التعليم بالتلقين يصنع من الطلبة جدران صماء

 

يقول اينشتاين “الطالب ليس وعاء عليك ملؤه بل شعلة عليك أن توقدها ” فهو بداخله طاقة واحلام تكفي لصنع طوفان كيف سيحدث ذلك وهو لا زال يلقن طلبته بزمن تهيمن فيه التكنلوجيا على مفاصل حياتنا .مما جعل طلابنا الصغار الذين هم اجيال المستقبل بمجرد ان يقرع جرس المدرسة ليعلن عودتهم للمنزل يهرعون مسرعين شوقا ليرتمون في أحضان الآيباد الذي اصبح المصباح السحري بالنسبة لهم لما فيه من الوان واصوات متنوعة وبرامج تعليمية مختلفة تجذب انتباهم ولا سيما ان المعلم في الصف الاول الابتدائي لا زال يردد بمادة القراءة ( دار,دور) ويعيدها طلبته مرارا وتكرارا اصواتهم تتعالى خلفه من دون ان يفقهون شيئا ستيقن عند سماعهم اننا لا زلنا بعصر الكتاتيب وان مجرد دخول الطفل للمدرسة ستؤطر افكاره وتفكيره الحيوي سيندثر فهو الذي اعتاد حينما يفكر يمرح ويلعب مولعا بالاستكشاف واحيانا اذا استدعى الامر عنده تراه يكسر العابه لكي يستكشف ما بداخلها ويحاول ان يعيدها بطريقته مستخدما البدائل الممكنة لكي تعمل وفق تفكيره لا ان تأتيه جاهزة ويلعب بها فهو بتكوينه حرا بخياله وينسج افكاره كما يحلو له ليس جمادا مكتوف الايدي يجلس على رحلته كل ما يفعله ان يحرك لسانه ليردد ما يذكره المعلم ,التفكير الابداعي يولد مع الانسان منذ نشأته الاولى لذا لا بد من احترام وجهات نظر الابناء من دون الاستهانة والابتعاد عن اشكال القمع الاسري وتسفيه وجهات النظر والا كيف سنصنع جيلا معاصرا يردع كل اساليب القمع والعقم الفكري ولا يقبل بأن تسود الخرافة والعنف والاستبداد ونحن لا زلنا نلقنهم كما يلقن الموتى حين ارتدائهم الكفن التعليم اليوم بمثابة عقاب يجبرك على تبني افكار في العلن ولا تقتنع بها في سريرتك , في حين دول العالم ترفض النظريات الساعية الى تكريس عبادة الواقع بات التركيز عندهم على بصمة الانسان وتفرده عن اقرانه بما يعكس شخصيته ووجوده التي يحققها بالتجريب والاستكشاف كما نادت بها البرجماتية لا نسخة لا فكار انتهى زمنها واليوم حتى عندما يصبح الطالب جامعيا لن يتحرر من ذلك بل ستجد تلك الاسئلة ذات الاجابة الواحدة تحاصر افكاره خلف قضبانها ولا يسمح للطالب ان يبحث في البدائل الممكنة والغالبية من الطلبة الذين يجلسون في المقاعد الخلفية تجدهم ذهنيا غادروا المحاضرة والبعض استحوذ عليه النعاس فصار تارة يغفو وتارة يحاول ان يركز ليحفظ كلمة مما يلقى عليه خوفا من ان يتعرض لسؤال مفاجىء فدوامة المدرس ما بين السبورة والكرسي لا زالت قائمة في عصر التكنلوجيا والانفتاح على ثقافات العالم في حين لا زال المعلم يحتفظ بسلوكات تقليدية لم يستطع ان يغادرها والبعض منهم يمارس الدكتاتورية بأصولها لدرجة انه لا يسمح للطالب بالسؤال المتكرر وبعضهم ينادي بالتفكير الابداعي ويتعامل مع طلبته كأنه في أستجواب بالمحكمة وبالنهاية يرسب طلبته لأنه يريد الاجابة ان تكون طبقا للمنهج في الكتاب وان اراد الطالب ان ينتقد طريقته وصفه بأنه يغرد خارج السرب كل ذلك لاننا لم نعتد ان نبحث عن الحقيقة بأنفسنا فما يتعلمه الطلبة من نظريات ويحفظوها بشكل اصم فقط لكي يسترجعوها على الورق في لحظة الامتحان وينتهي الامر لم يعد ذلك يلبي احتياجاتهم فالاف الخريجين بالكاد قادرين على القراءة بشكل صحيح وعندما يقبلون بالجامعات يكونون غير مؤهلين والبعض يحمل شهادة الدكتوراه لكن طروحاته غير مقنعة ولا يملك حتى القاء صحيح ومؤثر ولا يجدد معلوماته فتراه على مر السنين يزود طلبته بنفس المعلومات المستهلكه وربما قد تكون اندثرت وباتت بلا جدوى كل ما يشغله ان يكمل المنهج المقرر بوقته فهو بلا شك احد مخرجات التعليم بالتلقين ,التعليم بات حفظا لما تعلموه من دون ربط بمشاكل الواقع والسعي لمعالجتها والانتقال من التعليم بالتلقين الى التعليم بالتفكير لا زال محالا فالتعلم بالتفكير يجد مناصرين ومعارضين فهناك اصحاب مصلحة بأن يسود هذا النمط من التعليم وان تسود صورة واحدة لمعرفة الاشياء لكي يستطيع البعض من دعاة الدين والنبوءة ان يلقوا بأفكارهم بسهولة على شعوبها التي تعلمت بطريقة التلقين فيتقبلوها من دون نقد او بحث او محاولة لاستكشاف الحقيقة ولا يشككون بأفكارهم فما يحدث اليوم من تعليم ببغاوي يخدم مصالح الطامعين بكراسي الحكم في بلد مثل العراق يتمتع بثروات نفطية لا يمتلك جهات لمتابعة وزارة التربية والتعليم والعمل على التغيير نحو التفكير الابداعي كل ما يحدث اليوم من ويلات واضطهاد واستعباد سببها التعليم المنحدر ومقررات المناهج المستهلكة البلد بحاجة لمبدعين يتفحصون المسلمات التي امامهم ويشككون بالحقائق ويبحثون عنها والسعي للبحث عن الادلة التي تدعم الحقيقة او تنفيها ويتفحصون كل ما يرون وكل ما يسمعون ويفكرون تفكيرا نقديا ويتقبلون ما يثبت لديه بالادلة وان يكون لهم القدرة على مواجهة العقل الجمعي والقيم الاجتماعية البالية التي تحرض على الخمول والخوف والكسل والصمت والقناعة بما موجود وعدم التفكير بالغير موجود وكثير من الامور التي تغلق علينا ابواب التفكير ومنافذه ,الانسان اليوم بسبب ثقافة التلقين اصبح نمطي ويقلد العقل الجمعي كل انسان منا بداخله طاقة ابداعية تفجر بركان منحها الله له فلما نسمح لمدارسنا ان تصنع اجيال بعقول متحجرة نمطية القناعات المسبقة وتهيمن على افكارها القيم الاجتماعية والرهبة من سطوة السائد الديني فبعض القيم خاطئة ولا نجرؤ ان نفندها ونتقبلها كما هيه ولا نسعى لكشف زيفها فقط لان العقل الجمعي اتفق عليها ونخشى مواجهة المجتمع ونتساءل بصمت اين ما يثبت اتفاقهم عليه ؟ربما كانت سلطة احد فقهاء الدين بما يتلائم مع مصالحه فليس كل ما يتفق عليه هو صحيح الم يذكر الله تعالى بكتابه (اكثرهم لا يفقهون).
وختاما سأروي اليكم يا سادة ما حدث معي بالماضي وربما لا زال ذلك قائما بمدارسنا ليومنا هذا فذات يوم حينما كنت بالمرحلة المتوسطة وكنت مولعة بالرسم بوقتها واثناء درس الفيزياء رسمت على دفتري رسوما لوجوه زميلاتي بقلم الرصاص والاحلام تشدني فكريا بقوة خارج الدرس هربا من رتابة الدرس وطريقة الطرح المملة لدرجة نسيت اني لا زلت في الدرس الى ان داهمني صوت المعلمة عاليا اعيدي ما شرحته وكأي طالب ارتجفت خوفا واجبتها بعفويه مراهقة حالمة ” لم انتبه لما ذكرتي لانني رحلت بأفكاري بأفق الفن وصرت اتخيل نفسي رسامة اطوف العالم بفني” فجاءتني ردة فعل المعلمة صفعة على وجهي لن انساها طالما حييت وطلبت مني ان احضر اهلي وكأنني ارتكبت جرما فألتقى اخي بها باليوم التالي فاطلعته على الامر واخبرته( شخابيطها لن تصنع لها مستقبل )رجع اخي للبيت مستغربا من نظرتها البائسة للفن لم تكن تعلم ان الفن جبل بطينة تكويني وسأبقى اتنفسه و حينما كبرت حدث عكس توقعها فصار الفن هو المستقبل والمهنة التي ازاولها ربما نسيت تلك المعلمة ان الطلبة اذا لم يمارسوا الفن و الخيال ليجسدوا افكارهم ستقتل روح الابداع بداخلهم وسيكونون اسارى لافكار غيرهم ,سطحيون بأحكامهم لكن يبقى المعلم العظيم هو الذي يلهم طلبته بطريقة عرضه الابداعية للدرس.

لا تعليقات

اترك رد