هل حكم ” السنّةُ ” العراق منذ استقلاله وحتى قيام النظام الجمهوري ؟!


 
الصدى - العراق

محاولة أساسية موجزة في سوسيولوجيا السياسة العراقية منذ الاستقلال ؛

لابد لي من الإشارة بادئ ذي بدء الى ان العنوان لايعني بأية حال من الأحوال انكار وجود مشكلة طائفية ذات ابعاد سياسية – اجتماعية في العراق منذ نشوءه كمشروع دولة في بداية العشرينات من القرن العشرين ، وبنفس القدر من التاكيد فإنني اعتقد ان اختزال هذه المشكلة بفرضية ان “الطائفة السنية ” هي التي تولت الحكم فيه منذ تاسيسه وأنها شكلت أقلية طائفية ذات حظوة في الدولة والمجتمع هي فرضية خاطئة وان الترويج لها جرى لأغراض سياسية ذات صلة بمصالح لاعلاقة لها بالوطنية العراقية . ومن اجل ان لايساء فهم موقف الكاتب من فكر الاسلام السياسي ، فإنني اؤكد قناعتي بان الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي هو جزء من حركة مضادة لروح وفكر حركة التنوير التي بدات تسود العالم العربي ، ومشرقه بشكل خاص ، بعد الحرب العالمية الاولى وأصبحت وتيرة الحركتين اكثر قوة بعد الحرب العالمية الثانية وبلغنا ذروتها منذ مطلع الثمانينات .

تتردد عبارة حكم السنة للعراق منذ استقلاله وحتى الاحتلال الامريكي عام ٢٠٠٣ بصيغة مصادرة على المطلوب ، كما يقول أهل الفلسفة ، لانها تقال وتُردد كثيرا كما لو كانت بديهية لا يلزم إثباتها ، وحين يقرا المرء نصا غربيا كتب بهذا الصدد فانه يخرج بخلاصة واحدة يرددها الكثيرون ، على سطحيتها البائنة ، ومفادها ان الشيعة وهم الأغلبية لم يحكموا العراق بعد الاستقلال وبالتالي فلابد من الاستنتاج بأن من حكم العراق هم السنة . كما لم يقدم الموضوع باعتباره مادة في التاريخ فحسب بل باعتباره عنوانا لمظلومية تعرضت لها الطائفة الشيعية بشكل شبه حصري على أساس ان هنالك عداء تاريخي هو السمة الاساسية لتاريخ العلاقة بين الطائفتين السنية الحاكمة والشيعية المظلومة منذ القرن السابع الميلادي .

على هذا الأساس تمت صياغة المبرر الاخلاقي للحملة العسكرية لاحتلال العراق عام ٢٠٠٣ الى جانب المبررات “القانونية” والسياسية الاخرى المعروفة .

هذا المنطق يهمل حقيقتين :

١- لايوجد في خضم المجادلات السياسية التي كانت تدور في العراق وعلى جميع المستويات منذ الاستقلال وللفترة اللاحقة بعد الحرب العالمية الثانية حيث نضجت الأحزاب السياسية التاريخية المعروفة اي ذكر لمثل هذه الرواية لتاريخ البلاد . لقد استخدمت جميع المفردات التي نعرفها وألفناها في الخطاب السياسي العراقي مثل الطبقة والقومية والتقدمية والرجعية والاستبداد والحريّة … الخ ، لكن لم اجد ان مفردة ” حكم السنة ” قد كانت من بينها وان استخدمت من جانب متطرفين في المذهبين فقد كانت مادة مُستهجنة في النقاش السياسي الوطني وتحال فورا الى مسؤولية الأجنبي ومحاولاته افساد الحياة السياسية الوطنية ، وخلال الفترة التي تلت الاستقلال مباشرة وحتى نهاية الحكم الملكي كانت الدعوات الهادفة الى طرح مشكلة النظام السياسي من زاوية طائفية تجابه بالرفض القاطع ويقدم الزعيمان الوطنيان جعفر ابو التمن (شيعي) وكامل الجادرجي (سني) نموذجا لذلك وكانت لهما مواقف مشهودة بهذا الصدد . كما لم اجد دراسة رصينة واحدة تثبت ان السياسة في العراق كانت طائفية في الأساس وتقوم على ثنائية العرب السنة ضد الشيعة كما لم تدقق كلمة “شيعة “من ناحية المحتوى البشري بشكل دقيق .

٢- في إطار بعض التفسيرات التي اعتمدت ثنائية السنة والشيعة تم تصنيف العرب السنة على انهم اصحاب المشروع القومي في العراق باعتبار ان غالبية العرب من أهل السنة ولان المحرك في السياسةالعراقية ، حسبما يصوّرون هي الطائفة ، فان الشيعة كانوا منكفئين على الوطنية العراقية لان عروبة العراق تعني ضياعهم في خضم لجب من بحر سني يحيط بهم ولأجل تمرير هذه المقولة حُشرت بعض الوقائع من هنا وهناك لرواية تاريخ العراق المعاصر على هذا الأساس …. لكن احدا لم يفسر لنا كيف ان ابرز الأحزاب القومية ، والأب الشرعي لكل الأحزاب والحركات القومية العربية التي ولدت لاحقا في العراق ، وهو حزب الاستقلال وناديه ” المثنى ” ، كان شيعيا وفق معاييرهم الخاصة بالانتماء المذهبي لقيادته وقطاعا واسعا من قواعده وان الحزب الوطني الديمقراطي ذو القيادات السنية كان حزبا وطنيا الى حد الانكفاء على وطنيته وتعامل مع القضايا القومية على سبيل التضامن اكثر من الانتماء القومي ، وتعكس ذلك بيانات وأدبيات الحزبين الذين فرّخا التوجهات الرئيسية في الحياة السياسية العراقية المعاصرة . اما ثورة العشرين التي يحلو للبعض تسميتها بالثورة الشيعية فقد كانت بؤرتها “الشيعية” الساخنة محصورة في مناطق الفرات الأوسط واجزاء من الغراف ولم تشهد” مناطق الشيعة ” الاخرى مثل العمارة والكوت حراكا ثوريا يذكر ، بل وصف موقف عشائرها بالتخاذل الوطني ، فيما لم تبق منطقة واحدة من “المناطق السنية” المشهورة مثل الموصل والانبار الا وشهدت حراكا ثوريا عنيفا قُتِل فيه من ضباط وجنود الإنكليز ومن الضباط السياسيين الإنكليز عدد مهم في مناطق مختلفة وتكفي الإشارة للشيخ ضاري المحمود الذي ” هز لندن وأبكاها ” بقتله احد اكبر رؤوس الاحتلال وهو الكولونيل ” لجمان ” اضافة الى بروز اسماء الكثير من الضباط السنة الشريفيين كقادة عسكريين في الثورة مثل المرحومين محمود رامز السعدون وجميل المدفعي .

حتى يكون مقبولا من الناحية العلمية ان نصنف نظاما سياسيا بانه نظام حكمٍ لطائفة دينية لابد من توفر عناصر أساسية في صلب تكوينه :

١- ينبغي ان تكون الطائفة المعنية ذات وعي بذاتها كطائفة الى الحد الذي يصنف فيه ابناؤها أنفسهم ومكانتهم في الكون وفقا لمعيار الانتماء لها من عدمه والذي يسميه علماء الاجتماع ب “نحن” و ” هم ” ، كأولوية في تحديد علاقتهم بالمجتمع الاوسع .

٢- ان تنشئ هذه الطائفة بنيتها التحتية السياسية والاجتماعية الخاصة مثل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمليشيات ان سمحت الظروف والتي تدين بالمضامين الفكرية لفقه الطائفة باعتبارها ايديولوجيا أولية تُرتّب الولاءات والسياسات وفقا لمتطلباتها والتي يسميها علماء لاجتماع ب ” النخب ” السياسية والاجتماعية المنظمة .

٣- ان تسعى الطائفة للحكم والسلطة باعتبارهما الوسيلة لتحقيق برامج الطائفة المنبثقة من معينها الفكري والأيديولوجي .

٤- ان تُكَرّس هيمنة الطائفة بتأطيرها وفق صيغة ما ، مباشرة آو غير مباشرة ، دستوريا وقانونيا .

لا احد ينكر ان أربعة قرون من الصراع الدموي حول النفوذ والهيمنة في العراق تحديدا بين الفرس الصفويين ومن تلاهم من جهة وبين العثمانيين قد تركت اثارها في بلورة شعور السنة بانتمائهم المذهبي لكن احدا لايستطيع البرهنة على ان هذا الوعي تحول الى موقف سياسي في الحياة العامة بعد الشروع بتاسيس مشروع الدولة المستقلة في العراق حيث كان الهدف العام المشترك هو إتمام الاستقلال وبناء الدولة الدستورية الحديثة تماشيا مع موجة حركة التنوير التي سادت المشرق العربي من منتصف القرن التاسع عشر وخاصة بعد الهزائم المتكررة التي تكبدها المسلمون على يد القوى الغربية وآخرها إسقاط الامبراطورية العثمانية .

مامن دليل موثق على ان الإنكليز قد فكروا في فيصل الاول كملك للعراق وفقا لانتمائه الطائفي السني بل جاء الامر بناءا على نوع من الترضية للعائلة الهاشمية ذات النفوذ الواسع في المشرق العربي بعد إسقاط عرشها في سوريا من قبل الفرنسيين اضافة الى ما اثارته ثورة العشرين من حراك داخل العراق والحاجة الماسة الى قيادة تستطيع إقناع العراقيين لإعادة الهدوء للبلاد ، ولعل من الحقائق الغائبة عن معرفة الناس ان اسم فيصل كان مطروحا من قبل أوساط عديدة داخل العراق وفي مقدمتهم المرجعيات الدينية الشيعية لمكانة عائلته الدينية وان عدم انتمائه لاي طرف عراقي بشكل مباشر يجعل منه عاملا يختزل احتمالات الخلاف الذي قد يثيره ترشيح عراقي للمنصب وكنوع من النكاية المتبادلة بين النخب الاجتماعية التي تصدت لقضية تقديم مرشحين للعرش ، بمعنى انه ان لم يكن فلانا مقبولا من اي طرف فليكن الخيار شخصا خارجيا لاصلة له بطائفة او قبيلة او نسب . اما النخبة التي تولت إدارة الشأن العام في البلاد قبل الاحتلال ولبضع سنوات لاحقة له فقد كانت في معظمها من أبناء الطائفة السنية لأسباب تتعلق بتاريخ القرون الأربعة التي سبقت الاحتلال البريطاني حيث حكم العثمانيون السنّةُ بقية المسلمين من اتباع مذهب الأغلبية الاسلامية آنذاك وهو المذهب السني وازداد هذا التوجه رسوخًا بعد ظهور المذهب الشيعي – الصفوي ( الذي يصنفه مؤرخوا ايران على انه اجتهاد جديد في إلاطارالعام للتشيّع )كمذهب للسلطة الصفوية التي سادت بلاد فارس منذ اوائل القرن السادس عشر ودخلت في حروب لم تتوقف مع العثمانيين على الهيمنة والنفوذ حتى عندما حكمها الافغان السنة مجددا وشردوا علماءها واتباعهم من الشيعة مطلع القرن الثامن عشر فقدموا الى الديار العثمانية في العراق طالبين الحماية واستقر اغلبهم في كربلاء وقلة في النجف الأشرف ثم تحولوا الى جالية تحمل جنسية فارس وتحظى بحصانة رعايا اجانب بعد عودة الشيعة الى السلطة في فارس على يد الاسرة القجارية ، وطوال القرون الأربعة التي استغرقها الحكم العثماني في العراق تشكلت بيروقراطيا سنية أدارت البلاد تحت سلطة الولاة واسطنبول واستمرت على ذلك بعد الاحتلال البريطاني . اضافة لهذا السياق التاريخي العام فإن التشيع العربي في البلد لم يكن قد مضى عليه الاّ حوالى ستة عقود ومادته البشرية من القبائل حديثة التوطين في الاراضي الزراعية التي وضعت بحوزة شيوخها ولم يتح لها الوقت او الوضع التعليمي العام في البلد لتهيئ من ابنائها من هو مؤهل للوظيفة العامة على نطاق واسع والقليل الذي كان مؤهلا تم استيعابه في الخدمة العامة دون عوائق .

كان الشيعة في العراق قد أصبحوا يشكلون اكثر من ٥٠٪‏ بقليل من سكان البلاد قبيل الحرب العالمية الاولى لكنهم كانوا منقسمين الى فئتين . الشيعة الفرس ، حملة جنسية دولة فارس المجاورة، وكانت نسبتهم تصل الى حوالى ٥٪‏ ويستوطنون مدينة كربلاء بشكل أساسي اذ شكلوا حوالى ثلاثة ارباع سكانها { سيشكلون في مراحل متاخرة مايعرف بمشكلة العراقيين من التبعية الإيرانية وهي علّة مزمنة في روح وجسد الشعب العراقي }وكانوا يتمتعون بامتيازات الحصانة القضائية شان بقية الأجانب في العراق بموجب اتفاقيات ورثها العراق عن الدولة العثمانية وكان لهم موقف مناهض لتوجه بريطانيا الى وضع العراق تحت الانتداب كخطوة نحو الاستقلال وانهاء اتفاقيات الامتيازات الأجنبية وبالتالي حصانتهم وبضمن ذلك قادتهم الروحانيين من المراجع ذوي التبعية الفارسية ( وهم خليط من القوميتين الفارسية والاذرية ) وكذلك قناصلهم وبالتالي فقد كان وضعهم محط خلاف لم تتوانى المرجعيات عن اتخاذ جانب التأييد لهم فيه والمطالبة باستمرار نظام الامتيازات فضلا عن إصدارها الفتاوى التي حرمت عليهم العمل لدى الحكومة العراقية ، وهذا الخلاف شكل مادة دسمة للمروجين لفكرة ان الشيعة قد تم إقصاؤهم من الخدمة العامة في الدولة العراقية الوليدة . اما البقية من الشيعة العراقيين فهم حملة الجنسية العثمانية وهم الغالبية الساحقة بين الشيعة من المواطنين القاطنين على ارض العراق ، والاهم في الامر ان هذه القبائل هي اجزاء من تشكيلات قبلية اكبر وقد تحول قسم منها الى المذهب الشيعي ، ويمكن تعداد أهمها في بحث أوسع نطاقا ولكن المهم ان نوع التشيع الذي انخرطت فيه هذه القبائل قد تكيف مع التقاليد والقيم العربية التي توارثتها عن الاجداد فضلا عن كون هذه العادات والتقاليد شكلت الجسر الذي استمر في الربط بينهم وبين أبناء عمومتهم السنّة من ذات الأصول القبلية وكان ذلك سبب من أسباب بعض المماحكات التي نشبت بين الشيعة العرب والشيعة الفرس وظهور المرجعيات العربية مثل ال كاشف الغطاء من بين صفوف قبائل المنتفق العربية .

لقد سعى فيصل الى معالجة عوائق التعليم التي حالت بين العرب الشيعة هؤلاء والانخراط في وظائف الدولة فاقيمت مدارس ودورات تعليمية خاصة لتأهيل أبناء الطائفة وتسهيل انخراطهم في الخدمة العامة كما اوفد بعضهم الى الخارج لإتمام دراساتهم العليا وآتت هذه السياسة أكلها فيما بعد حيث ستنمو بشكل ملحوظ نسبة تمثيلهم عبر بوابة المواطنة المتساوية في المناصب العامة العليا ، ناهيك عن تزايد نسب الشيعة في جميع مؤسسات الدولة سواءا كانت هيئات منتخبة او جزء من بيروقراطيا الدولة بمختلف مستوياتها لايستثنى منها اي جهاز وان كان بنِسَب متفاوتة دون ان يتم ذلك بفرض كوتا إيجابية لصالحهم .

