لماذا لا نتعلم الدروس

 

حين درسنا التاريخ الحديث والمعاصر كانت لنا فرصة في الاطلاع على دواعي وأسباب النهضات في بلدان العالم المتحضر والتي أصبحت كالعدوى تنتقل من بلد إلى آخر وحتى في البلاد العربية التي انتقلت إليها لقربها المكاني كانت سبب في تغير واقعها المتخلف المر إلى حال أفضل لا نستطيع أن نسميه استقلال وإنما إدارة البلدان العربية بأيادي أبنائها تحت إشراف (كاعتراف بالحقيقة) الدول الراعية ومعلوم إن أوربا الغربية (دول الحلفاء) المنتصرة في الحربين الكونيتين كانت تديرنا من خلال حكامنا وكانت تبعيتنا مقسمة بين بريطانيا العظمى وفرنسا وايطاليا ثم أمريكا وهكذا فبينما دول المنطقة الأخرى مثل تركيا وإيران كانت سيطرة الأجنبي عليها اخف وطأة واقرب للاستقلال كمثال على خلاف ما كانت عليه البلدان العربية التي تأخرت كثيرا ليتم الاعتراف بها كدول وكانت هناك أسباب تحققت فيها لتنال ما قد نقول عليه استقلال ظاهري أو شكلي من بين أهمها ما حصل عليه أبنائها من ثقافة اكتسبوها نتيجة لدراستهم وهجرتهم على ما حصل من تطور في أوربا نقلوها إلى أوطانهم وحاولوا تطبيقها وأسسوا لنظريات وشكلوا أحزاب وطنية وقومية وإسلامية بالإضافة إلى ما يمتلكون من عقول نيرة ونزعات كانت في دواخلهم خلصت إلى النتيجة المعروفة بالشكل المرسوم على خارطة الوطن العربي وحصلت على اعتراف المجتمع الدولي بسيادتها على أراضيها .

ذلك الكلام نحاول من خلاله توضيح انتقال التطور الحضاري الغربي إلى بلادنا ولكن مع تقادم السنين ونحن نلهث لم نستطع الوصول إلى جزء يسير من تطورهم إلا في قشور مظاهرهم رغم إننا نمتلك ربما أكثر مما يمتلكون من الأموال ولدينا الكثير من أبناءنا المبدعين في شتى المجالات وقسم منهم نبغ وساهم إلى حد كبير جدا في تطور الحضارة الغربية الأمر الذي يحز في نفس المرء ويدفعه للتساؤل لماذا تتسع الهوة بيننا وبينهم ولماذا لا نستطيع اللحاق بهم وهل العلة فينا أم هناك أسباب خارجة عن إرادتنا تركتنا نعوم في بحر من التخلف والظلام والجهل المتقع .

مع بداية الألفية الثالثة شهدت منطقتنا أكثر من غيرها من بقاع العالم حركات اجتماعية أو سمها إذا شئت ثورات لو أحسن قادتها استثمارها لكنا جميعا قد انتقلنا من حال إلى حال مختلف جدا بدأت بالغزو الأمريكي للعراق وإسقاط نظام حكمه وتوالت في اغلب البلدان التي تديرها أنظمة حكم جمهورية تحول القسم منها لسوء التدبير ولتدخل القوى الخارجية إلى مطاحن من الحروب البينية كما هو الحال القائم أمامنا في سوريا واليمن وليبيا ولا احد أكثر خسارة من مواطني هذه البلدان فخسارتهم في البشر فاقت كل الحدود المقبولة إضافة إلى ما لحق بهم من تقهقر ورجوع إلى بدايات عصور النهضة العالمية وليكن حديثنا مقتصرا على الحالة العراقية حيث إن الأمريكان لم يأتونا ملقا لنا ولا لينقذونا من نظام دكتاتوري كان يحكمنا ويتربع على صدورنا ولا لتنقذ أمريكا العالم من شرورنا ومن الأسلحة النووية والدمار الشامل التي لم يجدونها وكانوا يدعون إننا كنا نمتلكها وإنما غزت بلادنا لغايات أعمق من ذلك بكثير ولا نتحدث عن الأمن القومي الإسرائيلي فذلك موضوع آخر ولكنها غزتنا لتستفيد هي مما يتوفر لها على أرضنا من إمكانيات دعم لأطماعها في المنطقة لتجعل من العراق نقطة انطلاق ومثابة لتفرض هيمنتها على كل شعوب المنطقة على أساس النظام العالمي الجديد الذي تسعى لتفرضه وقد حققت ذلك بدءا من سفارتها في بغداد التي تعتبر الأكبر في العالم في كل شيء إلى تدخلها في ما يجري في كل دول المنطقة والتلويح باستخدام أساليبها القذرة مع شعوبها كما يحصل مع إيران وتركيا اليوم ومنذ زمن في سوريا.

وإذا كانت أمريكا قد فرضت علينا هيمنتها بقوة السلاح وأسست لنظام حكم جديد على هواها يتماشى مع تخطيطها لكنها أتاحت لنا إمكانية بناء بلدنا ففشلنا ولم نتمكن من استثمار وجودها وتهورنا في سلوكنا بل كنا ننساق بغباء وراء ما يزجنا غيرنا فيه فأثاروا فينا النعرات الطائفية وتقاتلنا بحجج شتى كنصرة للمذهب وانتقاما لمظلومية أسلافنا وتشجعنا على التحاقد القومي وأسسنا لفوارق وتفريق بين القوميات المتعايشة بسلام منذ ألاف السنين ونمت جهات على حساب أخرى وكلما نهضنا من كبوة وقبل أن نتعافى من آثارها نجد أنفسنا وقعنا في اشد منها وتمر السنون ونحن نهدر ما نملك ونوغل في التخلف أكثر فأكثر وتتسع هوة الحضارة بيننا وبينهم تحت حجج وأعذار ستلعن الأجيال القادمة من خلالها غبائنا .

إن قادة البلد الذين جاءوا مع أمريكا لحكمنا كانوا في الغرب وتعلموا عادات مجتمعاته واكتسبوا ثقافة المواطنة في أوربا وأمريكا مع الجنسية التي تجنسوا بها لكنهم لم ينقلوها إلينا ولم يطبقوا فينا ما يحملون من نظريات القسم منها مقتبس من الشرائع السماوية كما فعل جيل بداية النهضة العربية والإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية فعاثوا في بلادنا فسادا وتدميرا وانشغلوا بتنمية أملاكهم الخاصة واستثماراتهم خارج العراق التي جمعوها من السحت الحرام وتركوا الشعب يتخبط في وحل الجوع والتخلف بل على العكس راحوا يروجون لأفكار لا يستوعبون مضمونها فنادوا بالديمقراطية وطبقوا العنف والتسلط ومصادرة الحريات وسدوا آذانهم عن صوت الشعب الهادر الذي يتظاهر بين الحين والآخر وقد حدد مطالبه بوضوح وساعد الحكومة في رسم طريق مستقبل البلاد ونادوا بحقوق الإنسان وسحقوها وامتلأت المعتقلات بأبناء البلد ونادوا بالتحرر واستعبدوا الإنسان ونادوا بالبناء والعمران وهدموا ما كان قائما ونادوا بالتسامح ونشروا القتل وتنامت روح الثار وأعراف العشيرة ونادوا بتطبيق القانون وهم أول من اخترقه ونادوا بالنزاهة وانتشر الفساد ونادوا بالتقدم فتخلفنا وغير ذلك الكثير فبماذا انتفع الشعب من هذا التغيير.

من المؤكد إن أمريكا كما أسلفنا لها مصالحها التي تسعى إلى تحقيقها ولن تتنازل عنها لكنها لم تمتنع عن تقديم المشورة ولا المساعدة ولم تمتنع عن بيعنا الخبرات ولا التقنيات فحن لم نشأ أن نستفاد من إمكانياتها كما استفاد منها غيرنا من دول الإقليم لا والأدهى والأمر إننا أصبحنا بلاد طاردة للخبرات العلمية فتهجرت الخبرات والشهادات والكفاءات بل حتى الأيدي العاملة هجرت الوطن وراحت تتسكع في بلدان أوربا طلبا للعيش الكريم وحتى سمعنا إن قسم من العراقيين استقروا في السودان مع احترامنا وتقديرنا لهذا البلد الكريم إلا إن بلادنا والحق يقال نجحت في شيء واحد هو تفريخ الأحزاب السياسية التي لا تكف عن تسقيط بعضا لاغتنام اكبر عدد ممكن من كراسي الحكم بمختلف المستويات ولهذا أسبابه التي تظهر على شكل حمايات ومظاهر النعمة على المسئول ولك أن تفسر بما تشاء هذه الحالة وتقارن بين أحزاب الأمس وأحزاب اليوم.

لا تعليقات

اترك رد