو أحد الأدوات التي تأخذ الأنسان من دنيا الواقع الى عالم الأحلام والجمال والتصور المتكامل الذي لا يتاح في الحياة العادية بكل همومها وشقائها ومتاعبها اليومية. وعلى ذلك فالانجازات الفنية الرائعة للمبدعين بمختلف تعبيراتهم انما يحلقون في خيال المتذوق في سماء عوالم يصنعونها بأنفسهم علها تعوض شيئاً مما يعانيه أي متذوق من روتين الحياة وقسوتها.

ولا يقتصر الخيال على أثارة السعادة والسرور، بل ان المآسي والأحزان تخف وطأتها حين نرى الأسى مجسداً بخيال الفنان، فنعيه ونتحكم فيه، فتزداد نشوتنا عندما تزداد سيطرتنا عليه من خلال الفن. وهنالك شواهد تأريخية جسدها فنان وادي الرافدين، اذ يصور لنا تمثال قديم من العصر البابلي (700 ق.م) الشيطان وهو من التراكونا، إذ جسد الفنان معنى الشر من خلال عمله صورة مستخلصة من عالم الحيوانات المفترسة: النمر: الذئب، يكشر عن انيابه وتظهر التجاعيد كلها حول فمه وجبهته وفي صدره، فيما تتكيء المخالب لتعطي وضع الأستعداد أو الأنقضاض، إنه تجسيد للشراسة وخاصة في تينك العينين الواسعتين اللتين تشعان شراً. وفي الفم المفتوح الذي يكشر عن تلك الانياب المسعورة. والخيال هنا يؤكد أعادة التجربة الأنسانية عن القسوة والشراسة والقدرة التي هي سمات الشيطان ويؤكد (جون ديوي،الفن خبرة، ص45) “وحينما تستحيل الاشياء القديمة المألوفة الى أشياء جديدة في التجربة، فهنالك لا بد أن يكون ثمة خيال، وحينما يتم خلق الجديد فلا بد للقريب والبعيد أن يصبحا أكثر الأشياء طبيعية وحتمية في العالم. وهنالك دائماً قدر من المخاطرة في التقاء العقل والكون والخيال، وما الخيال سوى هذا القدر من المخاطر” وفي حديث آخر يقول “ان التوافق الشعوري الجديد مع القديم هو بعينه الخيال.

ومن هذا نستنتج ان الخيال لا يتحقق. في خواء وانما تصاغ خبرة الماضي من جديد لتتلائم مع الظروف الجديدة التي تواجهها. ولذلك فأن الخيال هو الأداة التي تساعد على التغير والتحول وربط الجديد بالقديم، وربما يظهر الخيال شيئاً جديداً غير مألوف لا يستسيغه الناس، وقد يثورون ضده في البداية، لكن سرعان ما تجدهم يتذوقونه ويتمتعون به ويميلون اليه، لأنه يعبر عن مشاعرهم وهواجسهم. لذلك فالخيال عند المتلقي يؤدي دوراً مهماً في التأثير على عملية الأدراك والتذوق.

ويقول جان برتليمي (الصفة التي يتصف بها الفنان المصور في هذا المجال ليست المشاهدة بل الخيال، فالخيال في مجال الفنون الجميلة هو (سيدالملكات) (برتليمي، بحث في علم الجمال،ص120،1970(

على أية حال، هو الذي يحلل العناصر التي تقدم للحواس والعقل ويعيد تشكيلها كما يتراءى له. ولهذا فان (الصيغة التي يصاغ فيها علم الجمال الحقيقي) تنحصر في هذا المبدأ: “ما العالم المرئي كله الا مخزن صور ورموز يعطيها، الخيال مكانة وقيمة نسبية. وهو نوع من غذاء، على الخيال أن يهضمه ويحوله ومن هنا كان الفرق بين مصور عبقري مثل ديلاكروا، ومصور واقعي سطحي مباشر، يجدر بالأحرى القول عنه: انه ايجابي، فالواقعي يقول أريد تصوير الأشياء كما هي، أو كما تكون، لو فرضت أني غير موجود. أما التخيلي فيقول: أريد أن تلقى روحي ضوءاً على الأشياء وأن أضفي هذا الضوء على الأرواح الأخرى.

ولا يعني الخيال هنا سواء عند المتذوق أو المبدع هو (نزوة الهوى) أو الحلم أو القدرة على بناء صروح في الهواء، بل كما يراه (بودلير) مردوداً قول مؤلف غير معروف – الخيال الأبداعي، بصفته وظيفة أرفع من ذاك، ويشتغل الخيال عند المتذوق بعد تسلم الأشارات الحسية الصادرة من العمل فيقوم بتفسير تلك الأشارات وأدراكها ذهنياً، الا أن هذه المدركات تحتاج الى أضافة تخيلية تجسم المشاهدات الصورية وتمنحها ابعاداً تسبغ على العمل الفني أو أي شيء يصدر قيمةً تذوقية مدعمة بتراكم المشاهدات الصورية الأخرى، التي تنتج خبرات لدى المتذوق. فالخيال هنا يعد مساحة أو فضاء في الذهن تتحرك فيه الصور المشاهدة كي تتحول تلك المشاهدات من حالة التصور الذهني الى حالة الخيال.

ضرورة التذوق :
أن الفرد الذي تنمو جوانبه دون أن يكون لتذوقه نصيب من النمو، انما يصيبه نقص يؤثر على كيانه الكلي (السلوكي) ومركزه في الوسط الأجتماعي، دون أن يشعر هو بذلك، وقد يتضح ذلك من سلوكيات تثير أمتعاض ذوي الأحساس والتذوق العالي، ومن هذه السلوكيات، الصوت العالي، وأستخدام الموسيقى العالية، والتصرفات الشائنة المختلفة ابتداءً من الأسرة وانتهاءً بالعمل والمجتمع.

وعلى ذلك فهم لا يقابلون بأحترام من الجماعة، فالتذوق في الحقيقة عنوان للشخصية بأسرها، وهو أنعكاس لسلوك الفرد عامة، وكلما أرتقى تميزت أنسانية الفرد المتحضرة، أما اذا دنت، انحدرت الى مستويات بعيدة عن الأنسانية.

والتذوق كما يرى (بسيوني) ينمو بالممارسة، فالعين التي ترى الأشياء، المنسقة، المنظمة، الجميلة الألوان والأشكال، ينمو لديها معيار تقيس به قيم الأشياء الجمالية، في حين اذا كانت العين قد درجت على الأشياء القبيحة، ولم تكن سوى العلاقات السيئة، فأنها لا تستطيع وبالتالي تميز الأشياء اذا ما أرتفعت في علاقاتها الجمالية.

ان العمل الفني الجميل يشتمل على أكتمال “في الشكل وأعتدال في الأسلوب، وبدرجة تضمن له ان يكون كلاً متبعاً ومصنعاً في ذاته وخلال أحداثه لتأثيره.ولذلك فان التذوق الفني لا ينحصر في حدود المستقلين في الأختصاصات الفنية، بل ينطبع ذلك على سلوك الفرد الذوقي في كل تفاصيل الحياة داخل المجتمع والبيئة.

التذوق والنفعية:
اذا كان التذوق معناه حساسية الفرد بحيث يستطيع ان يستجيب لأنواع مختلفة من العلاقات، فان البعض الآخر يدرج على تناول الأشياء من زواياه النفعية المحددة، قد لا يرى فيها جمالاً، لأن الأشياء في نظره لها مدلولات تحقق حاجته الواقعية المجردة من البعد الجمالي، فهو يرى الفاكهة ليأكلها، وينظر الى الكرسي ليستريح عليه، بل ان البعض يضع اللوحة في مكان لغرض أخفاء الندوب في الحائط ليس إلا، ولكن حينما يبحث في أشكال هذه الأشياء وملمسها، وكيانها الكلي، وبعجب بهيئتها حين يميزها عن غيرها، هي وظيفة الأستمتاع أو التذوق، كما ان نسب الكرسي وعلاقات أجزائه بعضها ببعض، كما يرى تنظيم الفرد الى المرئيات، وتذوقه للعلاقات الجمالية التي تقوم عليها، يعد عاملاً ممهماً في تكوينه، ويؤثر هذا العامل في سلوك الفرد، ويمكن أن يجعل هذا السلوك أكثر تكاملاً، فقد يرتقي هذا التذوق ويصبح، أسلوباً من أساليب معالجة الشخص لكل ما يقع تحت يديه.

