في الموصل عمليات إرهاب و تعذيب و قتل تحت أنظار الأجهزة الأمنية و الحكومية


 

في العراق، في بلاد اللا نظام و اللا دولة و اللا قانون، قصص الرعب و الإرهاب و القتل و التعذيب هناك لا تنتهي، منذ خبرنا قصص سجن أبو غريب التي إشتهرت عالميا، و كانت تنفذ على أيدي المحتل الأمريكي، و أعوانه في السلطة، و إمتدادا حتى اليوم، تتنوع قصص القتل و الترهيب و الإرهاب و التعذيب ، و لا يكاد يوما يمر دون أن نسمع واحدا أو أكثر من هذه القصص، سواء كانت تنفذ في المعتقلات و السجون الرسمية، أو تلك المعتقلات و السجون غير الرسمية و التي تعود غالبا للأحزاب و الميليشيات التي إنتشرت و توسعت في أرض العراق، و حتى في الشارع، و في البيوت ، بل حتى سمعنا عن قصص إعتقالات و قتل و تعذيب في البيوت أو المدارس أو المستشفيات أو الدوائر ، إنها مهزلة يندى لها الجبين و تدمع لها العين، مع الأسف الشديد ..

عانت الكثير من المدن السنية في سوريا و العراق من عمليات تطهير عرقي، و تهجير و قتل و تدمير مقصودة و واضحة، وثقتها منظمات حقوق الإنسان و الأمم المتحدة ، و المنظمات الحقوقية و القانونية الدولية و الإقليمية، و ربما ملاحظة حجم الدمار الذي لحق بشكل خاص بمدينتي حلب و الموصل، و حجم و أعداد القتلى و المعتقلين و المهجرين و المشردين في هاتين المدينتين بشكل خاص يؤكد ما ذهبنا إليه ..

كل ذلك جرى و نفذ و تحقق تحت راية ما يسمونه بمحاربة الإرهاب و محاربة ” داعش “، التي لا يعرف كثيرون ربما كيف جاءت و كيف ذهبت و ماذا فعلت، لكن آثار ما فعلته الأجهزة الحكومية في كل من العراق و سوريا، و معهم و بمعيتهم المحتل الأمريكي و الروسي، و معهم اليد الطولى في البلدين إيران، لا زالت هذه الآثار قائمة و شاهدة، على الرغم من أن ما يسمونه الحرب على داعش يفترض إنها إنتهت، خاصة في العراق، و بنصر مبين كما تدعي السلطات هناك ..

و بالرغم من محاولات سلطات الإحتلال، و أجهزة إيران، و أجهزة السلطة في العراق، محاولاتها في طمس الحقائق و طي و طمر صفحات القتل و التعذيب و التدمير هنا و هناك في هذين البلدين بشكل خاص، لكن الآثار و الفظائع و الفضائح أخذت رائحتها تزكم الأنوف، و بدأت الكثير من الأجهزة و المنطمات الدولية تمارس تحقيقاتها للكشف عن الحقائق و لو متأخرا ..

و هكذا فقد أصدرت منظمة ” هيومن رايتس ووتش ” الدولية تقريرها الأخير عن أحداث الرعب و الترهيب و التعذيب في الموصل و نشرته بتاريخ ١٩ آب ٢٠١٨، و كان تحت عنوان مؤلم محزن هو (( العراق : شهادات مرعبة حول تعذيب معتقلين و موتهم – يجب التحقيق في سوء المعاملة أثناء الإستجواب في الموصل ))، و ما أنتظره أنا على أحر من الجمر هو إن كان هذا التقرير و أمثاله سيصل و يقرأ من قبل رئيس الوزراء العراقي أو أي من المسؤولين الكبار و الصغار في العراق، و إن كان أي منهم لديه الشجاعة و الجرأة للإعتراف بما جرى و توجيه اللوم و المحاسبة و المحاكمة لكل المسؤولين عن هذه التجاوزات و الجرائم الإنسانية، و كما هو واضح أن ما ورد في هذا التقرير هو مجرد نماذج بسيطة ، و الحقيقة الكاملة تكون دائما أكثر إيلاما و رعبا و دموية بالتأكيد ..

و أفتتح التقرير بقوله : ” إن معتقلين سابقين و والد رجل توفي أثناء الإعتقال قدموا تفاصيل عن سوء المعاملة و التعذيب و الموت في مراكز تديرها وزارة الداخلية العراقية في منطقة الموصل .. فقال شخص كان محتجزا لدى ( مديرية الاستخبارات و مكافحة الإرهاب – الاستخبارات ) التابع لوزارة الداخلية في سجن شرقي الموصل من يناير / كانون الثاني إلى مايو / أيار ٢٠١٨ إنه شاهد و تلقى تعذيبا متكررا أثناء الاستجواب، و رأى ٩ رجال يموتون هناك، اثنين على الأقل من سوء المعاملة و قال والد رجل آخر من الموصل اعتقل في مارس / آذار من قبل الشرطة المحلية، إنه توفي أثناء استجوابه من قبل هذه القوات في مركز تابع لها في الموصل ، و قال رجل احتُجز في سجن الاستخبارات في القيارة إنه رأى رجالا آخرين عادوا من الاستجواب و هم يحملون علامات على سوء المعاملة على أجسادهم ” ..