لم تظهر في بواكير الحياة السياسية في العراق منذ قدوم فيصل الى العراق في عام ١٩٢٠ آية احزاب او حركات سياسية او منظمات اجتماعية ذات طابع مذهبي بل كانت الأحزاب الوليدة مثل حرس الاستقلال والحزب الوطني العراقي وحزب العهد والحزب الحر العراقي وغيرها تضم في هيئاتها القيادية وقواعدها خليط من كافة الطوائف والمذاهب ، وقد انصبت برامجهاعلى قضية تحقيق الاستقلال الناجز وتعمير البلاد وتطوير التعليم والصحة وغيرها من القضايا التي لا توحي من قريب او بعيد بأية رؤية مذهبية او دينية ، اما على مستوى تنظيمات المجتمع المدني المعروفة آنذاك فقد شهدت ولادة جمعيات ادبية او ثقافية وتأسيس مدارس ذات توجهات مذهبية ويعود ذلك الى طبيعة الانقسامات التي كان يعيشها مجتمع وليد لم يصل بعد في قاعدته الاجتماعية العريضة الى مرحلة الانصهار الوطني فضلا عن ان مثل هذا النوع من المؤسسات لايؤسس لمواقف ذات صلة بالشأن العام والقضايا ذات الطابع السياسي والتي تولتها النخب التي كانت على وعي كاف بخطورة السماح للتوجهات المذهبية والطائفية بالامتداد اليها فضلا عن ان اكثر المجتمعات تطورا تضم مثل هذه التوجهات شرط ان لاتخل بمبدأ المساواة في المواطنة وهو مبدا تم اعتماده في دستور البلاد لعام ١٩٢٥ .

لقد أثمرت سياسة فتح الأبواب على مصراعيها لزج اطياف المجتمع العراقي المختلفة في إطار الخدمة العامة عن نتائج واضحة فقد شهدت الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية تغيرا نوعيا على كافة المستويات في زيادة نسبة مشاركة أبناء الطائفة الشيعية في الحياة العامة سواء من حيث تزايدت نسبة اشغالهم للمناصب السياسية العليا فقدتضاعفت نسبة الوزراء الشيعة في الحكومات لتبلغ حوالى ٣٦٪‏ وكذلك في عضوية البرلمان حيث بلغت نسبة الشيعة في اخر برلمان اكثر من ٤٠٪‏ ، وذات الحال جرى في الوظائف العامة وخاصة العليا منها بعد ان اصبح التعليم والشهادة هي المعيار الرئيسي للتقدم في هذه المجالات وفقا لاهم المؤرخين الذين تناولوا بالبحث هذه المرحلة وخاصة البروفيسور حنا بطاطو ، وهو من ناقدي النظام الملكي ، كما أصبحت الوظيفة العامة موضع تنافس مفتوح على أساس الكفاءة ومن خلال هيئة مركزية هي مجلس الخدمة العامة . اما على مستوى التمكين الاقتصادي والاجتماعي فقد زادت وبشكل ملحوظ إعداد رجال الاعمال والشركات من أبناء الشيعة وكان سبعة من اصل ثمانيةمن اكبر ملاكي الارض من الشيعة .

لقد رافق تنفيذ هذه السياسة الهادفة لتعزيز دور جميع العراقيين في إدارة حياة البلاد العامة على أساس المواطنة المتساوية سياسة موازية تتسم بالحسم والشدة لقمع آية نوع من انواع التمرد على الدولة ، فقُمعت جميع الحركات الطائفية والإثنية والعشائرية التي لجأت الى السلاح لتنفيذ مآرب فئوية او انفصالية ، جرى ذلك في المناطق الشمالية ضد حركات التمرد الكردية وضد عرب الفرات الأوسط واستخدمت سياسة تتسم بالشدة لتوطين القبائل الرحالة التي كانت تمثل حالة مواطنة قلقة لاتتناسب مع هدف بناء دولة حديثة مستقلة .