كيف نفهم التذوق الفني؟
يرى (حنورة) التذوق الفني عملية أتصال، وعملية الأتصال، تقتضي وجود طرفين أحدهما هو المرسل والثاني هو المتلقي، بينهما قناة للتوصيل، ورسالة محمولة على هذه القناة (حنورة، مصري،ص1 2005).

إن عملية الأتصال لها مصادر متنوعة، ووسائل عديدة وأساليب كثيرة ويرى الدارسون المحدثون لما يستثير فينا من أعادة التفكير تجاه ما كان سائداً من أفكار ونظريات بخصوص عملية التذوق الفني.

ومن هذه النظريات نظرية الدوافع المحركة لعملية التذوق، ومنها نظرية التحليل النفسي، بأعتبار أن التذوق نوع من التسامي بالطاقة البشرية، نحو نشاط رفيع، ويرى البعض أن التذوق نشاط انسحابي، ولدى البعض، أن ما يتحكم في عملية التذوق وخصائصها، هو ما يطلقون عليه أسم القطاع الذهبي في الشيء كتقسيمات جسم الأنسان وأعتبار الرأس وحدة قياس للجسم كافة، كما أن الرأس يتقسم الى ثلاثة أجزاء، أو طول اليدين ممدودة تساوي طول الجسم من قمة الرأس الى أخمص القدم وهكذا، أذا توفر، كان من الممكن أن تدرك في الشيء درجة أو أخرى من درجات الجمال، وهذا الأمر ينطبق على الفنون التشكيلية كافة، وظهرت في الوقت الحاضر نظرية جديدة هي نظرية المعلومات وما ترتب عليها من القول بأن التذوق هو عملية أتصال، يتوقف الكثير من خصائصها على كمية ونوع وخصائص المعلومات التي يطرحها المثير أو الموضوع الفني موضوع التذوق. وما يتم خلال العملية من أستيعاب وأثارة للأفكار وأعادة نظر. ثم المقارنة والتفضيل بين العمل نفسه وأعمال أخرى مركوزة في عقل الأنسان. أنها عملية يمكن أن تشبه بدرجة أو بأخرى عمليات الضبط الذاتي. “السيبرنطيقا”، أي تحكم القدرات الداخلية للفرد المتذوق والأدراك والوعي الجمالي والحسي بمعزل عن تأثير العوامل الخارجية التي ترسلها أشارات العمل الفني.

والملاحظ أن كل نظرية تحاول أن تنظر الى الموضوع من زاوية تلائم منطقها ومفهومها العام، لذلك يمكن القول أن كل نظرية قدمت وصفاً او تحليلاً لعملية التذوق الفني، انها قدمت جانباً واحداً من العملية، ومنها نظرية المعلومات وما ترتب عليها من النظر الى التذوق الفني، على أنه عملية أتصال، لأن القول بهذا الجانب، هو جانب الشكلي أو الأسلوبي أو الظاهري من العملية.

أما العمل الفني (المرسل) فقد تم التوصل في عدد من الدراسات الى أن العمل الفني، رسالة موجهة من الأنا (المبدع) الى الآخر (المتلقي) بقصد التوصل الى ما يمكن أن نطلق حالة (ال ) أي توجد الأنا والآخر في حال نفسية واحدة، تجمع بينهما وتزيل ما بينهما من فوارق وأختلاف في وجهات النظر والآراء والأنفعالات. ويمكن القول بأن التذوق الفني عملية أتصال، مضافاً اليها عملية أبداع حقيقي وخلق فني. وهذا هو الجانب المهم في عملية التذوق.

المقال السابقمظاهر العلمانية فى التراث الإسلامى ج١
المقال التالىترامب والكتب
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد