تنامي التطرف الوهابي والاسلاموفوبيا والنازية الجديدة : الحلقة المفقودة في الحوار

 

يسألني صحفيون ومسؤولون بشكل متكرر وفي اكثر من مناسبة او برنامج تلفزيوني وكخبير في شؤون المتطرفين في استراليا عن اسباب التطرف والارهاب وكيفية علاج الموضوع. وبالرغم من ان اجابتي تكون موضوعية ومنطقية ومطابقة للواقع, الا ان الجميع يصرون على عدم الاخذ بها واهمالها حتى بت ارفض الظهور في الكثير من البرامج التلفزيونية او الندوات عن الموضوع لانه من الواضح انني “انفخ في قربة مثقوبة” لن تمتلئ ابدا

شاهدت على تلفزيون روسيا اليوم برنامجا استمر لساعة عن ظهور النازيين الجدد في مملكة السويد, والتي كانت مثالا يحتذى به في الانسانية واحترام حقوق الانسان والتعايش. وخلال ساعة واحدة وبعد حوارات مطولة مع جهات مختلفة في المجتمع من سياسيين وقادة نازيين جدد وعنصريين واناس عاديين, الا ان البرنامج لم يقترب حتى من تقديم الصورة الحقيقة لما يجري هناك واسبابه

فالنازيون الجدد يلومون المهاجرين المسلمين بالمسؤولية عن كل شيء سيء يحدث في مجتمعهم: اغتصاب جماعي, ارهاب, سرقة, تحرش جنسي, استغلال قوانين المعونات الاجتماعية, التهرب من الضرائب وغيرها من الجرائم والسلوكيات الشاذة

وبعد ساعة من الاستقصاء الصحفي والمقابلات المطولة, لم تسأل الصحفية السؤال الجوهري الذي وجههته انا لكل الصحفيين الاستراليين والمسؤولين عن حماية الامن في استراليا: لماذا التطرف حدث الان؟

وانا اجزم صادقا انه لو تحرى اي صحفي محترم للاجابة عن هذا السؤال, فان الكثير من مشاكل الارهاب والتطرف والنازية ومعاداة الاسلام ستحل تلقائيا بممحاولة معالجة ما ستتمخض عنه الاجابة

فالمسلمون بدأوا بالهجرة الى امريكا واروبا واستراليا منذ اكثر من مئة عام. على ان الاغلبية الكبيرة من المسلمين (والذين يسببون المشاكل الان في الغرب) قد هاجروا الى بلدانهم الجديدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وخلال عقود من الزمن, اندمجوا بشكل شبه كامل مع مجتمعاتهم وبشكل يمكن اعتباره نموذجا يجب ان يدرس في الجامعات ويعمم ليحتذى به. ولم يشتك احد منهم او من دينهم او انتمائهم العرقي

اذا ما السبب في ظهور التوحش الاسلامي المتشكل من الجماعات الوهابية التكفيرية التي اعلنت حربا بلا هوادة على الانسانية وعلى مجتمعاتها في هذا الوقت, ومنذ عام 2011 بالذات؟

ان الاجابة على هذا السؤال كفيل بنسف كل ما تريد الحكومات الغربية (خصوصا المشكلة من اليمين المتطرف) من تسويقه عن ضرورة وقف الهجرة واتخاذ اجراءات صارمة بحق المهاجرين الجدد وخصوصا المسلمين

فالارهاب الوهابي الحالي والذي يشكل الغطاء والمبرر وراء تنامي النازية الجديدة ومعاداة الاسلام واليمين المتطرف في الغرب, ياتي معظم جنوده من مسلمين مهاجرين الى الغرب ومنذ عقود وكانوا قد اندمجوا بشكل كامل في مجتمعهم ودرسوا في مدارسه وعملوا في معامله بل وتزوجوا من غير ملتهم في المجتمع. اذا لماذا تصاعد الارهاب والتطرف بين المسلمين في المجتمعات الغربية ومنذ عام 2011 فقط؟

عندما حذرت وبشكل علني ومن على منابر اعلامية مهمة في استراليا بان تراخي السلطات الاسترالية مع متطرفين وهابيين معروفين في البلد بحجة دعم ما يسمى بالثورة السورية, قامت الدنيا في وجهي ولم تقعد حتى يومنا هذا. وفي دعواتي العلنية المتكررة للسلطات للجم نشاطات الوهابيين المتطرفين في البلد, وبدلا من ان اكافئ من السلطات واعطى اوسمة في الشجاعة وبعد النظر, اصطفت السلطات بكاملها ضدي في مؤازرة

