قلادة وطن

 

سلمني العسكري الواقف امام طابور طويل من المراجعين ورقة كتب عليها الرقم 203 وسمح لي بالدخول للجلوس مع عائلتي المكونة من اربعة اشخاص على مقاعد خشبية طويلة تضم عائلات اخرى سبقتنا. لحسن الحظ انتبه العسكري الى اننا لسنا لاجئين سوريين وحولنا الى طابور العراقيين الراغبين بالتسجيل في مفوضية العليا للاجئين، فهؤلاء العسكر يبنون تصواتهم من خبرتهم بمن حولهم، وغالبا تكون المظاهر الخارجية دليلهم لهذه الاحكام. فبعد ان قضينا ساعتين تحت الشمس الحارقة، جاء هذا العسكري ليقول انتو عرائية ما، ليش صافين مع السورية؟ تعاو تعاو… واخذنا لندخل باب المفوضية حيث كان الجلوس على هذه المصاطب المظللة رحمة كبيرة قياسا للوقوف تحت الشمس, كنت وزوجي ننصت للارقام التي ينادي عليها الموظفون الجالسون في اكشاك ويتعاطون مع الناس عبر فتحة ضيقة من شبابيكها، ويبدو ان الوصول الى الرقم 203 لازال مبكرا. وقد بدأ ولدي الاصغر بالملل والانزعاج وتكرار طلبات الماء والطعام بينما لم يكن في ما حولنا اي شيء يمكن شراؤه واسكات الولد، لذا ذهب زوجي ليبحث عما يمكن شراؤه ، واخذ الرقم الازرق المجعد كي يستطع الدخول الى هنا دون اعتراضٍ من العسكر. اعطيته الرقم واخرجت منديلا معقما امسح يدي به وقد استولى على ذهني كمية الجراثيم في هذه الورقة وكم البشر الذين حملوه قبلي…
اصوات بكاء الاطفال تصم الاذان وتوتر اعصابي ولا افهم لماذا لاتحاول الامهات اسكات اولادهن حين يبكون واعجب من برودة اعصابهن وكأن الذي بكي هذا ليس طفلها!!! بل صار الاطفال كالقطط حين يبكي احدهم يرد عليه الاخر بصرخة اعلى واعنف كانهم كورس ازعاج خارج من ارض الجحيم، وكأن هذا ماكان ينقص المكان المكتض بالبشر اليائسين والمشردين وكل واحد منهم يحمل قصة ضياع اقسى من الاخرى.
التفت حولي فأنتبهت لصبية شقراء بضفيرة طويلة تجلس قبالتي تقريبا على بعد صفين من المصاطب ترتدي بنطالا ضيقا من الكتان البني مع قميص ابيض مكشوف الذراعيين، بدت الفتاة غاية في الجمال، مع هذه الشفاه المزمومة والمكتنزة والبشرة الحنطية الصافية، تلصف على رقبتها قلادة ذهبية كبيرة بحجم اصابع يدي لخارطة العراق، ابتسمت دون ان اشعر لمن ابتسم لقلادة الخارطة ام للفتاة التي لم تكن ترفع راسها عن هاتفها المحمول. ثوانٍ والتحقت بها سيدة اربعينية وفتاة اخرى تبدو في مثل سنها واضح انها اختها ورجل حمل ظرفا يقلب فيه الاوراق ويملأ استمارات كما يفعل الجالسون هنا، السيدة الاربعينية وابنتها الاخرى تعلقان ذات القلادة على جيديهما، والفارق فقط بطول السلسلة التي تحمل الخارطة فالام ارتدت سلسلة طويلة جعلت الخارطة تستقر على صدرها، بينما الفتاتان علقتا القلادة بسلسال قصير جعل الخارطة قرب عنقيهما.
صعد الدم الى رأسي وبدأت اول الدموع بالانهمار، وظل سؤال يحفر في رأسي، ماذا نفعل هنا؟ وان كان هذا الوطن عزيزا لماذا نحن هنا؟ لماذا يتمنى كل واحد منا ان يسبق صاحبه الى نافذة الكشك ويقفز للمرحلة الاحقة قبل غيره؟ لماذا يبدو صوت المكبرات التي تنادي بالارقام عذبا نصغي اليه برجاء وخوف؟ تهون دونه طوابير الانتظار الطويلة، وسنوات البقاء المؤقت في هذه الارض لعل فرصة تسنح ونرحل الى اغتراباتنا التي ستضم خيبتنا في اوطاننا يوما وتمنح اولادنا حياةً اخرى.مددت يدي لاتحسس قلادتي تحت ثيابي وفيها ذات الخارطة لكن بحجم اصغر، خجلت من نفسي فلم اكن شجاعة على الاقل لاظهار القلادة مثل تلك السيدة والفتاتين، خفت ان يقال لنا انكم لستم بحاجة للجوء مادمتم ترتدون الذهب، ولاتبدو على وجوهكم ملامح البؤس كما هي في وجوه اللاجئين، خفت ان تضيع سنوات الانتظار هباءً بمزاج موظف يمتلك القرار حول مصيري ومصير عائلتي.
حين كنا صغارا لم يكن احد يرتدي الخارطة سوى صديقاتنا الفلسطينيات وكنت احب ان اقتني واحدة مثلهن ولم يكن في محلات الصاغة سوى خارطة فلسطين، لكن امي رفضت في وقتها ان احصل على قلادة خارطة فلسطين وقالت: هم فقدوا وطنهم ولاينبغي ان نقلدهم. لم تعلم امي ان محلات الصاغة لاحقا ستفيض بقلادة خارطة العراق وانها ستغدو الوطن الذي نحمله معنا ونحن نغادر، تكاد تصير املا لاهبا في مخيلاتنا.
حين غادرت بلدي كنت اقاوم الدموع والبكاء لاوهم نفسي ومن حولي ان قناعة كاملة تحثني لاخطو هذه الخطوة، لم ارغب بسماع اي احتمالات لفشلنا كنت اعدد واكرر على مسامع اولادي وامام دموع امي مساوئ البقاء في البلد وتوقعاتي عن امتداد حروبه الى مايفوق اعمارنا وقدرتنا على الاحتمال وضرورة الهرب بالاولاد لخلاصهم، لكن كل هذا ضاع هباءً ما ان وطأت الارض الغريبة، صارت الدموع تأخذ مجراها لكل كبيرة وصغيرة اسمعها وتذكرني بمن احب ومن فارقت، حتى اني سامحت من سبب لي الاذى يوما وغفرت لهم.
عاد زوجي حاملا قناني الماء والعصير، وما ان جلس حتى دوى صوت المكبر بطلب التقدم للرقم 203 سحبني من يدي كالملهوف وهو يقول يلله دورنا، مضيت معه اجر اولادي في طابور، ولازلت اتحسس القلادة تحت صدري، وبدأت الموظفة بالاسئلة الطويلة وهي تغادر الغرفة بضع دقائق لنسخ بعض الاوراق وتتركني اتامل فضاءها الابيض لتعود وتستأنف اسالتها التي لم تنته الا بعد 3 ساعات، خرجت بعدها منهكة جدا لا اكاد اصلب طولي وقد جفف العطش ريقي بينما لا اقوى على وضع قطرة ماء في فمي، بينما ظلت تلك الخارطة تسخن وتسخن على صدري حتى انها ذابت واخترقت قلبي وظلت بقايا المينا الزرقاء تسري في دمي وتصب في عروقي.

لا تعليقات

اترك رد