أن يكون الطبيب النفسي أديباً

 

يسألني الكثير من الأصدقاء، بين الفينة والأخرى، عن سبب اهتمامي بالأدب مع كوني طبيباً نفسياً، هل يضيف الأدب لي شيئاً؟، وما علاقة الأدب بالطبّ النفسي؟ وما شاكل هذه التساؤلات. وفي كثير من الأحيان، تكون إجاباتي هزيلة خجولة مقتضبة، أو تكون واحدة من تلك الإجابات التسويفية التي تخلط الـ(نعم) بالـ(لا) دون أن تحسم أمرها في رأي. إن الأطباء النفسيين يتفهمون ترددي بكل تأكيد، ويعلمون أن السبب ليس في الأدب بل في رحاب الطبّ النفسي الواسع الذي يجمع في نظرياته وبحوثه بين التفكير العلمي والعلوم الإنسانية دون أن يحدد أي الاتجاهين أجدر بالاتباع وأرجح بالالتزام.
هناك إدراك متزايد من قبل المشتغلين في مجال الطبّ النفسي بأنه، إذا ما أريد له أن يتقدم، أن يتحالف مع علم الأعصاب Neurology وعلم البيولوجيا من جهة، ومع علم الاجتماع والانثروبولوجيا من جهة أخرى. وهذا الأمر واقع لا جدال فيه، فنحن –الأطباء النفسيون- لسنا متزمتين بالقوانين والنظريات العلمية بما فيه الكفاية ليطلق علينا لقب علماء، ولا متحررون بما فيه الكفاية لنكون فلاسفة! وربما الأمر ذاته يمكن أن ينطبق على علم الاجتماع والانثروبولوجيا والعلوم السياسية. إلا إن الجوهر الجادّ داخل هذه المزحة هو أيضاً ردّ فعل احتجاجي، فقد فرض الطبيب النفسي نفسه حكماً على الحالات المرضية في الأفراد وأخذ يصدر التشخيصات والعلاجات والتقارير، وليس في ذلك حراجة، لأن الطبّ النفسي يتمتع بذات الهيبة العلمية التي تتبجح بها بقية العلوم، وباستطاعته أن يناقش الأمور الأنثروبولوجية والاجتماعية بكل تميّز وفرادة، بل إن الطبيب النفسي وحده من يستطيع أن يجمع بين صفتي (عالم يصف العقاقير) و(مستمع يمارس التطبيب).
ولكي نرسم الحدّ الفاصل بين الدراسات العلمية عن نظيرتها الإنسانية، لا بدّ من أن نعرّج على الفوارق بينهما، وبالتالي ندرك لماذا ارتضى الطبّ النفسي لنفسه أن يقف على الأعراف ولا يميل لأي الجانبين؟ لقد حددّ المفكرون فوراق عديدة بين منظور العلم ومنظور الفكر الإنساني، وعمّقوا الفصل وباعدوا بينهما، فأعطي للعلم معيار المقياس الكمّي، والحياد التامّ، والموضوعية الصارمة، والسيطرة على الظواهر وانتخابها وقبولها بالتجريب وإمكانية التكرار والقياس عليها، والتعامل مع قوانين تقبّل الثبات والاطراد، وبالتالي فإن كلّ ما يصدق عليه هذه المعايير فهو ينتمي إلى حقل العلم. أما المنظور الفكري الإنساني (الفلسفة والأدب مثلاً) فإنها تتبع معايير القياس الكيفي، ولديها عناصر نسبية ومتغيّرة، وتعتمد على الحياد ولكنه غير مشروط، وحتى موضوعيتها ليست صارمة على الإطلاق. ونتائجها التي تنتهي بها تفتقد إلى خواص الجزم والقطع والثبات (1).
ولأن الطبّ النفسي ما زال مولوداً جديداً، وما زال لديه الكثير من النظريات التي تحتاج أعادة فرز وتنقيح، بل –حتى الآن- لا توجد نظرية قاطعة في الطبّ النفسي، ولا منظومة اصطلاحية متفق عليها، وإنما مجموعة من النظريات المتصارعة والتقنيات المتشعبة والتصنيفات التي ما زالت في طور التشكّل. وربما ينطبق الأمر عينه على علم الأعصاب (الذي نزعم أنه أساس الطبّ النفسي)، والذي ما زالت نظرياته نامية ولا تجيب على كلّ التساؤلات مقارنة ببقية العلوم.
ليس في ما تطرقت إليه ما يبيّن من أنا ومع من؟ مع الأدب أو مع الطب النفسي، فلست بالتأكيد مع نقد الطبّ النفسي (Antipsychiatry) ولا أنا مع المدافعين عنه، وما زلت أقف على الحياد من موقف مارتن هايدغر (إن العلم لا يفكر)، أو موقف ستيفن هوكينغ (إن الفلسفة ميّتة). جلّ ما في الأمر أن الأدب يحتاج الطبّ النفسي والطب النفسي بدوره يحتاج الآداب، بل يجب الاعتراف أن الأدب قد أثرّ تأثيراً مهولاً في تطوير النظريات النفسية والعكس صحيح. وبدوري أعتقد أن الرابط الأكثر وضوحاً في العلاقة بين الاثنين هو أن كليهما من الفنون اللغوية، بالرغم من أن فرويد لم يشر مباشرةً إلى ذلك، لكن قراءة الأدب قد تكون تدريباً جيداً للطبيب النفسي.
يعتقد البعض أن الأدب يساعد المريض لا الطبيب فحسب، إذ إنه يوفر فرصة له ليجمع أطراف قصة عن نفسه، أن يتذكر الماضي في الطفولة وينسج الأحداث، ويحاول –من خلال السرد- أن يعثر على معنى لحياته، وللطرق المسدودة التي واجهها مرة أثر أخرى، وما يمكن أن يصير إليه حاله مستقبلاً. في الواقع، جادل البعض أن الهدف المعياري والأساس للطبّ النفسي –والتحليل النفسي تحديداً- هو السماح للمريض أن يروي قصة واحدة متّسقة عن نفسه، والأكثر من ذلك أن يعرف نفسه جزئياً عبر التراكيب السردية التي يساعد الطبيب في بلورتها من خلال صناعة القصة وإعادة نسجها (2).
إن جزء كبير من فكرة التحليل النفسي تستند على تحليل الدلالات النفسية الموجودة في الأدب بكل ألوانه، لقد حاول فرويد مع زملائه بتأسيس مدرسة (Psychoanalytic literary criticism) لكي يبرز الأمراض النفسية ضمن الأعمال الادبية ومن ثم يقوم باستحضار دلالاتها وبالتالي يعزّز نظريات التحليل النفسي. وهكذا نجد أن فرويد قد تأثر كثيراً بأعمال شكسبير ودوستويفسكي. نعم، بالتأكيد إن فرويد الملتزم لم يحيد عن الطبّ النفسي الذي كان هدفه الأول، إلا أن الأمر قد تطوّر بعده، وأضحى الكثير ممن أخذ على عاتقه البحث في النظريات النفسية للغرض الأدبي لا النفسي، وهكذا استفادوا من نظريات فرويد وكارل روجر وأريك أريكسون ومازلو وبولس وغيرها. وربما يجدر الإشارة إلى أبرزهم من أمثال شارل بودوان، وغاستون باشلار، وجان بول سارتر في كتابه عن بودلير، وميشيليه، وكوهين، وبريسلير، وادوارد سعيد.
في كتابه (on flirtation)، أستحضر المحلل النفسي آدم فيليبس الطبّ النفسي على أنه نوع من الأدب التطبيقي; إذ دائماً ما تكون هناك محاولات لحل مشكلة ما، أو علاج شخص ما، أو على الأقل تناول معاناة شخص ما، وهذا هو الأدب بشحمه ولحمه. إن الطبّ النفسي يعمل على أساس يسمح للشخص بالإفصاح والاعتراف، كما هو محاولة لخلق حالة يستطيع فيها الشخص أن يتحدث عن نفسه على أكمل وجه ممكن. كما لو أن الطبّ النفسي متنفس لمن لا يمكنه كتابة الشعر أو القصة ليعبر به عما في داخله، وبذلك يمكنه التعبير عن نفسه لو استطاع إليه سبيلاً (3).
يكتب الدكتور غافين فرانسيس في مقال رائع له ويقول: من المعروف أن الأدب يساعدنا على استكشاف طرق إنسانيتنا، ويهبنا قبسات من حياة وراء حدود حياتنا، وينمي تعاطفنا مع الآخرين، ويهدأ توترنا، ويوسع دائرة وعينا. ويمكننا قول الشيء ذاته على الممارسة الطبّية السريرية بجميع أشكالها. بل إن الوعي الأدبي يعزز من ممارسة الطبّ، تماماً كما ساعدتني الممارسة السريرية في الكتابة، إنني أرى أن كلا المجالين متوازيان أكثر منهما متنافران، بل ومستعد للمجادلة على أن العلاقة بينهما تعزيزية (4).
هنالك توازٍ بين إبداع الحكايات والفن وتقديرها، وبين توفير الصحة والجهود العلاجية وتقديرها، فكلاهما يساعد من خلال الاعتماد على ذات النهج من الفضول اللامحدود، وعشق الإبداع، والسعي للتعاطف مع مصاعب الآخرين، والانخراط في الحالة الإنسانية الشاملة. إن الطبيب النفسي كالأديب، بل من الضروري أن يكون الطبيب النفسي أديباً، لأن كليهما يقدمان أفضل ما عندهما حين يشاركان تجربة الإنسان الفرد، وفي الوقت نفسه، فإنهما ينظران إلى هذا الفرد في سياق حالته النفسية المصغرة وحالته الاجتماعية الأوسع.

المصادر:
(1) زكي الميلاد، محنة المثقف مع العصر. الطبعة الأولى، دار الهادي, 2006.
(2) جوديث بتلر، الذات تصف نفسها، ترجمة رحيم فلاح. الطبعة الأولى، دار التنوير, 2015.
(3) Phillips, Adam. On Flirtation. 1st ed., Faber & Faber, 1995.
(4) Medicine and Literature: Two Treatments of the Human Condition – Gavin Francis | Aeon Essays.” Aeon, Aeon, 6 Mar. 2017, aeon.co/essays/medicine-and-literature-two-treatments of the-human-condition.ومترجمة hekmah.org/العلاج-بالحكاية-الطب-والأدب-معالجتان.

لا تعليقات

اترك رد