المتطرفين الارهابيين
وعندما طالبت بتحقيق شامل وشفاف عن كيفية وصول الارهابي الاسترالي المعروف مصطفي المجزوب الى سورية ومقتله هناك في منتصف عام 2012, اصطفت السلطات الاسترالية الى جانب الارهابي المقتول طالبة مني التوقف عن وصفه بالارهابي وعن التوقف عن “استفزاز مشاعر مؤيديه”, والذين شكلوا فيما بعد نواة جبهة النصرة الفرع الاسترالي وقاتل كثير منهم في سورية وقتل

وعندما طالبت السلطات بكشف حقيقة اطلاق الرصاص على مؤيدي الدولة السورية واحراق المركز العلوي في ملبورن واحراق محلات الحريري وناجي بسبب ان اصحابها “شيعة” يديرون محلاتهم في مناطق “سنية” ويرفضون دفع الجزية, قامت الشرطة المحلية بالاتصال معي وتهديدي بالاعتقال ان لم اكف عن “”نشر اشاعات قد تؤدي الى عنف مجتمعي”. وهذا هو بيت القصيد

ان تنامي التطرف والارهاب وما نتج عنه من تنامي معاداة الاسلام والفاشية واليمين المتطرف هو نتاج طبيعي لتواطئ السلطات الغربية مع الانظمة الخليجية الرجعية لبناء جيش وهابي من الارهابيين قادر على تنفيذ اجندات السلطات الغربية في منطقة الشرق الواسط من تغيير انظمة وتهديم بلدان ونشر التخلف وسرقة الموارد الطبيعية. والا فكيف يمكن تفسير وصول اكثر من 500 وهابي متطرف من استراليا للقتال في سورية والعراق وليبيا واليمن؟ ومعظم هؤلاء المتطرفون معروفون للسلطات وبعضهم خارج حديثا من السجن وممنوع من السفر وموضوع تحت المراقبة اللصيقة وباوامر من المحكمة كشرط من شروط الافراج المشروط؟

واذا اخذنا بعين الاعتبار ان معظم هؤلاء الارهابيين الاستراليين ولدوا في استراليا لاباء مهاجرين واندمجوا بالمجتمع بشكل تام. وقبل بدء تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد, كان معظمهم اشخاص عاديون مندمجون في المجتمع. فما الذي حرف عقولهم واقنعهم بالتطرف والارهاب وضرورة اقامة الدولة الاسلامية المزعومة؟

بل السؤال يتعالى وبين الكثير من الشرفاء في الغرب ولسنوات عن سبب سماح السلطات الاسترالية لاموال السعودية وباقي دول الخليج للتدفق الى استراليا (وحتى يومنا هذا) لنشر الفكر الوهابي المتطرف وانشاء جوامع ومراكز دينية متطرفة وتمويل برامج تدريب لمتطرفين وتمويل ارسالهم من استراليا الى سورية

ان اصطفاف السلطات الاسترالية مع الوهابيين هو الذي اجج التطرف بين الجاليات الاسلامية في استراليا لاكثر من سبب

فاصطفاف السلطات الرسمية في البلد مع ممثلي الوهابية المتطرفة ارسل رسالة الى مسلمي استراليا بان الاسلام المقبول في استراليا هو الاسلام الذي يمثله هؤلاء المتطرفون. كما ان الدعم الرسمي الاسترالي, ومنه دعم من اموال دافعي الضرائب, للجمعيات الوهابية المتطرفة في استراليا جعل الكثير من ابناء الجاليات الاسلامية تغريهم المنافع المادية للانضمام لهذه الجمعيات والانخراط بنشاطاتها المرخصة من الدولة والممولة منها ايضا

واذا اضفنا الى كل ذلك الدعم الاعلامي الذي تلقاه هؤلاء المتطرفون من التلفزيونات الرسمية والتجارية لما يقومون به في سورية وليبيا, فتكون البيئة خصبة لنمو هذه المجاميع وسيطرتها على الشارع الاسلامي في الغرب ومنه استراليا

وحتى بعد فشل المؤامرة في تغيير “النظام” في سورية وبدء انهيار مشروع الشرق الاوسط الجديد وعودة الارهابيين الغربيين كل الى بلده, فان السلطات تستخدمهم مرة اخرى ولهدف اخر هو بث التطرف المعادي للمسلمين والمهاجرين كمدخل للتغطية على مشاركة السلطات الغربية في نشر الارهاب الوهابي بل والاستفادة منه للحصول على مكاسب انتخابية من مؤيدي اليمين المتطرف والنازيين الجدد

وليس مقبولا بعد الان تحميل كل المسلمين جريرة ما قامت به السلطات الغربية (ومن ضمنها اجهزة الاستخبارات الغربية) في تطويع وتدريب وتمويل المتطرفين وزجهم في دول الشرق الوسط لتحقيق اجندات تغيير الانظمة ونهب ثروات تلك الدول المستهدفه باستخدام الارهاب الوهابي المتمثل بالتنظيمات الارهابية متعددة التسميات

كما لا يمكن العمل على اعادة اللحمة الاجتماعية للمجتمعات الغربية والقضاء على التطرف (من الجانبين: الوهابي الاسلامي والنازي المعادي للهجرة والمسلمين) دون الاجابه على السؤال المهم: لماذا التطرف الان وما هو دور السلطات الغربية في تغذيته. وبعد الاجابة على هذه الاسئلة الملحة, يمكن العمل على القضاء على التطرف والارهاب من خلال اعادة توجيه البوصلة لمحاربة التطرف واعادة المارد الارهابي الى القمقم مرة ثانية

وكل الدلائل ما تزال تؤشر الى ان السلطات الغربية ليست جادة في محاربة الارهاب والتطرف والقضاء عليه, بل هي تحاول تجييره الى مكاسب انتخابية انية رغم مخاطر ذلك على المجتمع

ان اصرار السلطات الغربية في الامعان في دعم التطرف من كلا الجانبين هو قنبلة موقوته ستنفجر في اي لحظه على شكل عنف وعنف مضاد. وما كشف عنه التقرير الاستخباراتي البريطاني الاخير من ان اجهزة مكافحة الارهاب هناك احبطت وخلال الاشهر الماضية 14 عملية ارهابية خطط لها وهابيون متطرفون و4 عمليات ارهابية خطط لها النازيون الجدد لهو دليل على ان سياسة دعم التطرف سيكون لها نتائج وخيمة على المجتمعات الغربية. واذا اضفنا الى كل ذلك ان الاف الارهابيين قد عادوا او بدأوا العودة الى بلدانهم الغربية بعد انهيار مشروع اقامة الدولة المسخ في سورية والعراق, يمكن تصور المستقبل المخيف لهذه السياسة الخطيرة

في استراليا فان السلطات ماضية قدما في سياسة دعم المتطرفين الوهابيين, مما يؤدي تلقائيا لتنامي المتطرفين المعادين للمسلمين والهجرة من نازيين جدد ويمين متطرف. ولا نستطيع ان نصدق كل احاديث السلطات الاسترالية عن برامج مكافحة التطرف, الا عندما تبدأ هذه السلطات باخذ الخطوات العملية لاقناعنا بذلك. وحتى يومنا هذا فان ذلك لم يحدث بدليل ان التنظيمات الوهابية المتطرفة قد حصلت على نصيب الاسد من الدعم الحكومي للمنظمات الاهلية وبملايين الدولارات خلال الاشهر القليلة الماضية. بينما المنظمات الاهلية التي وقفت وبشكل واضح ضد التطرف خلال السنوات الماضية لم تستطع الحصول ولا حتى على دولار واحد من هذا الدعم الحكومي

ونحن كمسلمين في الدول الغربية نتحمل جزءا من مسؤولية ما يحدث بعدم وقوفنا صفا واحدا ضد السياسات الحكومية وضد التطرف بين الجماعات الوهابية النافذة في مجتمعاتنا. وكما قال سبحانه وتعالى “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم”, ندرك اهمية اعلاء الصوت بان الوهابيين لا يمثلوننا.كما ان لنا كمسلمين كل الحق بمسائلة سلطاتنا الرسمية عن سبب تمويلها لهذه المجموعات المتطرفة, وعدم تمويل المنظمات الاسلامية المعتدلة او العلمانية

بالرغم من انني متفائل بانتهاء الازمة والارهاب في سورية وباقي الدول العربية,الا انني متشائم من انعكاسات الوضع على استراليا (والدول الغربية). فالسلطات الاسترالية ما تزال مصرة على مشروع دعم التطرف الوهابي, وبالتالي دعم التطرف المعادي للمهاجرين وخصوصا المسلمين منهم كاجندة انتخابية. ولا توجد اي بوادر حاليا على ان الاحزاب السياسية الاسترالية (اليمينية او الوسط او اليسار) في طور اعادة النظر في سياسات دعم المتطرفين, كل حسب رؤيته القائمة على مبدأ الربح والخسارة الانتخابية. ولكن من غير المقبول ان تستمر سياسة تحميل المهاجرين بشكل عام والمسلمين منهم بشكل خاص تبعات هذه السياسة الخطيرة

لا تعليقات

اترك رد