و قالت السيدة لمى فقيه نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش : ” هذه المزاعم الأخيرة لا تعكس المعاملة الوحشية لمحتجزي وزارة الداخلية في منطقة الموصل فحسب، بل أيضا عدم إحقاق العدالة من قبل السلطات الأمنية و القضائية عند وجود دليل على التعذيب ، و تقاعس الحكومة عن التحقيق في التعذيب و الوفيات في الاحتجاز هو ضوء أخضر لقوات الأمن لممارسة التعذيب دون أي عواقب ” ..

يشير التقرير أيضا : ” أجرى باحثو هيومن رايتس ووتش مقابلات مع المعتقلين السابقين و والد المحتجز الذي قُتل رهن الاعتقال في يوليو / تموز و أغسطس / آب شخصيا و عبر الهاتف، قدم كل منهم أدلة مادية أو وثائقية أو فوتوغرافية لإثبات رواياتهم ، و لم يُخبر الرجال المعتقلون أو المفرج عنهم القضاة بأنهم تعرضوا لسوء المعاملة أو أنهم شهدوا سوء معاملة، خشية الانتقام من قبل حراسهم، و قالوا إنهم لن يتخذوا أي خطوات للإبلاغ عن سوء المعاملة ، و قال أحدهم إنه أصيب بكدمات في جميع أنحاء ذراعيه، كانت واضحة للقاضي، لكن القاضي لم يستفسر عنها أو يحقق في إمكانية استخدام التعذيب ، و قال الأب الذي فقد ابنه إنه تقدم بشكوى رسمية إلى الشرطة لكنه لم يتلق ردا بعد … كما

قال سلام عبيد عبد الله إن عناصر شرطة الموصل ألقوا القبض على نجله داوود سلام عبيد، و هو عامل، في ٢٢ مارس / آذار قائلين إنهم يأخذونه لاستجوابه ، و أُخبر عبد الله بعد يومين أن ابنه قد توفي بسبب نوبة قلبية أثناء التحقيق، لكن عندما حصلت العائلة على الجثة بعد شهر، ظهرت عليها كدمات و جروح ” ..

يضيف التقرير في عرض حالات و مراسلات و إتصالات مع مسؤولين في النظام العراقي، بشأن حالات قتل و تعذيب موثقة و مؤكدة، فيقول : “ في ١٢ أغسطس / آب، كتبت هيومن رايتس ووتش إلى حيدر العكيلي، ممثل اللجنة الاستشارية لرئيس الوزراء، طالبة الرد على ادعاءات الأشخاص الذين تمت مقابلتهم ، و كتب العكيلي في رد أولي في ١٤ أغسطس / آب أنه ملتزم في التحقيق في موت داوود سلام العبيد، لكنه لن يتمكن من التحقيق في الادعاءات الأخرى ما لم يُعلن عن هوية الأشخاص المعنيين، و أوضحت هيومن رايتس ووتش في رسالة لاحقة أنها وفرت معلومات كافية للتحقيق في ادعاءات التعذيب و الموت أثناء الاعتقال، بما فيها فترات الاحتجاز و أماكنه و الأشخاص الذي لعبوا دورا، كتب العكيلي لاحقا في اليوم نفسه في رسالة إلكترونية، في إشارة إلى الطلب من مكتبه إجراء تحقيق : (( أود أن أقول نحن متفقين ولسنا مختلفين لأننا بالطبع سنقوم بذلك و (لكن)… عملية فتح تحقيقات بهذه التفاصيل الدقيقة بناء على ” رواية ” شخص غير معروف أمر صعب … و مع ذلك فسوف نقوم بكل ما نستطيع )) … كما قدمت هيومن رايتس ووتش المعلومات إلى المفتش العام بوزارة الداخلية، حيث ينبغي للمفتش العام إجراء تحقيق شفاف في ممارسات التعذيب والوفيات في مركز الشرطة في الموصل و السجن في الفيصلية و نشر نتائجه علنا ، و ينبغي له أن يضمن معاقبة أي قادة متورطين في الانتهاكات المبلغ عنها بشكل مناسب، بما في ذلك من خلال التهم الجنائية، و ضمان حصول محمود و غيره ممن عانوا من سوء المعاملة على تعويضات ” ..

و يشير تقرير المنظمة إلى أنه : ” على أي دولة تقدم الدعم لقوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية العراقية أن تحقق فيما إذا كانت مساعداتها قد ساهمت في الانتهاكات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، و أن تنظر في تعليق دعمها حتى تتوقف الانتهاكات، و عليها ضمان ألا تساهم زيادة المساعدات المقدمة إلى قوات الأمن في التعذيب و غيره من الانتهاكات الخطيرة ، و أن أحد السبل لتحقيق ذلك هو تقييم ما إذا كانت السلطات العراقية تتخذ خطوات حقيقية للتحقيق في مزاعم الانتهاكات الجسيمة و إجراء ملاحقات قضائية تشمل التعذيب أثناء الاحتجاز ، و عليها التأكد من أن يتضمن أي تدريب حالي أو مستقبلي للقوات العسكرية أو الأمنية أو الاستخبارات تعليمات شاملة حول مبادئ و تطبيق قوانين الحرب و حقوق الإنسان، لا سيما فيما يتعلق بحقوق المعتقلين ” ..