لقد كان للتطور الاقتصادي وحركة التنمية التي انتهجتها الحكومة منذ مطلع الخمسينات دورهما الكبيرين في تنمية عملية الاندماج الاجتماعي حيث تحول تركيب الهيكل الاجتماعي بشكل جذري من انقسام عمودي على أساس المذاهب والإثنيات الى تمايز أفقي حلت فيه الطبقة المستندة الى العامل الاقتصادي وذات الامتداد الوطني . ظهرت طبقة عمالية واضحة ولها تعبيراتها النخبوية النقابية النشطة كما أصبحت هنالك طبقة وسطى واسعة وملحوظة الى جانب الطبقات العليا التقليدية من ارستقراطيات الارض والسلطة وكبار رجال الاعمال والصناعة . تجاوزت هذه الطبقات الانقسامات المذهبية وتوحدت رؤاها حول مصالحها الاجتماعية – الاقتصادية كما ساعد على الاندماج مشاريع الإسكان الوظيفي والمهني واسعة النطاق والتي جمعت في جيرة واحدة أسر عراقية من مختلف المذاهب والإثنيات وتزايدت نسبة الزواجات المختلطة وخاصة بين ابناء السنة والشيعة بعد ان كان ذلك من المحظورات الاجتماعية في مطلع عهد التاسيس .

لعل القضية الوحيدة التي يثار بشأنها السؤال هي قضية الجيش الذي ظل كادر الضباط فيه من السنة الى حد واسع رغم تزايد نسبة الشيعة فيه . وهذه من الأمور التي يتعين التعامل معها بشكل واضح ولكن السؤال الذي سيطرحه الشيعي حول هذا الامر قد يطرحه ابن بغداد السني او ابن ديالى السني ، فمن المعروف عن الجيش العراقي انه كان يضم تقليديا وعلى مدى تاريخه والى وقت متاخر من الستينات غالبية مهيمنة من الضباط من أبناء محافظتين هما الأنبار ونينوى وبالتالي فلم تكن هنالك سياسة إقصاء مقصودة بقدر ماكان هنالك نوع من سلطة البيروقراطيات العسكرية العشائرية على المؤسسة والتي ستُفَكَك خلال حكم البعث عندما أصبحت القيادة السياسية للدولة مسيطرة بالكامل على القوات المسلحة وأصبح الجيش مفتوحا لكل أبناء العراق حتى وصل عديد من ابناء الطائفة الشيعية الى مراكز قيادية عليا فيه ومنها ارفع منصب عسكري وهو رئاسة الأركان التي اشغلها احد أبناء الطائفة الشيعية في وقت من الأوقات .

خلاصة الكلام ان العهد الملكي شكل في هيكله ومضمونه العامين فرصة مفتوحة لجميع ابناء العراق للتقدم وفق معايير متاحة للجميع ، دون تمييز مستند للهوية الاثنية او الطائفية، ومنها بصورة خاصة معيار التعليم ، رغم ان البدايات كانت مختلفة بحكم الضرورة وأخذت وقتها حتى استقامت وفق ماذكرنا . وقد ازداد الحضور الشيعي في جميع المجالات السياسية والوظيفية بشكل جوهري وحافظ على معدله المتنامي خلال عقد الخمسينات بصورة خاصة ، اما المشاكل السياسية والاجتماعية التي عانى منها النظام فقد كانت في جوهرها مشاكل ذات طبيعة اجتماعية – وطنية بعيدة في جوهرها عن روح الاستقطاب الطائفي كما سادت روح عالية من التفاخر في الانتماء للوطنية العراقية وأشير هنا بشكل خاص الى الجهود التي تبذلها البروفيسورة “حلا فتاح” ذات الأصل العراقي لتدوين مايسمى بالتاريخ المروي وهو جمع شهادات حية من أناس من مختلف المشارب والفئات الاجتماعية عايشوا تلك المرحلة من تاريخ العراق وادلوا بشهاداتهم وانطباعاتهم عن روح الوطنية العراقية التي سادت تلك المرحلة ونشرتها في عدد من مؤلفاتها .

