هل الحرب الايرانية – الامريكية امر ممكن ؟! ج ٣

 

من اجل التركيز على السياق العام للموضوع وعدم الاستغراق في التفاصيل سأعرض ماتبقى من المقالة بشكل موجز قدر الإمكان .

ذهب الاعتقاد او الفهم الخاطئ غير المقصود ( اتقاسم فيه المسؤولية مع المعنيين ) بانني أشير الى وجود تحالف بالمعنى المؤسسي الشائع للكلمة بين الولايات المتحدة وايران ، وان مايجري بينهما اليوم كله نوع من السيناريو المتفق عليه ،، لكنني لم اقصد ذلك على الإطلاق ، وأكون قد اخطأت بالتعبير ان ذهب الظن بالبعض الى مثل هذا الفهم .. لقد قلت بشكل واضح ، وبواسطة ما اعرفه من اللغة العربية ووفقاً لما اعرفه من موضوع البحث ، ان العلاقات بين الدول قد تشهد تناقضاً وتبايناً في السياسات ، ولكن ذلك لايمنع من تلاقً محتمل في الستراتيجيات . هذه الصيغة من التباين والتوافق لاتحتاج الى تفاهم مؤسسي مؤطر او تواطؤ ، لكن سياق الاحداث وتفاعل السياسات والاستراتيجيات ومراقبة الخط العميق لمجراها العام ونتائج كل ذلك تؤمن للاطراف المعنية فرصاً للتنسيق الضمني او الصريح حسب مقتضيات الحال ، وقد يرسم للمراقب المدقق صورة واضحة الى حد كبير لحقائق الاحداث الى ماهو أعمق من سطحها رغم تداخل المشهد وارتباكه .

لقد اشتبك الحلفاء على اختلاف مشاربهم ومصالحهم في حرب مصيرية مع دول المحور ، وعندما كسبوا الحرب العالمية الثانية انقسموا الى معسكرين متناحرين ، وشهد كل معسكر انقساماته الفرعية الداخلية . اسرائيل وايران والمملكة العربية السعودية تتقاسم عدداً من الاهداف الستراتيجية المتطابقة في مضامينها ولكنها ، لاسباب متنوعة تخص كلاً منها ، تلجأ الى سلوك سياسات تنفيذية قد تصل في تباينها مرحلة الصدام بسبب تباين الرؤى حول تحديد مناطق النفوذ ، في اغلب الأحوال ، او اختيار ساحات جديدة لتجربة أنماط متعارضة من توزيع النفوذ كما يحصل بين ايران واسرائيل في جمهوريات اسيا الوسطى المنسلخة عن الاتحاد السوڤيتي السابق .

هذه الدول الثلاث في المنطقة ، اسرائيل وايران والسعودية ، تشترك في هدف أسمى يتوج ستراتيجياتها العليا وهو منع ظهور آية قوة قومية عربية ذات مشروع حداثي نهضوي في الاقليم ، وتحديداً في منطقة المشرق العربي .. هذه ستراتيجية دائمة وقائمة منذ ظهورها على خارطة الاقليم . من اجل تأمين ذلك عملت ايران الجمهورية الاسلامية على التصدي لقوة العراق الصاعدة الى تزامنت مع تأسيسها ، واعتبرت تغيير النظام العراقي ولاسباب تاريخية ومذهبية هدفها الاسمى باعتباره العائق الاساس امام برنامج عملها الهادف الى تشظية المنطقة مذهبياً وحتى إثنياً للنفاذ الى داخلها وتأسيس نقاط ارتكاز ومواقع نفوذ بأشكال متعددة تتراوح من النفوذ المذهبي الناعم الى تأسيس مليشيات مسلحة . قبل قيام الجمهورية مارست مخابرات الشاه سياسات كهذه بأساليب مختلفة ، ولذلك يخطئ من يظن ان مانراه اليوم من نشاط إيراني في عموم الاقليم امر يرتبط بعمر الجمهورية بل سبق ذلك بكثير مع فارق في بعض المضامين والتفاصيل . لقد كانت هذه الستراتيجية هي جزء من الستراتيجية العليا التي تبنتها مختلف العهود في ايران الحديثة تجاه المنطقة ككل وخاضت من اجل تنفيذها حروباً كلفتها ، ومازالت ، الكثير وقدمت نفسها باعتبارها راعية وحامية الشيعة في المنطقة وتارة اخرى باعتبارها الوريث الشرعي للهيمنة او النفوذ فيها وريثاً للاستعمار القديم باعتبارها الحضارة والامة الأقدم في المنطقة والوحيدة القادرة على ملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوى الكولونيالية القديمة . الفارق بين الشاه والحكام الجمهوريين الحاليين يكمن في ترتيب الاولويات .