و قالت السيدة فقيه : ” أن المحتجزون و عائلاتهم يقدمون دليلا ملموسا على إساءة المعاملة في مراكز وزارة الداخلية ، و الكرة الآن في ملعب السلطات لتظهر أن لديها الهيكليات المناسبة للتحقيق و الملاحقة و التعويض” ..

و هنا لابد من الإشارة إلى ان كانت الميليشيات الدموية و الأجهزة الأمنية المعلنة الرسمية و غير الرسمية، الملحقة بالمرجعيات و المسؤولين بمختلف تسمياتهم و خلفياتهم و مرجعياتهم و مستوياتهم، إذا كان كل هؤلاء يمارسون الإرهاب و التعذيب و القتل تحت أعين القضاء و قيادات البلد ، بل ربما بدعم و تشجيع و تمويل منهم، فكيف لنا أن نتوقع كما قالت السيدة الفقيه، أن تكون الكرة في ملعب السلطات، و ننتظر من هذه السلطات العدل و الملاحقة و التعويض و المحاسبة و المحاكمة و هي مشاركة يدا بيد على الأغلب في التمويل و التنفيذ و التخطيط و التوجيه لهذه العمليات ..

لقد إستعرض التقرير عددا من الحالات التي تمت مقابلتها و دراستها، و التي تعكس الوضع العام الذي ساد و لا زال في الموصل، و على الأغلب في مدن عراقية أخرى، منها : “ أحتجز كريم لمدة ١١ شهر، أولا في سجن الإستخبارات في القيارة، على بعد ٦٠ كيلومتر جنوب الموصل، ثم في سجن الفيصلية حيث كان محمود محتجزا، حيث أخبر الهيومان رايتس ووتش أنه لم يتم إستجوابه و تعذيبه، لكنه رأى علامات تعذيب على ٥ رجال في سجن القيارة ” ..

و حالة أخرى : “ قال محمود أنه رأى زميلين له في الزنزانة يموتان من التعذيب الذي مارسته عليهما قوات الأمن خلال جلسات اإستجواب، كما ذكر بالتفصيل عددا من أساليب التعذيب التي أستخدمها المحققون، بما في ذلك تعليقه من يديه المقيدتين خلف ظهره في وضعية تسمي (( البزونة أو القطة ))، لست مرات على الأقل، و الضرب عدة مرات، بما في ذلك على أسفل قدميه، و هي تقنية معروفة دوليا ب (( الفلقة )) “ ..

و عن حالة أخرى : “ كشف للباحثين عن ندوب تتفق مع مزاعم تعذيبه، منها على ظهره جراء ضربه بكيبل معدني، و علامات على قضيبه و خصيتيه، حيث أحرقه رجال الأمن بمسطرة معدنية ساخنة، و قال أنه رأى أيضا رجال أمن يعذبون سجناء آخرين بما في ذلك تعليقهم بخطافة و ربط زجاجة ماء بسعة لتر في أعضائهم الذكرية، مما يؤدي إلى الإلتهاب ” ..

و في قصة أخري : “ أثناء إحتجازه، مات ٩ رجال في زنزانته، إثنان بعد عودتهما من الإستجواب، و البقية في الزنزانة لأسباب غير واضحة، و أن أحدهم توفي بعد شهرين و نصف من الإحتجاز ” ..

برأيي أن جهود المنظمات الإقليمية و الدولية لا زالت قاصرة و ضعيف و لا تتناسب مع حجم المآسي و الدمار و التطهير العرقي الذي تشهده مدن عديدة في العراق و سوريا و غيرها، و ربما ستكون الموصل و حلب في يوم ما نموذجا يدرس و يقارن به لحجم الإستهتار بالروح البشرية، و درجة العدوانية و الوحشية التي يمكن أن يتمتع بها بني البشر، و درجة الإستهتار و التهور و الضعف التي تتعامل به مؤسسات و أجهزة حكومية و دولية مع مآسي و فظائع و فضائح على هذا المستوى ..

ندعو الله تعالى أن يحيط شعبنا العربي ، في الموصل ، و في حلب ، و سائر المدن المدمرة في العراق و سوريا بحمايته و عين رعايته و حفظه، و أن يمنحهم الصبر و الجلد و السلوان و قوة الإرادة، و يمكنهم من تجاوز هذه الأزمة و بناء ما دمر من جديد، أما الإنتقام فالأمر متروك للمنتقم الجبار، و نعم بالله ..

المقال السابق” شيطنـة ” الاستعمار 2
المقال التالىنزاعات عشائرية
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد