” لماذا يكرهوننا “


 

كلما مرت أميركا بأزمات، و كلما أرادت أن تدافع عن نفسها و وضعها و هي تدرك و تعرف جيدا إنها تقف تماما على جانب الخطأ، تعود لتكرر المقولة المشهورة ” لماذا يكرهوننا “، و هم يقصدون العالم كله، و أختر من شئت ليكون مقصودا بهذه العبارة في يوم ما و وقت ما، و أنا إبتداءا أرد و أقول ” الحليم من الإشارة يفهم ” ..

و هم يرددون عبارة أخري موازية دائما، أنهم يدافعون عن ” طريقتهم و نموذجهم في العيش و الحياة “، و إنهم يدافعون عن ” الحريات و الديموقراطية ” في العالم، و نحن نتكلم طبعا عن أميركا البلد الذي لا يزيد عمره عن قرون قليلة، بل قليلة جدا، بغض النظر عن الإنجازات التي تحققت في هذه الفترة القصيرة، فهذه الإنجازات الإقتصادية و العسكرية لا تصنع تاريخ و لا حضارة ، في مقابل حضارات و دول و إمبراطوريات عريقة ممتدة في التاريخ لقرون طويلة، كما هو الحال مع الإمبراطوريات الأوربية و العثمانية و الفارسية و الإسلامية و غيرها ..؟ ؟

ما أظنه، و ربما يفيدنا أطباء في علم النفس و الإجتماع، فأن ما يقف خلف هذا، الشعور بالنقص و الضعف، بالرغم من كل الغنى و الإنجازات، فهم يعرفون جيدا أنهم بلا تاريخ عريق، و أنهم فعلا أمة تجمعت عبر سنين في تاريخنا الحديث ( لملوم كما يقولون )، و شاءت الظروف و قدرة الله تعالى أن تتعاظم قوتها و ثروتها، و بدلا ن أن تحسن إستغلالها، أساءت إستغلالها جدا، خاصة في القرن الأخير أو العقود الأخيرة منه إن شئنا، حتى أن مؤسس و رئيس شركة ( علي أكسبريس ) الصينية ، وجه كلاما مؤلما للشعب الأمريكي و المسؤولين الأمريكان قبل فترة وجيزة، و كان بمثابة التعنيف و التأنيب، عندما قال كم صرفت أميركا خلال عشرات السنوات الماضية في الحروب مع كثير من دول العالم، مما حرمها و حرم المواطن الأمريكي من مئات المليارات من الدولارات كان يمكن أن تصرف على تطوير الصناعة و الإقتصاد و تقليل الديون و تحقيق مزيدا من الرفاهية للعالم و المواطن الأمريكي ..

إذا، ما سبب هذه العنجهية، و إلى أين ستصل أميركا في تعاملها مع العالم كله تقريبا بهذه العجرفة و التعالي و الإستهزاء و الإحتقار، خاصة في الزمن الأغبر الذي جعل المجنون ترامب رئيسا لأميركا، لكي يكتشف العالم الوجه الحقيقي لهذا البلد، و النيات الحقيقية التي يكنها و يحفظها الأمريكان و قياداتهم في داخلهم تجاه العالم كله تقريبا، و هنا عندما نتكلم لا نقصد الأعداء و غير الأصدقاء، بل حتى الأصدقاء المقربين و الحلفاء بدأوا يضيقون ذرعا بتصرفات و تصريحات ترامب و أعضاء حكومته و إدارته ..

لو رجعنا قليلا لنتابع تصرفات هذا الرئيس الأخرق و تصريحاته خلال الأشهر القليلة الماضية، و منذ تسلمه الحكم، لرأينا العجب العجاب، فهو لم يأل جهدا في توجيه اللوم أو الإهانة أو الإستهزاء لأقرب المقربين و الحلفاء و الجيران، وصولا للحلفاء و الأصدقاء المقربين، بدءا من كندا و المكسيك، إلى الصين و روسيا، إلى بريطانيا و ألمانيا، إلى تركيا و إيران و كوريا، إلى عموم العالم العربي الإسلامي، و هكذا دواليك، و يذكرني هذا بمقولة لوزير الدفاع الأمريكي السابق رامسفيلد أيام الرئيس الأخرق المجنون الآخر بوش الصغير، عندما شبه أوربا بالقارة العجوز، و الدول العجوزة و القديمة و المخرفة، و ربما هذا يعطينا مؤشرا على عقدة الأمريكان أمام التاريخ و الحضارات القديمة و الحضارات الممتدة .. ..

و ربما من أغرب تصرفات ترامب و تصريحاته الخرقاء كانت تجاه الناتو الذي تعتبر أميركا القائدة الفعلية له، و تجاه بريطانيا التي تحتبر الحليف الصديق الصدوق عبر التاريخ لأميركا، و تجاه الإتحاد الأوربي بشكل عام و هو يعتبر الظهير و الساند و الحليف الأكبر و الأقوى لأميركا عبر التاريخ الحديث، و تجاه ألمانيا التي تعتبر من الحلفاء الإقتصاديين الكبار، و ربما آخر هذه الصرعات المجنونة لترامب و حكومته، تصرفاته و تهديداته الإقتصادية و السياسية لتركيا، و هي تعتبر الحليف الإسلامي الأقوى للأمريكان خاصة في التاريخ الحديث و أكبر جيش منتمي للناتو، وكل ذلك بحجة الرغبة في إطلاق سراح رجل دين مسيحي أمريكي مسجون في تركيا بتهمة المشاركة في الإنقلاب العسكري الأخير هناك ..

كذلك يمتد الجنون لنرى العقوبات الإقتصادية الأمريكية توزع يمينا و يسارا، من كوريا الشمالية، إلى إيران و تركيا، إلي الصين و روسيا، إلى المكسيك ..

في هذا السياق، نشرت مجلة FOREIGN AFFAIRS الأمريكي الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي COUNCIL OF FOREIGN RELATIONS ، مقالة تحت عنوان
THE STRATEGIC THINKING THAT MADE AMERICA GREAT – “ EUROPE FIRST “ AND WHY IT STILL MATTERS ، كتبت من قبل ميلفين ليفلير ..

و كما يبدو أن هناك الكثير مما يقلق جديا بشأنه في تصرفات الأخرق ترامب و إدارته الحالية، خاصة في مجال علاقاته الدوليه و سياساته الخارجية، و خاصة ما يتعلق منها بالحلفاء الأوربيين، و بالتبعية حلف الناتو، و هذا ما عبرت عنه هذه المقالة ..
تشير المقالة بإستغراب و تندر و تهكم في إفتتاحيتها، أن الرئيس ترامب في الفترة الأخيرة، تهجم على و إنتقد الحلفاء الأوربيين و الإتحاد الأوربي، و سماهم و نعتهم بالأعداء، بينما نعت روسيا بأنها منافس محترم و صديق، و هو يتعامل بشكل خاص و متميز كذلك مع الرئيس الروسي بوتين، بخلاف تعامله المهين و غير اللائق مع بعض القادة الأوربيين، على الرغم من جهود بوتين العلنية الواضحة و المنظمة في توسيع النفوذ الروسي و إمتداده حول العالم و في عدة مجالات بالذات السياسية و العسكرية، و بشكل خاص تركيزه على دعم عدد من القادة الديكتاتوريين و المتسلطين و غير الديموقراطيين، كما هو الحال مثلا في سوريا و إيران و غيرها ..

و كما يبدو، تتلخص جهود ترامب و توجهاته و برنامجه نحو شعار أن تكون أميركا الأعظم حول العالم مرة أخرى، و أن تكون أميركا هي الأولى، من خلال تقليل إلتزامات أميركا نحو الأصدقاء و الحلفاء، التعامل مع الجميع كمنافسين، إطلاق يد أميركا و عملها في حل عن كل العقود و العهود و الإتفاقيات التي تفرض عليها من خلال المنظمات الدولية و الإقليمية، محاولة الحصول على أفضل الفوائد و المكاسب الإقتصادية و التجارية من خلال المفاوضات و الإتفاقيات الثنائية المباشرة، بناء قوة عسكرية متميزة و متفوقة، التعامل مع بعض القادة من الدكتاتويين و المتسلطين حول العامل إذا أبدوا النية في علاقات خاصة و متميزة و صداقة مع أميركا، كما هو الحال مع المحاولات الجارية مع كوريا الشمالية، و الفيليبين و مصر و روسيا و السعودية و الإمارات العربية المتحدة و غيرهم ، و العمل الجاد و المستمر على عدم الإلتزام بأي من المعاهدات و المواثيق الدولية التي تشكل عبئا أو تتعارض مع سياسات و أفكار و توجهات ترامب ( التي قد يعتبرها البعض غريبة و شاذة ) هذه ..

في المراحل المتعاقبة ما قبل ترامب، من فرانكلين روزفيلت و حتى بوش الإبن، كانت أهم إستراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية هي وضع ” أوربا أولا “، و المقصود ب ” أوربا أولا “، هو الإلتجاء إلى حلفاء ديموقراطيين في مناطق مهمة رئيسية حول العالم، و خاصة عبر المحيط الأطلنطي، و العمل معا من خلال المنظمات الدولية، و تقاسم السلطة و السيطرة على الموارد و الإستحواذ على و بناء الهياكل الأساسية للصناعة و الموارد البشرية و المادية في أوربا و آسيا ..

و بالطبع، فأن هذا لا يعني، و كل ذلك لا يتحقق، و لا يمكن أن يستمر، بترك أوربا لوحدها، فتلك الإستراتيجية كانت الوسيلة و الطريق التي تمكن فيها السياسيون من حماية المفاهيم الديموقراطية المشتركة، و تخدم الإهتمامات و القيم المشتركة خارج أميركا و داخلها كذلك، و يشير التقرير إلى أن من بين كل التغيرات الشاذة و الغريبة التي يحاول ترامب و إدارته تطبيقها و تنفيذها في السياسة و الإدارة الأمريكية الحالية منذ تسلمه مهام الحكم، يمكن إعتبار سياسة و مبدأ و إستراتيجية ” أوربا أولا ” من أكبر الخسائر و النكسات ..

لقد أشرت في مقالات عديدة سابقة لي إلى أن العقيدة السياسية الأمريكية و الغربية لا زالت متأثرة بأجواء ، أحداث الحرب العالمية الثانية بشكل خاص و ما بعدها، و أن هذه العقيدة لا زالت تعتبر أن هناك مهام غير منجزة منذ ذلك الحين UNFINISHED BUSINESS ، و يتلخص ذلك في تحقيق إنتصار كامل ناجز على دولتين عظيمتين كبيرتين تهددان إلإستفراد الأمريكي في قيادة و إدارة العالم و الإستحواذ على موارده و مقدراته و إستثمارها لصالحها، و هما الصين و روسيا، خاصة بعد القضاء على الإتحاد السوفياتي و تفتيته، و تدمير معسكر عدم الإنحياز و تفتيت يوغسلافيا، و تدمير جدار برلين و توحيد الألمانيتين، و ربما نجد البعض من ذلك في التعامل الندي لأميركا مع كيان جديد ظهر للوجود هو الإتحاد الأوربي على الرغم من أن معظم قيادات هذا الإتحاد ممن يعتبرون من الحلفاء المقربين تاريخيا لأميركا، و هذه الفكرة بشكل عام ما يحاول هذا التقرير موضوع البحث مناقشته و عرضه بشكل ما بين السطور ..

يعود بنا التقرير إلى أيام التهديد النازي و الحرب العالمية الثانية و أجواءها، و بالتحديد في ٢٩ ديسمبر ١٩٤٠، حيث خاطب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت الشعب الأمريكي، من خلال سلسلة من كلماته و خطاباته ما كان يسمى بخط النار، و هذه السلسلة من الخطب كانت مختلفة عن تلك التي أعتاد روزفيلت إلقاءها من خلال الراديو منذ عام ١٩٣٣، حيث عبر عنها بأنها ليست خطبة عن الحرب، بل مخصصة فيما يتعلق بأمن و سلامة البلد و الوطن، و كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس الأمريكي عن الأمن الوطني و القومي، و كان هدف روزفيلت هو تحذير الأمة الأمريكية من خطر التحالف و الإتفاقية التي وقعت في برلين في شهر سبتمبر حينها ما بين ألمانيا وإيطاليا و اليابان ..

تضمنت خطبة الرئيس الأمريكي، نقل و توضيح المخطط العسكري للقيادات الأمريكية في حينها و توجهها نحو إعتبار ألمانيا و ليس اليابان هو التهديد الحقيقي و الفعلي للأمريكان و أمنهم القومي، و أنهم يتوقعون أن تقوم ألمانيا بالهجوم على بريطانيا و السيطرة عليها، و من ثم السيطرة على المحيط الأطلنطي، و من ثم محاولة الوصول و السيطرة على الموارد ، الصناعات و خطوط النقل و العمالة الماهرة و التجارة في العالم الغربي كله، و أضاف بأنه ينصح أن يتم تأجيل أي مواجهة مع اليابان، في حين يتم التحسب و التهيؤ و بالتعاون و التنسيق مع الإنكليز و الكنديين لأي مواجهة فعلية في القارة الأوربية ..

لقد بينت الإستراتيجية الأمريكية و ركزت على الدفاع عن أوربا من التهديد الألماني النازي، لكن روزفيلت حاول أيضا التركيز في خطابه للمواطن الأمريكي على أن أميركا لن تجد لا الأمن و لا السلام لوحدها في محيطها في العالم الغربي، في حالة سقوط أوربا، و خاصة بريطانيا تحت الإحتلال و التهديد النازي الألملني، و أنهم عندها سيعيشون، و سيكون أمنهم و إستقرارهم و إقتصادهم و جيشهم، كمن يعيش تحت تهديد سلاح موجه لرأسه، و بذلك نجح في الربط ما بين الأمن و السلام للمواطن الأمريكي، و الأمن و السلام في العالم الغربي و القارة الأوربية، و هكذا بنيت هذه الجدلية القائمة بين أميركا و الغرب و أوربا ، و الإعتمادية و التكافلية المتبادلة بين الطرفين ..

هذا المفهوم الإستراتيجي الذي أعلنه روزفيلت و المرتكز على مفهوم ” أوربا أولا “، يعني أنه لا يجب أن يسمح لألمانيا أن تنتصر على بريطانيا، و أن تسيطر و تستحوذ على الموارد في القارة الأوربية و الإتحاد السوفييتي، و أن تتمكن من توجيه قوتها الجوية للسيطرة على المحيط الأطلنطي و خطوط الملاحة البحرية، كذلك الوقوف أمام الطموحات الألمانية لإغراق دول أميركا اللاتينية في المستنقع الألماني النازي من خلال الترويج للأفكار و الأيديولوجيا النازية الفاشيستية، و أن تكون سوقا رائجة للبضاعة الألمانية، و مسرحا مفتوحا للعمليات العسكرية و الجاسوسية الألمانية ..

في الجانب الإقتصادي، ترتكز هذه الإستراتيجية على منع الألمان من بناء تكتلات و توقيع إتفاقيات و عقود و معاهدات إقتصادية و تجارية و بنكية و ضريبية و كمركية، و التي إن وجدت ستضر بالجهد و الدعم و الإقتصاد و التجارة الأمريكية، و تقف عائقا أمام رغبة أميركا في التوسع و السيطرة و الإنتشار في المنطقة ..