بالنسبة لاسرائيل لايختلف الامر كثيراً ، وفي اطار ستراتيجيتها العليا في الاقليم والمسماة Periphery او سياسة توثيق العلاقات والتحالفات مع دول الطوق المحيطة بالنطاق العربي المباشر وتضم ايران وتركيا وإثيوبيا ، والأقليات داخل المحيط العربي المباشر .. في اطار هذه الستراتيجية قامت اسرائيل باستثمار اي فرص تتيحها تطورات العلاقات بين دول الاقليم كما نشطت في تقديم الدعم الدبلوماسي وحتى العسكري لحركات التمرد في تلك الدول ؛ وفي المحصلة تبنت سياسات تنفيذية تقوم على إشاعة عدم الاستقرار في دول الاقليم واستثمار خالة العداء بينها وفق مبدأ ” عدو عدوي صديقي ” . قد يظن البعض ان ذلك نوع من حديث المؤامرة ولكن هنالك دراسات ووثائق تثبت ذلك ، بل ان الشعار الذي ذكرته للتو عنوان لفصل في واحد من اهم الكتب الاسرائيلية الذي تخصص في دراسة الستراتيجية الاسرائيلية .

اما السعودية فتسعى لهدف محدد وهو التفرد بزعامة العالم العربي والإسلامي السني ، ومن هذه الزاوية يمكن فهم كل سياساتها ومصلحتها في تدمير اي مشروع نهضوي . تتآمر على مهاتير محمد في ماليزيا وتعادي نظام اردوغان في تركيا وتدرج حركة الاخوان المسلمين في قوائم الاٍرهاب بعد ان كانت ملاذها الأهم وأداتها للتدخل في السياسات الداخلية لأكثر من دولة ، بل وصل الامر بها حد التواطؤ مع ايران الشيعية التي تنازعها على تمثيل ” روح الاسلام ” ، كما يقول الپروفيسور الاسرائيلي إسحاق نقاش ، خلال عقد التسعينات للإجهاز على ماتبقى من قوة العراق ، وقبله تعاملت بذات الطريقة مع النظام الملكي في العراق . لقد قفزت فوق إحساسها بخطر المشروع الناصري لان مشاريع العراق الوحدوية الهاشمية والهلال الخصيب كانت الاكثر تهديداً ، وعندما سقط العراق الملكي استدارت لتصفية الحساب مع الموجة الناصرية ، واستخدمت الاخوان المسلمين اداة في ذلك واليوم تطاردهم على امتداد مساحة الكرة الارضيّة لانهم يقدمون البديل الاسلامي الاكثر ” عصرية ” بعد مالمسته من قوة تنظيمات الاسلام السياسي خلال تجربة الربيع العربي .

لعلي اطلت في الايضاح ولكنه في تقديري امر في غاية الأهمية لمنع اي التباس او سوء فهم لمقاصدي من هذه المقالة ، واعود الى سياقها العام .

كانت احداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ وما تلاها من قرار امريكي بإعلان حرب عالمية شاملة على الاٍرهاب فاتحة عهد جديد من التعاون بين الولايات المتحدة وايران ، رغم الإقرار الامريكي بان ايران داعم رئيسي للارهاب ؛ لقد فهم الايرانيون المعنى العميق لتعبير ” الحرب على الاٍرهاب ” وهو مفهوم يشمل طيفاً واسعاً من اعدائهم المذهبيين في الاقليم المحيط بهم . كان ذلك مناسبة لبدء صفحة اكثر تقدماً عما سبقها من التعاون الامريكي الايراني .. بدات الحرب في أفغانستان وكان لايران دور رئيسي على المستويين العملياتي والاستخباري في الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لاسقاط طالبان .

لقد أُسقط نظام حكم طالبان ، و يؤكد زلماي خليلزادة في كتابه ( المبعوث ) انه ” بالرغم من سجل ايران الطويل في دعم الاٍرهاب الا ان الأجواء بين واشنطن وطهران قد تحسنت بالفعل منذ الحادي عشر من سبتمبر ” ( ص ١١٩ ) ، وقد بلغ مستوى التعاون حد قيام ايران بمنح الولايات المتحدة حق استخدام قواعدها الجوية ، وعرض الايرانيون مساعدتهم في مجال البحث والإنقاذ عن الطيارين الامريكان الذين يتم اسقاط طائراتهم في العمليات ضد أفغانستان ، كما قدموا خدماتهم ليكونوا همزة الوصل بين الولايات المتحدة وتخالف اقليات الشمال المناوئ لحكم طالبان الذي يحظى بدعمهم ولديهم معه تمثيل دبلوماسي بينما كانت الولايات المتحدة قليلة المعرفة بهذا التحالف . كانت أفغانستان وفقاً لتريتا پارسي ، دينامو اللوبي الايراني في الولايات المتحدة ، مناسبة لبدء مستوى جديد من العلاقات يتجاوز قضية أفغانستان ، وان ” الحلقة الصغيرة المحيطة بكولن پاول – وزير الخارجية الامريكي – قد أعدت صفقة شاملة سرية من ‘ العصي والجزرات ‘ لعرضها على الايرانيين ” ( ص ٢٢٨ من كتابه تحالف الشر ) ، اي ان قضية رفع مستوى وطبيعة العلاقات مع ايران لم تبدأ في عهد الرئيس اوباما بل في عهد الرئيس بوش الابن وطاقمه من المحافظين الجدد ، وهو امر سنرى اثاره في قضية احتلال العراق .

بدات الاتصالات السرية فعلياً بين الجانبين الامريكي والايراني بشأن أفغانستان في شهر أكتوبر عام ٢٠٠١ من خلال دبلوماسيي الطرفين في جنيڤ وپاريس لترتيب خطط مشتركة لاسقاط نظام طالبان وترتيب اوضاع البلاد في مرحلة مابعد طالبان ، وكان ذلك فاتحة عهد من تعاون أوسع بين اجهزة المخابرات في البلدين ، كما مهد السبيل لتعاون وثيق للعمل بشكل منسق خلال مؤتمر بون – المانيا – لأطراف المشكلة الافغانية الذي عقد في ديسمبر عام ٢٠٠١ برعاية دولية ، وكانت كل من ايران والولايات المتحدة ابرز الرعاة المؤثرين في المؤتمر وأطرافه والذي أسفر عن انتاج نظام الرئيس كرزاي ، هذا النظام الذي منحت فيه الأقليات من الطاجيك والازبگ والهزارة الشيعة مفاتيح السلطة والقرار واستبعدت القوى الحقيقية الفاعلة على الارض وبعض الزعامات التاريخية التي عارضت حكم طالبان وكان لها الدور الاكبر في مقاومة الغزو السوڤيتي لانها لاتتفق مع مبدأ تحكيم الأقليات في منطقة الشرق الاوسط ، وهو مبدأ ستراتيجي تتشارك في العمل عليه الولايات المتحدة وايران واسرائيل .

لقد اكد الدبلوماسيون الامريكان انه لولا الدور الذي لعبه محمد جواد ظريف نائب وزير الخارجية الايراني انذاك لما أمكن إيصال المؤتمر الى النتائج التي ارادتها الولايات المتحدة الامريكية ، مما رسخ الاعتقاد لدى الطرف الامريكي بان لايران دوراً لايمكن الاستغناء عنه لفرض الاستقرار في المنطقة وفق مفهوم الامريكان للعبارة .

كان التوجه نحو مزيد من التقارب الامريكي مع ايران يواجه عقبات اخرى منها قضية دعم الاٍرهاب وتحديداً حزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية ، وظهور قضية الملف النووي بشكل اكثر حدة .. هذه الملفات لم تمنع المضي قدماً في استمرار الاتصالات بين الطرفين عبر قناة جنيڤ حيث سيتكرر ظهور اسم السيد محمد جواد ظريف ، ومن خلال السفيرالسويسري في طهران والذي سيحاول ان يلعب دوراً استثنائياً في تطوير العلاقات بين الطرفين لولا انه اساء قراءة الموقف ، ولم يأخذ بالحسبان ان الستراتيجيات قد تتوافق ولكن السياسات التنفيذية قد تتعارض في لحظة تاريخية معينة ؛ لم يعبأ الامريكيون بمشروع مصالحة شاملة بين الطرفين عرضه الايرانيون قبيل احتلال العراق حمله ذلك السفير الى واشنطن تضمن انصياعاً كاملاً للطلبات الامريكية ، بما في ذلك التخلي عن حزب الله وحماس ، مقابل تطبيع كامل للعلاقات . شهادة السفير السويسري بهذا الصدد موثقة وإفادات مسؤولين امريكان بشأنه موثقة ايضاً ، لكن تفسير أسباب الموقف الامريكي بشأنه تباينت .

جاءت بعد ذلك قضية خطاب بوش الشهير الخاص بمحور الشر ، الذي يضم وفقاً للرئيس بوش كوريا الشمالية وايران والعراق ، وذلك في خضم خطبه وتصريحاته الخاصة بتهيئة الأجواء للحرب على العراق ؛ كان للخطاب وقع الصاعقة على إسماع الايرانيين الذين استغربوا من قصر ذاكرة الامريكان وهم للتو كانوا قد قدموا ماقدموا في الملف الافغاني ، لكن الخطاب المعلن امر وماكان يجري خلف الكواليس امر اخر ؛ نعود ثانية الى مذكرات زلماي خليلزاد لكي تتضح الصورة ونرى عن كثب كيف تتناقض السياسات ، وكيف تتوافق ستراتيجيات ذات الاطراف !! .

كانت ايران الدولة الوحيدة التي يتم ابلاغها بالقرار الامريكي للحرب على العراق خارج دائرة التحالف الثلاثي الرسمي الذي توافق على قضية الحرب والذي ضم الولايات المتحدة وبريطانيا واسپانيا ، اضافة الى اسرائيل التي كانت تمثل الدينامو المحرك باتجاه الحرب من خلال العمل على أصعدة مختلفة ، عبر القنوات الرسمية المعلنة والإعلام وتعبئة الرأي العام الامريكي ، وعبر القنوات السرية ومن خلف الكواليس والتي شملت حتى ايران من خلال جهاز مخابراتها ورجلها البارز منوچهر قربانفر احد ابطال ” ايران غيت واحد ” ورجل ” ايران غيت اثنين ” الخاصة باحتلال العراق وادارة مرحلة مابعد الاحتلال .

يذكر خليلزاد انه كان يجري لقاءات عديدة مع دبلوماسيين ايرانيين بشأن البحث في موضوع احتلال العراق ، لكن اتصالاته الأهم كانت مع محمد جواد ظريف ممثل ايران الدائم في الامم المتحدة حيث قدم زاد توضيحات اشار فيه الى ان خطاب محور الشر وذكر ايران فيه لايعني ان ايران هدفاً من اهداف الحرب التي يعتزم بوش شنها على العراق ، وانه يطلب من الجانب الايراني الموافقة على استخدام الطيران الحربي الامريكي للأجواء الايرانية اثناء العمليات العسكرية ، وهو ما ابلغه ظريف بعدها حصول موافقة طهران عليه . كما قدم ظريف بعض الافكار فيما يتعلق بإدارة مرحلة مابعد الاحتلال بناءاً على طلب زاد وكان في مقدمتها ضرورة تفكيك كامل المؤسسات الامنية في العراق ” حتى الارض ” واستئصال حزب البعث . وهنا اعود ثانية لتكرار مقولة لقاء الستراتيجيات واختلاف السياسات . كان الطرفان متفقين ، ومعهما اسرائيل والسعودية ، على انهاء قدرات العراق كدولة فاعلة في موازبن القوى في المنطقة ، لكن الجانب الايراني كان يرغب في الا تطول فترة الاحتلال بعد ارساء نظام سياسي دستوري !! ( قضية الدستور سيتبناها المرجع السيستاني بقوة وحزم ) فيما كانت الولايات المتحدة تعتبر وجودها في العرق مقدمة لاعادة ترتيب شامل للنظام الاقليمي . في نقطة ما سيصل الطرفان الى مرحلة الصدام يعقبه تفاهم ، وستجد الولايات المتحدة نفسها وسط حرب أهلية تم تأجيجها من اطراف عديدة في مقدمتهم ايران ، وكانت تلك بداية مرحلة ملتبسة من العلاقة إزدادت تعقيداً مع تقدم البرنامج النووي الايراني . لقد كانت لوحة سريالية لم تستطع الولايات المتحدة التعامل معها الا بالانسحاب وهي تعاني أزمة مالية خانقة جراء سوء تقدير الادارة السياسية العليا التي قادتها تقديرات خاطئة تم توريطها فيها من قبل خلايا صهيونية تم زرعها في البنتاغون في عهد بوش الابن ومجموعة المحافظين الجدد ، ومن قبل معارضة مرتبطة بايران ( احمد الچلبي وعبدالعزيز الحكيم ) تواطأت مع المخابرات الاسرائيلية من خلال مدير المخابرات الإيطالية ووزير دفاعها السابق حينها وعناصر مزدوجة الجنسية ( امريكية – إسرائيلية ) في البنتاغون ؛ وهذا موضوع فصلت فيه كثيراً في عدد من مقالاتي السابقة ، ثم حدثت القصة التي نعرفها من إطلاق يد قوى العبث المرتبطة بايران لتقوم بتدمير طاقات وقدرات العراق بشكل ممنهج . هل مانراه اليوم في العراق هي صورته عام ٢٠٠٣ او عام ١٩٩٠ او عام ١٩٧٩ .. لماذا اذن تسلمه الولايات المتحدة الى ايران فيما تطارد وطنييه وعلمائه ومتعلميه وضباطه بقوة السلاح وتبعدهم عن طريق القوى المرتبطة بايران ؟! اليس هذا تساؤلاً مشروعاً ، وهو تساؤل يوحي بشبهة واضحة وهي ان الولايات المتحدة تجد في خيار ايران تتمدد في أنحاء الشرق الوسط في أفغانستان وفي المشرق العربي اقل خطراً على مصالحها ومصالح وأمن حليفتها اسرائيل من وجود دول عربية وطنية فاعلة في هذا الاقليم .

لن أخوض في موضوع الاتفاق النووي لأنني كتبت فيه الكثير خلال العامين الماضيين وحتى في هذا العام عندما أعلن ترامپ انسحابه من الاتفاق النووي .. لكنني سأناقش نظام العقوبات الامريكية على ايران والذي يسميه البعض خطأ ” الحصار ” وهو امر مختلف بشكل كامل ولايمثل من قريب او بعيد الحصار الذي فرض على العراق للفترة ١٩٩٠- ٢٠٠٣ وهونظام عقوبات ومقاطعة دولية شاملة لم يسبق ان رَآه العالم من قبل ولم يشهد له مثيلاً من بعد .

لقد ناقشت بعض دوائر التفكير الامريكية العقوبات ونظام المقاطعة الامريكية المنفردة لايران ووجدوا فيه الكثير من الثغرات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية ، وانه نظام من اجل الضغط لثني ايران عن بعض سياساتها وليس من اجل اسقاط نظامها او المساس بأمنها كدولة بل وليس المساس ببعض جوانب نفوذها في المنطقة ومنها بعض جوانب النفوذ الصلب !!

يعتقد البعض خطأً ان التغيير في سياسات ادارةٍ ترامپ تجاه ايران يمثل نوعاً من الانعطافة الحادة في السياسة الخارجية الامريكية .. هذا خطأ فادح وقد كانت ادارةٍ اوباما تتبنى ذات الموقف من ايران باستثناء بعض التفاصيل . وفقاً لما يذكره بن رودس ، احد مساعدي اوباما المقربين ، في كتابه ( العالم كما هو ) فأن ادارة اوباما كانت تتحفظ على ذات الموضوعات التي شرعت ادارة ترامپ بإثارتها . لقد كان اوباما يتحفظ على نشاطات ايران في اقليم الشرق الاوسط وفي نشاطاتها الصاروخية لكنه كان يعتقد ان البديل الوحيد للاتفاق النووي هو حرب مع ايران وان الولايات المتحدة ليست مستعدة للخوض فيها ، وان ماحققه اوباما من استقرار وتعافٍ في الاقتصاد الامريكي بعد الأزمة المالية الكبرى لعام ٢٠٠٨ هو تراثه الرئيسي ، ولذلك أعطى الاولوية لعقد الاتفاق النووي مع الاستحقاقات المترتبة عنه ، لكنه أبقى باب العقوبات مفتوحاً ومنها العقوبات الخاصة بالنشاطات الإرهابية ، تاركاً للإدارات اللاحقة امكانية معالجتها ، وانه ضمن ان ايران لن تستأنف نشاطات نووية تثير القلق لمدة عشرة الى خمس عشرة سنة ؛ والحقيقة ان ادارة اوباما قد عطلت امكانية تحول البرنامج النووي الايراني الى برنامج عسكري بشكل نهائي ، وجعلت آية محاولات لاستعادته امر غير ممكن الا من خلال خرق فاضح لاتفاقية حظر الانتشار النووي والپروتوكول الاضافي ، فضلاً عن الفسحة الزمنية التي يستلزمها مثل هذا النشاط بما يتيح الامكانية الحتمية لكشفه في وقت مناسب .

لقد كان اوباما يعتقد ان ايران تمثل خطراً على بعض حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي من زاوية الاختلالات في انظمتها السياسية والاجتماعية الداخلية ، ووجه النصح لدول الخليج العربي لمعالجتها ، وتعهد في اكثر من مناسبة بالتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن آمن وسلامة هذه الدول ان تعرضت لعدوان إيراني وكان موقف ادارته من الانقلاب الحوثي في اليمن واضحاً ، وقد سمح بصفقات سلاح تزيد عن مائة مليار دولار للملكة العربية السعودية فضلاً عن المساعدة العسكرية التي كان يقدمها المستشارون العسكريون الامريكان في مقر ادارة عمليات التحالف العربي وعمليات تزويد طائراته المقاتلة بالوقود في الجو خلال قيامها بعملياتها الجوية . وكانت ادارة اوباما تعتقد انه لاحل عسكرياً في المشكلة اليمنية ولايمكن استبعاد جماعة الحوثي عن التسوية السياسية لها . لم يختلف موقف ادارة ترامپ عن هذا الموقف الا في بعض التفاصيل الثانوية .

هنالك توافق بين المراقبين على ان ادارةٍ ترامپ وقدر تعلق الامر بايران تسعى لتحقيق ثلاثة اهداف :
١- إلغاء الفترات الزمنية المنصوص عليها في في الاتفاق النووي والخاصة ببعض الأنشطة النووية وتحويل التزامات ايران بهذه القيود الى صيغ عمل دائمية . في هذا الصدد لا اعتقد ان تحقيق هذا الهدف بالأمر الصعب اذا ما اخذنا بالاعتبار ان الحصيلة العامة للبرنامج النووي الايراني وفقاً للاتفاق بوضعه الحالي لن يختلف كثيراً . ان رفع مستوى التخصيب الى مستوى ٢٠٪‏ بعد نفاذ مدد القيود الحالية لايعني الكثير في الوقت الذي لاتجد ايران مجالاً للتلاعب بكميات الوقود المنتجة في ظل الرقابة المشددة التي يفرضها اتفاق حظر الانتشار النووي والپروتوكول الاضافي ، فضلاً عن قبول ايران بالتوجيه الذي نص عليه الاتفاق النووي للتحول الى تقنيات نووية تستخدم الماء الخفيف ، وهذا يعني انها لن تكون قادرة على الاستفادة من اليورانيوم المخصب لغرض انتاج الپلوتونيوم عالي التخصيب . هنالك تفاصيل فنية كثيرة أوردتها في مقالاتي السابقة عن الموضوع وفي اعتقادي ان هذا الموضوع هو ليس عقدة المنشار في الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وايران ، كما ان التمسك الاوروپي بالاتفاق النووي له دلالاته في هذا الصدد .

٢- تقييد برنامج التسلّح الصاروخي ، وهذا الموضوع يحظى في تقديري المتواضع بالأهمية في اعلى سلم الاولويات لانه يشكل شاغلاً جدياً لحلفاء الولايات المتحدة من العرب والاسرائيليين في المنطقة . لقد اثارت التجارب الصاروخية الايرانية ردود فعل سلبية من جانب الاوروپيين ايضاً وايران في موقف ضعيف بشأنه في آية مباحثات قادمة وهو سيكون ورقة مهمة للمساومة .

