من قال ان العراق دولة اسلامية ؟

 

لم يفت على أحد في الاسبوع الفائت قرار العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على الجمهورية الاسلامية الإيرانية. طبعا عندنا في العراق كان للحدث صدى اقوى، خصوصا مع امتثال السلطة الحاكمة في العراق الممثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي لذلك القرار الأمريكي.
و هنا انقسم الرأي العام كما لو أن جرة انكسرت على صخرة لتتبعثر الأجزاء في كل اتجاه. و طبعا مثل العادة، يعلو ضجيج الغوغائية و لا تجد رأي محدد للدولة أو للشعب. فكل ما يسمع هو السب و الشتم و التقاذف يمينا و شمالا. و ما تبع بعد ذلك من مطالبة بعض المسؤلين في ايران بأن يدفع العراق تعوضات على اضرار الحرب ما بين البلدين.

انا اكتب اليوم هذا المقال لتحليل الوضع. و هنا ثلاث نقاط مهمة جدا اكتب عنها هذا المقال.

أولا
العراق بعد فترة حكم البعثيين الطويلة، تحول إلى كيان مريض بأمراض اجتماعية و فكرية عديدة، لذا عندما جاء الأمريكان لغزو العراق، كان العراق مثل الذي اصيب بعينه بمرض اوجعه الى درجة أنه رحب بمن فقعها له. و هنا فتحت أبواب القلعة كلها على مصراعيها ليدخل كل طامع من كل حدب و صوب. طبعا الامريكان و حلفائهم الغربيين كانوا الأوائل في نيل الغنيمة، لكن سرعان ما لحق بهم الإيرانيون و الاكراد و دول الخليج و الأتراك، فلم يفت أحد أن يأكل من الذبيحة، و طبعا الكل ساهم في إيصال عملائه إلى سدة الحكم. و ها هنا نحن اليوم، بلد ممزق و مهشم، تأخذه الأمواج في كل إتجاه. و عندما يأمر السادة فلا مجال للعملاء إلا السمع و الطاعة.
فعندما يأمر القرقوز الأحمق ترمب بتفعيل العقوبات، لا يكون حينها للحكومة العراقية إلا الامتثال، ففي نهاية المطاف لا يهم ما يحدث، فالعراق ليس إلا دابة سائبة يجرها من له القدرة، أمريكان، إيرانيين، خليجيين، اتراك، ما همنا نحن العراقييون؟ و هل لدينا فعلا القدرة على ترجيح أي كفة؟ و هل لدينا القدرة على اتخاذ موقف معادي لأحد؟ فموقعنا هو ما بين المطرقة و السندان.

ثانيا
كل هذه الحكاية بدأت عندما أبرم اتفاق التحالف المشؤوم ما بين امريكا و السعودية، و الذي بمقتضاه أن النفط الذي يباع و يشترى يجب ان يتداول بعملة الدولار. لذا فإن النفوذ الأمريكي يصل الى كل مكان فيه تعامل اقتصادي عبر التحكم بسعر صرف الدولار مقارنتا بعملات باقي دول العالم. لذا فإن السياسة الامريكية التي تؤثر على الدلار تكون مؤثرة بشكل مباشر او غير مباشر، فالكل يحتاج إلى النفط و بالتالي الدولار و لذا فإن الكل رقبتهم بيد أمريكا و الشركات الامريكية و المؤسسات الأمريكية و حتى بيد ارعن الناس و اكثرهم حمقا مثل ترامب. فما على الادارة الأمريكية سوى اصدار أمر بعقوبات إقتصادية على دولة معينة إلا و تبدا حينها عملية طحن لتلك الدولة، فالعراق مثلا تضرر من العقوبات الاقتصادية اكثر من اي حرب على ارض الواقع من دمار في النفوس و البنية التحتية و الأنظمة الاجتماعية، و كل ذلك من دون أن يكلف الأمريكان اي عناء يذكر. إن هذه العقوبات هي اكثر الاسلحة الامريكية فتكا بالعدو، لانها لا تكلف شيء لامريكا لكنها تلحق ضرر فادح بصف العدو.
لذا فإن كل من يعترض على أمريكا و تسلطها و ظلمها يجب عليه اما أن يرضخ مثل الباقين، أو ان يجد نظرية اقتصادية جديدة لا تقوم على الدولار (انا عندي نظرية اقتصادية حول المال و سوف اطرحها في مقال آخر). اما ان تكون دولة مثل إيران، متخذة موقع طموح في تبوؤ موقع القوة على غرار اي دولة أخرى، فهذا يحتم عليها أن تنتهج سياسة متصالحة مع الغرب، فلا يمكنك أن تكون عدو للكل و في نفس الوقت تريد ان تصبح مثلهم، إما هذا و إما ذاك.