في الجانب الفكري و السياسي، فأن السيطرة و التمدد الألماني كان يعني لروزفيلت و الأمريكان حينها عزل أميركا و جعلها أشبه بأرض أو جزيرة معزولة عن باقي دول العالم يسيطر عليها حكم يؤمن بالقوة و السيطرة، علما أن هذا التوجه كان يؤيده بعض الأمريكان في حينها من الإنفصاليين أو الشعوبيين، و الذي كانو يدعون إلى إنفراد أميركا بالعيش في عزلة و بعد و منأى عن العالم و حروبه و مشاكله، إلا أن روزفيلت كان يخشى هذه الأفكار الإنعزالية الإنفصالية، و كان يخشى أن تعامل أميركا و الأميركان و يصل بهم الحال ليكونوا كمن يعيش في سجن منفصل، مربوط الأيدي، جائع، يستلم طعامه من خلال أعمدة هذا السجن، و الذي يأتيه و يقدم له من قبل السادة القاطنين في دول و قارات العالم الأخرى ..

ما يثير الضحك و السخرية، أن يأتي و بعد كل هذه السنوات رئيسا جديدا لأميركا، يرفع شعار أن تكون أميركا هي الأولى و الأعظم، و أن تبتعد أميركا و تنعزل بقدر الإمكان عن الجميع، و أن يبنى بينها و بين جيرانها جدران فاصلة و عازلة، و هكذا نرى ترامب منقلبا و معاكسا لسياسات و توجهات روزفيلت بوضوح ..

لقد كانت الفكرة الأساسية الأهم في إستراتيجيات روزفيلت في حينها، أن أميركا لن تتمكن من أن تبقى حرة، و لن تتمكن أن تكون هي الأولى عالميا، بالأحرى لم يكن لها أن تحيا و تبقى، إذا لم تكن مرتبطة إقتصاديا و عسكريا و إستراتيجيا و فكريا إلى دول أخرى عبر المحيط الأطلنطي يشبهونها من حيث التكوين العقلي و الفكري ..

و يشير هذا التقرير، أن فكرة روزفيلت ساعدت في بقاء بريطانيا و أن تكون أوربا الديموقراطية محررة، و هذا كله لم يكن لينجز لولا تطور و إنتعاش الحرية السياسية و الإقتصادية و إقتصاد السوق في أميركا، و هذه المفاهيم و الأفكار هي التي ساعدت على إنهاء تلك الحرب، و من ثم الولوج للسلام الهش الذي تبعها، و من ثم ساعد في تكوين النظام الإقتصادي و السياسي الذي ساعد في وقوف الغرب و تفوقه في الحرب الباردة التي تبعت ذلك، و التي ساعدت في جلب الرفاه و الأمن و الإستقرار إلى مواطني و دول أوربا و آسيا ..

يتطرق التقرير بتفصيل كبير إلى المراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية، و التطورات في تلك المراحل، خاصة ما بين اوربا الشرقية و الغربية، و دور الإتحاد السوفياتي و تطور نفوذه و قوته في أوربا و حول العالم، و هو ما كان و لا زال يقلق الغرب و الأمريكان ..

و ينتهي التقرير ليقول، أن شعار ” أوربا أولا ” كان المحور المركزي الرئيسي للإستراتيجيات التي صاغت النصر المبين في الحرب العالمية ضد محور ألمانيا و إيطاليا و اليابان، و إنه كذلك كان وراء النصر في الحرب الباردة ضد السوفييت و الشيوعيين، و في كلتا الحالتين فأن المخططين الستراتيجيين الأمريكان قد إعتبروا أن المصلحة العليا الأمريكية و أساسايات المؤسسات و التكوين و البناء في الدولة الأمريكية و أوربا الغربية واحد و متشابه و متقارب، و أن سر النجاح هو الترابط العابر للمحيط الأطلنطي مع شعوب و دول و سياسات أوربية ذات نمط معيشة و تفكير متقارب و متوحد تقريبا ..