ان ارتفاع صوت هنا او هناك خلال هذه الفترة من تاريخ العراق بالتشكي من التمييز الطائفي له بعض القدر من المصداقية اذا اعتبرنا ان ذلك التمييز تم خارج إطار القانون والدستور وفي نطاق محدود كأثر من اثار اعباء الماضي وكان في طريقه للاندثار اما الزعم بانه كان سياسة او سياقا عاما راسخا فهو زعم تنطق بتكذيبه الأرقام والاحصائيات مهما كَبُر اسم قائليه .

1 تعليقك

  1. السلام عليكم ورحمة الله
    المحترم الاستاذ فائز ناجي السعدون
    قرأتُ مقالكَ الكريم بشأن الطائفية في العراق فكان فيه ما استغربتُ منه أن الطائفيةَ لم تكن في العراق ولكنها ظهرت بعد سقوط الصنم أقول لحضرتكَ ذكرتَ شيئاً وغابت عنكَ اشياءُ لا أدري هل هو نسيانٌ ام تناسي يا اخي المحترم عند قيام الحكومة الملكية كان الشيعه لا ينظرون الى التوظيف في دوائر الحكومة إلّا مورداً حراماً وفي هذا التوجه استغل ابناء السنة الموقف فاتخذوا مواقعهم الرئيسيه وفي مفاصل الدولة وسارت الامور ، الشيعه لا تعنيهم المناصب والسنه يحكمون الى أن حصل الانقلاب العسكري بقيادة نخبة عسكريه ابرزهم الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف وهنا بدأ النزاع على القيادة واشغال المناصب المهمة في الدولة وكان عبد الكريم متهماً بامه الشيعيه ، صحيح الطائفيه كانت تسير في ظل احزاب يتزعمها رجال سنه لا يُظهرون منها إلّا كونها أحزاب تتبنى فكر وطني استمر هذا المسلسل المبطن ينتشر في الاوساط الشيعيه وانضووا من الشيعة لهذه الاحزاب خلق كثير فكان التيار القومي الناصري بزعامة العقيد عبد السلام عارف وحزب البعث بقيادته القوميه متمثله بالغالبية السنيه وهذان التياران كانا هما الابرز في التآمر على حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم الى أن انتهت حكومته في 8 شباط عام 1963 والشيعة هنا لا دور لهم غير تقديم الخدمات الى القيادات السنيه واستشهادك بتولي شيعي منصب رئاسة الاركان وقد اعتبرتها مِنّةً فأقول أن السنة لا تُقرب شيعياً من منصب مهم ما لم تجد فيه الطاعة العمياء لرؤسائه ثم هذا التنافس على السلطة استمر حتى بين الفرقاء المتحالفين من السنة فأسقط العقيد عبد السلام شركاءهُ البعثيين وصعد بتياره القومي واستمر التآمر فيما بينهم والشيعة لا حول لهم ولا طول وهذه حقائق تعرفها حق المعرفة وقد عشتها الى أن وصل حزب البعث ثانية الى السلطة بقطار امريكي كما قال القيادي البارز علي صالح السعدي ، وما أن استقر الحكم الى البعثيين ظهرت بوادر الطائفية بمحاربة الشيعة في عقيدتهم وهي اقامة المناسبات الدينية فبدأ بالزيارات الحُسينيه وكل ما يتعلق بالموروث الشيعي وبعد الانقلاب البعثي البعثي وتولي الصنم زمام الامور أخذ الطابع الطائفي نهجاً مُعلناً بالتسفير والسجن والاعدام وغيرها من وسائل التنكيل ومقابل هذا تم ادخال الفلسطينين والمصرين ليأخذوا اماكن الشيعة في الوظائف والمساكن وعمارات حيفا وحي صدام نموج وشاهد على قولي … اقول لكَ يا اخي المحترم انا لا اقول بالطائفية ولا ادعو لها واني احاربها ما امكنني ولكن اقول للعراقيين السنة عليكم بحفظ العراق من مأساة التقسيم التي ينتظرها المتربصون من اعداء العراق فمنذ انقلاب 1963 والعراق يسير من سيئ الى اسوء والله ولي المؤمنين .

  2. عزيزي ،
    مقالتي تتناول مرحلة محددة وهي الفترة الملكية ، وقد أوضحت ان محدودية مشاركة الشيعة في الحياة العامة كانت رواسب تاريخية تفككت بعد انتشار التعليم وتاهيل أفواج من ابنائهم لذلك وأخذوا فرصتهم وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية فصار ٤٠٪‏ من البرلمان من ابنائهم دون كوتة وأربعة منهم تسلموا رئاسة الوزارة وحوالي ٣٧٪‏ مناصب وزارية وكان حضورهم قويا جدا في الحياة الاقتصادية دون عوائق كما انه من ناحية علم السياسة لم تنشأ في البلد بنية سياسية تحتية كالأحزاب على أسس طائفية . اما ما تناولته عن الصراعات التي تلت قيام الجمهورية وهو محور مداخلتك فأنا لم أبحثه باستثناء إشارتي لتحسن مشاركة الشيعة في القيادات العسكرية وكانت اهم مديريات الاستخبارات العسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية تشغل من قبل ضباط شيعة وكانوا من اشرف واخلص الوطنيين الذين ادوا الخدمة في الجيش العراقي . اما حديثك المتكرر عن النوايا او انه كانت هنالك روح تآمرية لدى طائفة ضد اخرى فهذا كلام غير علمي او منهجي وانا باحث أكاديمي لاتعنيني في السياسة النوايا بل الأفعال الثابتة والملموسة والارقام . تقديري واحترامي لاهتمامك .

  3. لا ادري ان كان تعليقي الاول قد ظهر ولكن باختصار أقول للأخ الكريم انه يقول ان الشيعة قد حرموا على أنفسهم العمل في الوظيفة العامة . هذا غير صحيح فقد عينت إعداد منهم في الوظائف ومنها وظائف حساسة كالشاعر الجواهري ، ولم يكن قد اشتهر آنذاك ، فقد عين موظفا في الديوان الملكي كما كان هنالك وزراء شيعة في الحكومات مثل المرحوم القائد الوطني الكبير جعفر ابو التمن وبعد الحرب العالمية الثانية تسلم ثلاثة من السياسيين الشيعة رئاسة الوزارة والعديد منهم أصبحوا وزراء كما دخلوا مختلف الوظائف المدنية وشخصيا شهدت لهم حضورا ملحوظا في وزارة الخارجية مثل المرحوم فاضل الجمالي والدكتور عبدالجبار الهداوي الذين كانوا في صفوف القيادة الاولى في الوزارة حين دخلناها كدبلوماسيين مبتدئين وكانوا نعم الأساتذة ومحط ثقة القيادة آنذاك . وفي مقالتي تفاصيل كثيرة عن حجم المشاركة لابناء الطائفة الشيعية من العراقيين الإجلاء في الحياة العامة . اما العهود الجمهورية فليست مشمولة بمقالتي سوى ملاحظة عابرة عن الجيش وقد ذهب الأخ الى ان منصب رئاسة الأركان منح للشيعة من باب المنّة ، وهذه اتركها للقارئ الكريم وأرجو من المعلق الكريم ان يفسر لي فيما اذا كانت قيادة عدة فرق عسكرية ورئاسة اهم مديريات الاستخبارات العسكرية التي أنيطت بليوث من العراقيين الشيعة وأثناء الحرب مع ايران .منّة ايضا؟!

اترك رد