ثالثا
العراق متعدد الاعراق و الاديان و اللغات، فليس من الغريب أن نرى الاختلاف ما بين الأفراد، و تلك التعددية تكاد تكون متلازمة مع الارض و البشر و لقد صاغت تلك التعددية طريقة التفكير و العلاقة ما بين الأفراد، فالمسلم يعرف بوجود المسيحي و العربي يعرف بوجود الكردي الخ.
و في مجتمع متعدد الأعراق مثل العراق، صيغت الثقافة العامة بشكل يتلائم مع التعددية عن طريق تخفيف التزمت للعرق و للدين الذي ينتمي له الفرد. او بمعنى ابسط، سواد المجتمع ليس متزمت لعرقه و دينه الى درجة العمى. نعم الغالبية من الشعب مسلمة شيعية، لكن انتمائهم لا يكون انتماء أعمى، فلو امرهم المرجع الديني بأمر معين فهذا الأمر لا ينفذ بشكل تلقائي و ذلك لأن الافراد ليسوا ملتزمين إلى هذا الحد، بل يدخل في حسابات الفرد مصالح و رغبات أخرى.
نعم لقد امتثل الكثيرون لنداء المرجعية في النجف في ما يتعلق بالحرب ضد داعش، لكن هناك كثيرون اخرون لم يهتموا، فهناك شيعة عراقيين كثر ليسوا ملتزمين اصلا، و هناك ثلة لا بأس بهم من الشيعة من لهم انتماء شوعي اشتراكي و طبعا هناك من الشيعة من كانوا مساندين للقومية و البعث.
على كل حال، الفرد العراقي هو في طبيعته تعددي/براغماتي، و على هذا الأساس لا يمكن تحديد إتجاه الشعب بشكل سهل.

و على ضوء النقاط الثلاثة المذكورة أعلاه، لا أجد في تحليلي لموقف الحكومة العراقية تجاه العقوبات على ايران ما هو غريب، فكيف يريد أحد من هذا العراق المبعثر ان يكون له موقف واضح مساند للجارة الإسلامية، فمن قال بأن العراق دولة إسلامية؟ و من قال بان العراق قادر على تحمل مجابهة أمريكا مرة أخرى؟

و طبعا لا أجد في ما حدث بعد ذلك من التذبذب و التراجع عن الموقف من شيء غريب، فالعراق لا يقوى على معادات الجيران و خصوصا اذا كان ذلك الجار يرقد بين أضلاع البلد بكل مليشياته و رجاله و الخطاب الديني/السياسي؟

طبعا سوف يعترض الكثيرون على هذا الكلام بحجة أن العراق زج في حرب طائفية في فترة ما بعد السقوط و يجب أن يكون من الواضح أن الدعم الايراني هو الذي انقذ العراق من براثم نار الحرب التي طالت الشعب كله، لكن هذا الكلام في الحقيقة ليس موزون بشكل كامل، لأن الدعم الإيراني ليس مجاني، بل إن له دوافع استراتيجية اكثر من مجرد دعم على حساب العقيدة أو حبا بالجار. و هذا الكلام ينطبق ايضا على كل جيراننا العرب و الغير العرب، فالكل يبحث عن مصلحته حتى و لو على حساب الغير.

إن هذا الكلام كله هو تحليلي الشخصي و لا افرضه على احد بل فقط وجهة نظر لكاتب متواضع، فما رأيك انت؟

لا تعليقات

اترك رد