أظافرها قمقم المارد

 

قصيدة تستثير في النفس رهبة من لحظة البدء في قراءة العنوان، فدوماً قمقم المارد ارتبط في الذهن بالأسطورة، والقمقم عبارة عن جرة نحاسية مختومة بختم سيدنا سليمان، محبوس بها أحد مردة الجان وملقاة في قعر بحر، وفي الأسطورة، أيضا،ً أنه لا يمكن إخراج هذا المارد الذي حل عليه غضب سيدنا سليمان إلا من خلال إنسي يسوقه سوء الحظ، فيخرج المارد بشبكة صيده بعد أن تقربه الأمواج من الشاطئ، وهذا الصياد المسكين يقوم بفك أختام سليمان طمعاً بثروة تقيه شر الفقر والعوز، ليخرج له دخان كثيف يتجسد بشكل مارد من الجان بشع الملامح يخير من فك أسره بإختيار طريقة الموت، معتبراً أن هذه هي المكافأة على إطلاق سراحه… فلنتخيل إذاً شكل هذا القمم لترسم لنا صورة الأظافر التي هي قمقم مارد، وأتساءل هنا هل قصدت الشاعرة اللون النحاسي الذي تغير إلى حلكة وزنجار بالبقاء في البحر أم هو شكل القمقم؟!

ننتقل بعد هذه الصورة إلى ملامح تلك المرأة، فملامحها من كوكب الزهرة ” فينوس “، وكوكب الزهرة هو الكوكـب الثانــي في المجموعة الشمسية بعد كوكب عطارد، وهو أقرب كواكب المجموعة الشمسية إلى الأرض، ويعد الكوكب التوأم لها إن جاز التعبير، ويعد الزهرة أشهر كواكب المجموعة الشمسية عبر التاريخ البشري، وذلك بسبب سطوعه الشديد إذ يبدو لنا أسطع جرم في كبد السماء، وبالذات بعد وقت الغروب أو قبل شروق الشمس، ولهذا سمي منذ القدم بنجمة المساء أو نجمة الصباح، ونظراً لتألق هذا الكوكب بضيائه الرائع فقد اعتبره الأقدمون رمزاً للجمال، ويتميز بأنه لا توجد أقمار تدور حوله، فهل هذه المرأة الموصوفة تمتلك هذا الجمال الخارق وكأنها مخلوق من خارج المخلوقات البشرية؟

بالمقابل نرى ملمسها من بلوتو؛ وهذا الكوكب يعتبر من أبرد الكواكب على الإطلاق لأنه أبعد الكواكب عن الشمس، فلنتخيل كيف سيكون ملمسه بهذه البرودة وهذا البعد لننقل الصورة ونجسدها بهذه المرأة.

المشتري يقفز من جفنيها، فأيُّ عيون واسعة تملك هذه المرأة حتى تستعير الشاعرة المشتري ليقفز من جفنيها؛ هذا الكوكب المسمّى بالكوكب العملاق اللامع لأن حجمه يفوق حجم باقي الكواكب مجتمعة، وهو رابع ألمع كوكب في السماء بعد الشمس والقمر والزهرة ويمتلك في مداره ستة عشر قمراً.

هي امراة ليست كباقي النساء، فهي تمتص لون حلكة الليل على حواف ثغرها، وتجعل الزمن يتسارع، ولعلها كناية عن الرهبة التي تصيب من يراها، فهي من تستل لعاب الجوعى ومن تتوسد الغمام إشارة لكم العطاء.. إنها امرأة أسطورة تسكن شرايين ملك البحار الذي لا يعرف المياه الضحلة، فهي تسكن شرايين الحوت، وتجلس القرفصاء على الشاطئ وكأنها تتوثب للإبحار، راكبة أمواج القدر مستلّة خنجر الصبر على المعاناة من فم الصبح الهائم لتشهره في وجه القدر.. تختفي في ظلام الليل كأنه غمد سيف يأويها، فهي تعتكف بالليل كما يعتكف العرافون وهم في العتمة يبحثون في أرجاء السماء وما تهمسه الكواكب، ولكنها عبقة الرائحة كما هي فواحة في باب العطار الذي يتعامل مع الأعشاب العطرة، لكن نعومتها وهمية تستدر لعاب الجوعى “رهطاً، رهطاً” ليكفروا بالجوع ويكفّنوا بالشبع الوهمي.

أمدينة أم كوكب أم امرأة هذه الموصوفة؟ في ظل الصور المتلاحقة من بين الكواكب السيارة والدقة في اختيار الكواكب، حتى كدت أن أطلق على القصيدة اسم القصيدة الفلكية، إلى اختيار أسطورة القمقم إلى القرفصاء على الشاطئ والإبحار في عتمة الليل، إلى عبارتها “تعود العشوائية إلى مدنها”.. أشعر أن شريفة العلوي نقلتنا في خضم أمواج متلاطمة لتأخذنا في النهاية إلى مدينة أسطورية مرت بها تربض مستعدة للتوثب على شاطئ بحر.

أظافرها قمقم المارد

امرأة ملمحها
من كوكب الزهرة
ملمسها من بلوتو
يقفز المشتري
من جفنيها
أظافرها قمقم المارد
تمتص ظلام الليل
تترك لون
الحلكة الصارخة
في حواف ثغرها
تسرع بعقارب الساعة
حثيثاً، حثيثاً
بين الغمام تتوسد
هالات مكومة
تعود
العشوائية إلى مدنها
لتسكن في شرايين الحوت
تبحر حيناً
و تجلس القرفصاء
حيناً على الشاطئ
تركب موجة القدر
تستل خنجر الصبر
من فم الصبح الهائم
والمساء غمد يطويها
كغلاف خرافي
لقصة أسطورية
تحميها من الوهن
كل الليالي تلهث خلفها
تجهض النهار
لتأويها
تعتكف بطقوسها
محراب العراف
تغرس في باب العطار
قدميها
تقطن رائحة
عطرها الفواحة
الأرصفة الباردة
تستدر نعومتها الوهمية
لعاب الجوعى
رهطاً, رهطاً
لتكفر بالجوع
وتلحد بالشبع.

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

المقال السابقنزاعات عشائرية
المقال التالىالحياة لوحة تشكيلية
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد