هل تراهن تركيا على حلفاء مثقلين بالمشاكل ؟

 

في ظل أزمة دبلوماسية مع الولايات المتحدة التي تتجه بدورها نحو تشديد العقوبات على الحليف التركي العضو في حلف شمال الأطلسي ما لم تفرج أنقرة عن القس الأميركي الذي تحتجزه تركيا منذ عام 2016 بتهم تتعلق بصلته بشبكة فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016.
تركيا في أزمة بعدما فقدت حلفاء موثوقين خصوصا مثل السعودية ودولة الإمارات بعد تدخلها في الأزمة الخليجية ووقوفها إلى جانب دولة قطر مما أغضب السعودية وجعلها تبتعد مسافة واسعة عن دولة تركيا بعد مرحلة من التعاون الاستراتيجي الوثيق في عدد من القطاعات.
اختارت تركيا الوقوف إلى جانب دولة قطر لإنقاذ محور تيار الإسلام السياسي الذي ترى الدول المقاطعة لدولة قطر بأن دور محور تيار الإسلام السياسي قد انتهى وبذلك يكون دور قطر كمركز لهذا التيار كذلك قد انتهى.
بعد أزمة تركيا الاقتصادية والتي ازدادت بعد فرض الولايات المتحدة رسوما على الألمنيوم والصلب التركي مثلها مثل بقية الدول الأوربية والصين ودول أخرى، لكن تركيا حاولت الهروب للأمام واعتبرت أن ما تقوم به الولايات المتحدة حرب اقتصادية من أجل تبرير اردوغان انهيار الليرة التركية منذ بداية عام 2018 والتي فقدت 40 في المائة من قيمتها أمام الدولار قبل فرض الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على الألمنيوم والصلب التركي وإن فقدت الليرة مزيدا من قيمتها.
حيث جاء قرار ترمب بعد أيام من فرض واشنطن عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين بعد رفض تركيا الإفراج عن القس الأمريكي أندرو برانسون الذي يحاكم في تركيا بتهم تتعلق بالإرهاب والتجسس ضاعف الرئيس الأميركي الرسوم الجمركية على واردات الألمنيوم والصلب التركية.
من المستبعد أن تجد تركيا بدائل وعدد من حلفائها لدعم استقرار الليرة التركية التي فقدت أكثر من خمسي قيمتها حتى أغسطس 2018، بسبب أن إيران تواجه ضغوطا أميركية شديدة على خلفية الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي والتي تزامنت مع هذا الانسحاب عقوبات اقتصادية مشددة يصعب على النظام الإيراني مد يد العون لتركيا.
طموحات تركيا التي كانت ترى في السودان بلد استراتيجي لأفريقيا وتركيا، ما جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقوم بزيارة للسودان عام 2017 من أجل ترميم وإصلاح جزيرة سواكن السودانية والتي انتقدتها مجموعة من الدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية اللتان تعتبران المنطقة مجالا حيويا لهما، مما زاد من اتساع شقة الخلاف بين السعودية وتركيا أكبر من شقة الخلاف بين البلدين بعد دعم تركيا لدولة قطر، واتضح أن تركيا لم تدعم قطر من أجل محور تيار الإسلام السياسي، بل اتخذته غطاءا لتمرير طموحاتها ومشروعها الحيوي.
لن تجد تركيا في دولتي قطر والسودان المثقلتان بالمشاكل أي دعم حقيقي، وأنهما لن يغامرا بتوتير علاقتهما بالولايات المتحدة نصرة لأردوغان، خصوصا وأن السودان يبني أمالا كبيرة على إنهاء العقوبات الأميركية على السودان بدعم السعودية والتي رفعت أميركا جزءا منها، فيما أبقت الولايات المتحدة على جزء آخر منها، كما لم ترفع الولايات المتحدة حتى الآن اسم السودان نهائيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أيضا بدعم السعودية.
هذا إلى جانب أن السودان غارق في أزمة سيولة نقدية ويواجه نذر احتجاجات شعبية واسعة فلن يستطيع في مثل تلك الأزمة أن يقدم لأنقرة أي دعم، وفي نفس الوقت لن تتمكن في مثل تلك الظروف التي تمر بها أن تستكمل ترميم ميناء سواكن الذي أغضب السعودية ومصر.
أيضا دولة قطر فهي تحت وطأة ضغوط خليجية وعربية ودولية للتخلي عن سياسة دعم وتمويل الإرهاب، إلى جانب أن أي دعم مباشر لإردوغان يستهدف مصالح قطر مع الولايات المتحدة، لذلك أتت زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم إلى تركيا مجرد زيارة استعراضية، وزيارة رفع عتب أكثر منها تضامن ودعم، فقطر أكثر حاجة لمن ينقذها من ورطتها.
زيارة أمير قطر لتركيا أتت بعد انتقاد الصحف التركية لصمت دولة قطر المريب والتي اعتبرته موقفا غامضا لقاء ما قدمته تركيا لقطر أثناء أزمتها مع الدول المقاطعة لها في يونيو 2017، ولن تفيد الزيارة عمليا على إنقاذ أنقرة من محنتها رغم أن تميم تعهد باستثمار 15 مليار دولار في تركيا.
لذلك لن تعول تركيا إلا على اقتصادها أكثر تعويلها على الحلفاء المثقلين بالمشاكل، خصوصا وأن تركيا تتمتع باقتصاد قوي وبنية تحتية متينة، واستطاعت الليرة التركية استعادة بعض خسائرها بعدما تعهد البنك المركزي بتوفير السيولة وخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، بعدما سجلت مستوى قياسيا منخفضا عند 7.24 للدولار في 10 أغسطس 2018، لكن لا يزال وضع الليرة مقلقا.
يتزامن مثل هذا القلق قلق المستثمرين من تنامي سيطرة أردوغان على الاقتصاد التركي وتقاوم الأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وهو ما يصاعد حالة فزع بالسوق مما جعل المتعاملون القلقون بشأن اليورو وعملات الأسواق الناشئة إلى شراء الين والفرنك السويسري اللذين يعتبران ملاذا آمنا في أوقات اضطراب السوق، حيث هناك مخاوف من تضرر اليورو بفعل المخاوف من انكشاف بنوك إسبانية وإيطالية وأوربية أخرى على تركيا.

لا تعليقات

اترك رد