كانت أميركا في حاجة إلى حلفاء ذوي توجهات ديموقراطية، للحفاظ على توازن القوى التي كانت دافعا و واقيا لهذه الدول و لأنظمتها الإقتصادية و السياسية، خلال فترتي الحرب و السلام، و هؤلاء الحلفاء كانوا شركاء لأميركا في كثير من الأمور و الجوانب، أهمها سياسة السوق المفتوحة، التجارة المتبادلة غير المقيدة، ضرائب و رسوم قليلة، الحريات المدنية، و حقوق الإنسان ..

و كما يبدو أن ترامب و إدارته لا يألون جهدا في تدمير و تهديم كل ما بناه أجدادهم خلال هذه العقود الطويلة من الزمن، و ذلك ما ينعكس من السياسات المجنونة المضطربة التي يتبعها و يطلقها كل يوم، دون أن يضع أي إعتبار لا لصديق و لحليف و لا لبلد جار ..

يؤكد التقرير، و خلافا لما يفكر و يعتقد و ينفذ الرئيس المتهور ترامب، أن ما بنيت عليه العلاقات الأمريكية الأوربية و الدولية أبان الحرب العالمية الثانية و الحرب الباردة، لا تختلف في كثير من الأوجه عن الحاجة و الوضع الحالي و التهديدات المحيطة، و أنه كما كانت أوربا و الغرب و آسيا محور الإهتمام في السياسة و التجارة و الإقتصاد، لا بد و أن يكون الأمر عليه الآن كذلك، خاصة مع بقاء التهديدات الروسية، و تعاظم الدور و التهديدات الصينية، و هذا التقرير يشير ضمنيا و ما بين السطور إلى خطأ و شطط و تدهور و تذبذب السياسات الإقتصادية و التجارية و الإستراتيجيات السياسية الأمريكية الحالية، و التي يقف كثيرون متعجبون ليروا إلى أين سيؤدي بنا ذلك، و بالعالم أجمع ..

ما نعتقده، أن ترامب و معه أعضاء من إدارته يقودون خطا جديدا متشددا خليطا من اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف و أطياف متشددة و متعجرفة أخرى في المجتمع الأمريكي، تعتقد أن أميركا باتت من القوة و السطوة و التأثير الكبير بحيث أنها لا تحتاج لا للحلفاء و لا للمنظمات و لا للإتفاقيات الدولية، بل على الجميع أن ينحنوا و يركعوا و ينفذوا طلباتها و أوامرها و إملاءاتها دون حوار و نقاش، و أن من يحتاج دعمها و مساعدتها و حمايتها عليه أن يدفع مقدما مقابل ذلك، سواء أكان من الحلفاء أو الأصدقاء أو الجيران أو المقربين، لا فرق، و هذا ما رأيناه مثلا مع حالة تعامل السعودية بشكل خاص مؤخرا مع الإملاءات الأمريكية ..

و هذا برأيي قمة الجنون، و واحد من علامات الأفول و الإضمحلال للأمم و الإمبراطوريات، و كما يرى البعض لن يطول الزمن إلا و نرى مؤشرات لنظام عالمي جديد بعيد كل البعد عن سياسة المحور الواحد المتفرد المتسلط، خاصة مع تعاظم سلطة و قوة و إمتداد و تأثير دول كبرى كالصين و روسيا، و أخرى أقل تأثيرا كتركيا و إيران و البرازيل و الهند، و ربما هناك غيرها، و كما يبدو أن السياسات الإنفرادية و الإعتزالية و الشعوبية التي جاء بها ترامب و ينفذها بقوة و عزم و دون تردد، هي التي ستساعد و تعجل في نهاية هذه الإمبراطورية و إضمحلال و إنتهاء قوتها و سطوتها، و الله أعلم ..

لا تعليقات

اترك رد