٣- تعديل السياسة الايرانية في المنطقة ، وهي الاخرى قضية تثير قلق أعداء واصدقاء ايران على حد سواء . لكن ينبغي الانتباه الى ماذا تعنيه هذه القضية ، وماهي جوانب السياسة الايرانية الاقليمية التي تثير قلق الغربيين والامريكان . من الواضح ان الجميع رحب بنتائج الانتخابات العراقية رغم التقدم الذي أحرزته القوائم المحسوبة على ايران ، وقد اعتبرها الرئيس ترامپ انتخابات ناجحة ، وبالتالي فان الجميع سيرحب بما يمكن ان ينتج عنها وهي تشكيلة حكومية لن تختلف كثيراً عن توجهات الحكومة الحالية مع كل مايعنيه ذلك من استمرار الفساد والمحاصصة وهيمنة المليشيات المسلحة المرتبطة بايران على الشارع ، وهي ليست موضع قلق لدى اي طرف من هؤلاء الاطراف الدوليين ، ولم تكن كذلك بشكل واضح في السابق .. في العراق اذن لاتوجد مشكلة . في لبنان لم يعترض احد على نتائج الانتخابات الاخيرة والتي حقق فيها حزب الله تقدماً ملحوظاً ، ونادراً ماسمعنا اسم حزب الله اللبناني في تصريحات ترامپ باستثناء ماورد في الشروط الاثني عشر التي عرضها الوزير پومپيو التي لانعرف الى اي مدى تمثل الموقف الامريكي مع رئيس مثل ترامپ ، ومن الواضح ان لبنان ليس هو المشكلة الا لبعض العرب . اما في اليمن فقد ذكرت تفاصيل الموقف الامريكي حوله ولايبدو انه جزءاً من المشكلة .

ربما تكمن العقدة في سوريا وتحديداً في الوجود العسكري الايراني بشكل خاص ، وبشكل اكثر خصوصية وجود هذه القوات والمليشيات المدعومة ايرانياً بالقرب من الجولان . هذه قضية يتولاها الروس ويبدو ان اتفاقاً بشأنها قد حصل بين الروس والاسرائيليين في وقت سابق ، وبين الروس والامريكان في قمة هلسنكي الاخيرة . لقد أعرب الايرانيون عن استعدادهم للانسحاب العسكري من سوريا اذا استقرت الاوضاع او اذا طلبت الحكومة السورية ذلك .

اين المشكلة اذن ولماذا يتخذ ترامپ موقفاً متشدداً ازاء ايران ويعيد فرض العقوبات ؟!
اعتقد ، وفق فهمي المتواضع ، ان تعديلات او اتفاقات جديدة مع تنازلات إيرانية في هذه الملفات لايمثل تحولاً جوهرياً في الموقف الستراتيجي العام . سوف يبقى لايران نفوذ متعدد الأشكال بما في ذلك النفوذ الذي يتخذ نمط المليشيات المسلحة مع تقليص للنطاق الجغرافي لهذا النوع من النفوذ دون المساس بأشكال النفوذ الاخرى . لدى ايران في الوقت الراهن جاليات كبيرة تقيم وتتملك العقارات في كل من العراق وسوريا وهنالك مؤسسات دينية مذهبية ذات سطوة دينية واجتماعية وحتى عسكرية في بعض أنحاء الاقليم وهي ليست موضع اعتراض ولم يتم ذكرها كبند في الخلافات مع الولايات المتحدة او حتى اسرائيل ؛ ربما تشكل هذه الظواهر عواملاً مثيرة لقلق بعض الاطراف العربية الخليجية ولكنها لن تكون حائلاً دون عودة ترتيب الاوضاع بين الولايات المتحدة وايران ، وفي كل الأحوال ينبغي ملاحظة ان ايران ليست الطرف الوحيد الذي يواجه عقوبات امريكية بل ان سياسة ترامپ العامة هي ان على العالم الاذعان لطلباته او مواجهة سيف العقوبات . هذا الرئيس ليس رئيس حرب بل رئيس صفقات ، وما يهمه في نهاية المطاف جلب مايستطيع من موارد للولايات المتحدة لتوفير فرص عمل وصورته في صدارة الأخبار صباح كل يوم ، وما عدا ذلك من شؤون تتعلق بالمصالح الستراتيجية العميقة فأمره متروك لاجهزة الدولة العميقة التي تعيد ضبط الامور كلما ذهب الرجل بعيداً في استخدام سلطاته الدستورية او نزواته الشخصية : كوريا الشمالية نموذج يدرس الان من قبل مراكز التفكير ؛ لقد صور الرجل لقاءه بالرئيس الكوري الشمالي على انه انتصار ، ولكنه في واقع الحال قدم كل التنازلات التي لم يكن ليقدمها اي رئيس امريكي اخر . كوريا الشمالية لم تجمد اي من نشاطاتها التي شكلت جوهر الخلاف فيما بادر ترامپ الى ايقاف النشاطات العسكرية الامريكية في شبه القارة الكورية مثل المناورات مع كوريا الجنوبية ، وكاد ان يأمر برفع العقوبات لولا اعتراض مساعديه ، وفي النهاية أُحيل الملف الى الدبلوماسيين لمعالجته ، وهو ماكانت تفعله الإدارات السابقة ولكن دون التنازلات التي قدمها ترامپ .

ترامپ الدجّال !!
هذا الرجل دجّال مخادع ويستنزف مزيداً من اموال العرب ثم يعقد اتفاقاً مع ايران على حسابهم . هذا واضح في ثلاثة امور : إعلانه الاستعداد لمنح استثناءات للدول التي تواجه صعوبة في الالتزام بالعقوبات الامريكية على ايران ؛ إعلانه الاستعداد للقاء القادة الايرانيين والحوار معهم ( نذكر هنا المقاطعة الشاملة التي فرضت على المسؤولين العراقيين قبل الاحتلال ورفض الطرف الامريكي بدءاً من الرئيس اجراء اي حوار مع الجانب العراقي ، والعراق لم يفاخر باحتلال اربع عواصم عربية ولم يهدد باغلاق الممرات البحرية الدولية ) ؛ نظام العقوبات الملئ بالثغرات القابل للاختراق رغم انه قد يوقع بعض الأضرار لكنه لن يكون قادراً على تركيع ايران لانه اصلاً لايهدف لإيصال الامور الى هذا الحد ، لكل الاسباب التي فصلتها في المقالة وأعيد تلخيصها : هنالك احتمال التعارض في السياسات ولكن الخط العميق في مجرى العلاقات الستراتيجية هو ذاته .

في نظام العقوبات الحالي نلاحظ اولاً فوضى الموقف . ماهو تحديداً الموقف الامريكي من ايران وماهي حدود مايمكن الاتفاق او الخلاف حوله ؟! هذه الفوضى ناجمة عن اُسلوب الفوضى المضلل الذي يستخدمه ترامپ في معالجة الامور .

من المؤكد ان العقوبات النفطية على ايران هي الثقل الأساسي في قائمة العقوبات لان ايرادات النفط تمثل حوالي ٧٠٪‏ من اجمالي ايرادات ايران من الصادرات عموماً حيث بلغت في عام ٢٠١٧ حوالى خمسون مليار دولار . لقد فقدت العملة الايرانية حوالى ٥٠٪‏ من قيمتها منذ اعلان ترامپ الانسحاب من الاتفاق النووي ، وشهدت انهياراً اضافياً عند الاعلان عن بدء سريان العقوبات على بعض البنود مثل شراء الدولار الامريكي وتجارة المعادن والفحم والبرمجيات الصناعية وقطاع السيارات .

وفقا للمراقبين فان هذه العقوبات بامكانها ان تحطم العمود الفقري للاقتصاد الايراني ، خاصة عند حلول نوڤمبر القادم بدء موعد سريان العقوبات النفطية ، لو أمكن تطبيقها بشكل كامل ؛ لكن هنالك صعوبات عملية يمكن ان تحول دون ذلك مما يدل على انها اختيرت بهذه الصورة عمداً لإيقاع اخف الضرر الذي يتناسب وحقيقة الاهداف الامريكية .

ان سوق النفط الايراني سوق معقدة جداً . تصدر ايران حوالى ٢.١ مليون برميل يومياً ومن شأن ايقاف تصدير هذه الكمية بشكل كامل وخلال فترة قصيرة خلق اضطراب شديد في السوق العالمية ، خاصة مع اضطراب الاوضاع في بلدين مصدرين رئيسيين هما فنزويلا وليبيا وعدم قدرة السعودية على سد النقص خلال فترة مناسبة . ان ارتفاعاً مفاجئاً ومهماً في الأسعر سيتحول الى عامل ضغط على الولايات المتحدة بدلاً من ايران وكان يمكن استخدام نظام الاستثناءات بشكل اكثر مرونة ، مثل السماح للدول بالاستمرار باستيراد النفط الايراني على ان تتعهد بتقليص استيرادها من هذا النفط بشكل متدرج وخلال فترات معقولة . لقد بدات أسعار النفط بالارتفاع فعلاً بعد اعلان عزم الحكومة الامريكية فرض عقوبات نفطية على ايران في شهر حزيران / يونيو الماضي ، ولم تستقر ثانية الا بعد ان اعلنت ادارة ترامپ النظر في بعض الاستثناءات مما يعني استمرار تصدير بعض النفط الايراني وهو مايضعف من تأثير العقوبات بشكل عام .. لكن سوق النفط العالمية تترقب وتسودها حساسية مفرطة تجاه الأخبار .

يتعين على ادارة ترامپ من جهة اخرى اقناع زبائن النفط الايراني بالتوقف عن استيراده حتى الصفر ، فهل يستطيع ذلك ؟!

لقد ابدت الشركات الاوروپية ردة فعل ايجابيةً تجاه العقوبات الامريكية ، وبدأت بالفعل بخطوات عملية لانهاء عملياتها في ايران والتوقف عن استيراد النفط الايراني بسبب حجم وطبيعة انكشافها على العقوبات الامريكية الثانوية . لكن الامر ليس كذلك بالنسبة للمستوردين الاسيويين ؛ تستورد الصين حوالى نصف مليون برميل من النفط الايراني يومياً وقد اعلنت انها لن تلتزم بالعقوبات الامريكية ولديها من الادوات المصرفية والمالية مايجعلها حصينة ضد العقوبات الامريكية ، كما تبدي كل من اليابان وكوريا الجنوبية اللتان تستوردان بضع مئات الالاف من براميل النفط الايراني يومياً رغبتهما في الاستفادة من نظام الاستثناءات لصعوبة استغنائها عن النفط الايراني بشكل كامل . كلتا الدولتان تمتلكان اقتصادات قوية تمكنهما من مراوغة العقوبات الامريكية كما يتسم طلبهما الاستثناء بنوع من الصرامة .

