“شــــيطنة ” الاستعمار 1


 

كنت اعتقد ان الكتابة عن هذا الموضوع قد فات اوانه، وبالاخص ان الحدث الذي اثار الشجون قد مر عليه زمن. الا ان من متابعات لكتابات بعض المثقفين على السوشيال ميديا اقنعتني ان لا زمان لهذا الموضوع، بل انه اس مشكلة الجمود الفكري والبرانويا الذي اعقب التصفية الفكرية لابن رشد، وغيره، ومن ثم بدايات الحداثة في مصر نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين والتي لم تتجاوز مرحلة الرضاعة، ثم قمعت من قبل حراس المعبد .
وبعد الحرب العالمية الثانية وظهور ما سمي بحركات التحرر الوطني وصعود التيار القومي العروبي، الذي جاهد لبناء دولة للوحدة وليس للمواطنة، لكن الاقسى من كل هذا وذلك ما جاء بعد نكسة حزيران. تلك النكسة التي عرت التيارات القومية الناصرية رغم ان تلك الحركات تلقت عناية فائقة عبر احتكار العمل السياسي في قمة السلطة، لكنها خلقت مجتمعات مطيعة خوافة جاهلة تمشي جنب الحيط تخاف التغير، عبر رفعها لشعار ( لا شيئ يعلو على صوت المعركة ) فقمع كل فكر يختلف معها . ولم تستطع تلك الحركات النظر ابعد من انفها، فالقت بنفسها في احضان نظرية المؤامرة، لتستمتع باجواء الكسل الفكري فدخلت هذه المجتمعات مرحلة السبات، فكل شيئ سهل الاجابة عليه وبسهولة وسرعة عبر شيطنة الاخر والايمان بطهرانية الذات، فاصبح مواطني هذه الدول يعيشون في قوقعة البرانويا . والبرانويا تعني حسب انسكلوبيديا العلوم ” مرض نفسي يتسم عادة الاوهام والاعقلانيه. والبرانويا مجموعة افكار يعتنقها المريض ويؤمن ايمانا وثيقا بتعرضه للاضطهاد او المؤامره ويفسر سلوم الاخرين يتسق مع هذا الاعتقاد” . اما مميزات المصاب بالبرانويا فهي:
الخوف من حصول شيئ سيئ
الظن ان المسؤولية تقع على الاخرين
الاعتقداد والايمان المبالغ فيه والغير مبني على اسس واقعيه

عودة على بدء، كاس العالم لكرة القدم 2018
ما ان فازت فرنسا بكاس العالم حتى احتفل شعبيا بذلك الفوز في بيروت وتونس والمغرب. كيف نفسر ذلك بعيدا عن البرانويا ؟. كيف نفسر ان شعوب تحتفل وتفرح لان مستعمرها السابق انتصر عالميا في رمزية كرة القدم، اللعبة الاكثر شعبية وجماهيرية، وكيف يمكن ان نفسر ان تلك الاحتفالات كانت عفوية وعاطفية وغير مخطط لها ؟. الاصعب من كل هذا ان هذه الشعوب عبرت بسنوات مرحلة ما سمي بالتحرر الوطني وان القيادة السياسية متكونة من ابناء ذلك الوطن . فاين الخلل اذن في ان يشعر مواطن لمستعمره سابقا بالفرح والفخر لان المستعمر انتصر وكان النصر حققه وطنه ؟ الا يتوجب علينا اعدة توصيف مفاهيم اصبحت خالية من المعنى بعد سنوات من ادخالها في كهف افلاطون كمصطلحات ” الحريه، الوطنيه، السيادة الوطنيه، علاقة الحاضر بالماضي، توزيع الثروة ام انتاجها ، الحاكم ولي الله على الارض ام اختيار بشري ”
الاجابة على كل تلك الاسئلة سيحدد مستقبلنا .

كــهف افلاطــون
في كتاب الجمهوريه يتحدث افلاطون على لسان سقراط فيقول:
سقراط: تخيل كائنات بشرية قبعوا في كهف تحت الأرض، له ممر طويل باتجاه النور ، ظَل هؤلاء الناس هناك منذ نعومة أظافرهم، وقيدت أرجلهم و أعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم أو رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم لأن السلاسل منعتهم من إدارة رؤوسهم. و خلفهم نار متأججة من مسافة ، و بين النار و السجناء طريق مرتفع. و لتتخيل على طوال هذا الطريق حائطاً منخفضاً ، مشابها لتلك الحواجز التي يضعها أمامهم لاعبوا الدمى المتحركة.
غلوكون: انها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء
سقراط: انهم ليشبهوننا، ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم و من جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم، أليس كذلك؟
غلوكون: و كيف يمكنهم خلاف ذلك ماداموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم…؟
سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث إذا رفعنا عنهم قيودهم و شفيناهم من جهلهم. فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، و أرغمناه على أن ينهض فجأة، و يدير رأسه، و يسير رافعا عينيه نحو النور. عندئذ سيعاني آلاماً حادة ويضايقه التوهج ، و سوف ينبهر إلى حد يعجز معه على رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل. فما الذي تظنه سيقول إذا انبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، و أن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب الى الحقيقة، و متجه صوب أشياء أكثر حقيقة؟ و لنفرض أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، و دفعناه تحت إلحاح اسئلتنا إلى أن يذكر ماهي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، و يعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب من الحقيقة من تلك التي نريها له الآن؟
غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيراً إلى الحقيقة.
سقراط: و إن أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث من النار، ألا تظن أن عيناه ستؤلمانه، و إنه سيحاول الهرب و العودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة، و التي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن؟
غلوكون: أعتقد ذلك
سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا و احتل مكانه القديم في الكهف، أن تنطفئ عيناه من الظلمة حين يعود فجأة من الشمس؟ فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، و أن يناقش السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، و قبل أن تعتاد الظلمة، و هو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه و يقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى الا لكي يفسد أبصارهن و ان الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه؟ فاذا ما حاول أن يحررهم من أغلالهم، و يقودهم إلى أعلى و استطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهزوا عليه بالفعل؟؟
غلوكون: أجل بالتأكيد
انتهى المقتطف.
اريك فروم في كتابه الخوف من الحريه يؤكد ان الانسان يبحث اولا عن الامان قبل الحريه، وهو نفس ما اراد افلاطون قوله . لهذا فان السلطة السياسية وبتحالفها مع الفكر الديني تستخدم خطابها ” المرعب” عن الاخره وعن النار و ويلاته. وان التخلف الذي نعيشه سببه الاخر الشيطان ونحن كنا ، في الماضي طهرانيين . سلطة ما بعد التحرر الوطني استندت على ستراتيجيتين الاولى تقديس الماضي والثاني خلق مواطن خائف
في المقالات القادمه ساتناول موضوع دور حركات التحر الوطني العربيه في الابقاء على التخلف

لا تعليقات

اترك رد