بامكان ايران ان تقوم كذلك بالتحايل على العقوبات من خلال وسائل عديدة معروفة مثل اعادة تفريغ شحنات النفط في ناقلات اصغر مع أوراق منشأ بديلة ، وهو اُسلوب كلاسيكي متبع في عمليات تسويق النفط ويصعب تتبعه وان كان غير عملي بالنسبة للكميات الكبيرة من النفط ، لكنه يبقى منفذاً ممكناً ويصعب كشفه لانه كما يقول مهربوا النفط يقع تحت خط الرادار الخاص بوزارة الخزانة الامريكية . ان الوسيلة الوحيدة لمنع هذا النوع من عمليات تهريب النفط هو شمول شركات التأمين بالعقوبات ، وهي ثغرة في نظام العقوبات الذي أعاد ترامپ احيائه ، الامر الذي سيمنعها من التأمين على الشحنات المنقولة بهذه الطريقة ومن المعروف ان الموانئ حول العالم تمتنع عن استقبال وإفراغ حمولة آية ناقلة نفط او سفينة شحن ليست مؤمنة .

هنالك ايضاً الأجواء المشحونة والتي تقرب من حدود حرب تجارية تخوضها الولايات المتحدة ضد العالم باكمله ، وان استمرار هذه الحرب قد يدفع الدول ذات الاقتصادات الكبرى لتطوير نظام تجاري ومالي ومصرفي بديل ؛ قد يكون ذلك صعب التحقيق في المدى المنظور ولكن تفاقم حالات التوتر التجاري والمالي بين الولايات المتحدة وبقية العالم قد يدفع العالم لهذا الخيار ، وعندها ستفقد العقوبات الامريكية قيمتها العملية . ينبغي للولايات المتحدة ، ان ارادت لعقوباتها ان تكون ذات تأثير كامل ، ان تسعى لتهدئة اجواء النزاع التي تفتعلها بعض القرارات التي يتخذها الرئيس ترامپ بتأثير من اليمين المسيحي المتطرف مثل الحالة مع تركيا احد اقتصادات العالم الكبرى . صحيح انه بحاجة الى اصوات ناخبيه من هذا التيار في الولايات المتحدة ، لكن العالم امر مختلف . ان قوة الولايات المتحدة كانت وماتزال الى حد كبير منوطة بشبكة تحالفاتها الدولية . كما ان العالم لايمكن ان يدار بعقلية الصفقات . يكون رجل الاعمال ناجحاً حين يفوز برضا زبون واحد لعقد صفقة ناجحة وليس مهماً بالنسبة له او لموقفه في السوق كم يخسر من زبائن لم يتوصل معهم الى اتفاق بشأن ذات الصفقة ، لكن العالم يتطلب جمع اكبر عدد من الحلفاء والاصدقاء . ان ترامپ يبالغ في استخدام العقوبات في ادارةٍ علاقات الولايات المتحدة مع العالم ، ووفقاً لوزير الخزانة السابق جاك لو فأن ” المبالغة في استخدام العقوبات يحمل معه خطر تقليص قدرة الولايات المتحدة على ان تجعلها فعالة ”

في نهاية المطاف فان النظام الايراني اثبت في الماضي قدرات كبيرة على مراوغة العقوبات الامريكية وهو يمتلك الكثير من القدرات في الداخل لتعطيل اي مناورة على تأجيج الداخل ضد النظام . يمتلك النظام قاعدة شعبية تمكنه من قمع آية معارضة حتى لو كانت تمثل الأغلبية ، كما ان الثغرات في نظام العقوبات والبيئة الدولية التي يسودها التوتر تتيح له منافذ عديدة تمكنه من البقاء . ان العلاج الوحيد لكل مشكلة ايران هي في اعادة التوازن الاقليمي الى حالته التي عاش عليها لمئات السنين ، وذلك لن يكون ممكناً دون عودة الدولة القوية في العراق وهو مالايبدو انه في المنظور القريب او المتوسط ، والأمد البعيد لايعلم به الا الله .

ما أردت قوله من خلال هذه المقالة هو ان حرباً بين ايران والولايات المتحدة بالوسائل العسكرية ليست احتمالاً وارداً بفعل تاريخ العلاقات بين البلدين الذي شهد توترات شديدة ولكنه حافل ايضاً بصفحات التعاون على مستويات ستراتيجية . مازالت ايران تمثل اهم عامل انقسام في العالم الاسلامي بسبب نظامها الطائفي الذي تكرس له إمكانيات واحدة من اكبر دوله . هنالك نزعة طائفية عارمة في الاقليم بسبب فشل الأنظمة السياسية الامر الذي يمنح ايران فرص مضاعفة للنفوذ والتأثير في مصائر الاقليم . ان اهتمام الاتحاد الاوروپي بايران يعكس حقيقة وجوهر النظرة الغربية لايران . هذا الدور المخرب في قلب العالم الاسلامي لعبته ايران تاريخياً لصالح القوى الغربية على مدى خمسمائة عام وهذا رصيد ستراتيجي لن يفرط فيه الغرب . قد يريد ترامپ استنزاف جيوب بعض العرب المتخمة بحقوق شعوبها المقهورة والمحرومة ولكنه لن يفرط بما يمكن ان تمثله ايران من رصيد ستراتيجي لما يعرف اليوم على انه عدو الغرب الاول وهو الفضاء الاستعماري القديم وفي قلبه الاسلام وشعوبه وماتملكه من ثروات وقدرات وأسواق .

لا تعليقات

اترك رد