كيارا: الشّمعةُ العارية


 
الصدى - كيارا: الشّمعةُ العارية - اسماء غريب

1979 كانتْ في حياتي سنة العُريِ  والتعرّي بامتياز، صحيح أنّني لمْ  أكُ  قدْ تجاوزتُ آنذاك سنواتِي السّبْع، لكنْ حدث لي من الوقائع والمشاهد ما لا يصدّقهُ  بشر، عرفتُ من خلالها معنى أن يكونَ الإنسان عارياً ومُتجرّداً منْ  كُلّ  شيءٍ؛ فذاتَ  صباحٍ  بينما كنتُ بصدد مغادرة المنزل قاصدة المدرسة، فتحتُ الباب وإذا بي أجدُ امرأة مُسنّة جالسة عارية كما ولدتها أمّها أمامَ العتبة، وكانتْ منهمكة في تمشيط شعرها بمشط طويل قديم رفيع الأسنان. ارتعبتُ في البداية من المنظر القاسي على قلبي، إلا أنّ المرأة حاولت أن تُهدّأ من روعي بكلمات قالتها بوجه بشوش وعينين ثاقبتين: «لا تخافِي يا ابنتي، فإنّي لمْ أجِدْ في هذا الحيّ أأمنَ من عتبة هذا البيت كيْ أمشط فيها شعري، وأُدْفِئُ عظامي بأشعة الشمس المتوهجة هُنا». «ولماذا أنت عارية؟» سألتُها وقد ذهبَ عنّي الخوفُ  والارتباك. «لأنني لا أخاف من شيء، ولا يراني أحد». أجابت بصوت خفيض، وهي تحاولُ قتلَ  قملتيْنِ  سقطتَا  من المشط فوق منديل رأسها الأبيض الذي كان لا يُغطي من جسدها سوى منطقة العورة والجزء الأوّل من الفخذين. «أنتِ مخطئة يا سيدتي، كل الناس في الشارع ينظرون إليكِ، وفيهم من يضحك من منظرك، أرجوك استري نفسك» ثم نزعت معطفي ورميتُه  فوق صدرها، لكنها رمتْهُ  فوق الأرض، وقالت من جديد: «وهل أولئك ناس، هل هم من أبناء آدم؟ أنا لا أراهم. هل فيهم من يستطيع أن يتعرّى مثلي؟» ابتسمتُ وقلتُ في خاطري: «طبعا لا، وهل هُم مجانين مثلك؟» ثُمّ غادرتُ المكان قاصدة مدرستي وتركتُها وشأنها حينما فهمتُ بألا جدوى من الحديثِ مَعَهَا.

ومرّت  الأيامُ  سريعة، وحدثَ لي في السّنةِ نفسها ما لمْ  يكُن  في الحُسبان، ذلك أنني حينما كنتُ  مارّة  بأحدِ  الشوارع الرئيسة للمدينة التي رأيتُ فيها النور قاصدة منزل جدّتي، إذا بفتاة عارية تماما تعبر الشارع من الجهة الأخرى بسرعة البرق، وما إنْ أصبحتْ بقربي حتى هوت عليّ بعصا طويلة كانت في يدها، وضربتْنِي بها ضربة قوية على ظهري. صرختُ بكل ما فيّ من صوتٍ، ولمْ أدْرِ كيف انتزعتُ العصا من يدها وضربتُها كما ضربتي على ظهرها، دون أن أخاف من موجة الهستيريا التي كانتْ تُشعُّ من عينيهَا. فقد كان جليا أنني أمام فتاة مجنونةٍ، وقبل أن أستيقظَ من هول المفاجأة سمعتُ الناس يصرخون في الشارع من حولي: «انتبهي إنها مجنونة، لقد هربتْ من المستشفى»، ثمّ رأيتُ بعد ذلك جمعا من الممرضين يركضون خلفها محاولين الإمساك بها لوضعها في السيارة ثم أخذها إلى المصحّة العقلية التي كانتْ لا تبعد كثيرا عن الشارع الذي كنتُ فيه. لكنّني قبل أن أبتعدَ عنها، أذكرُ أنّهَا قالت لي ضاحكة بشكل مَرضِيٍّ: «برافو عليكِ، أنا من حين لآخر أهربُ لهم من المصحة، وأبثُّ الرُّعبَ في الشّارع، وأضربُ الناس، لكن لا أحد سبق له أن تجرّأ قبل اليوم على ردّ الضربة لي كما فعلتِ أيتها الصغيرة. كم عمرك؟ هيّا قولي؟ وإلى أين أنت ذاهبة؟ آه عرفت، إلى جدّتكِ. لا تنسي أن تسلّمي عليها وتقولي لها: إنك ستصبحين كاتبة عظيمة، خبيرة بأهل العرفان والجنون. آه نسيت أن أقول لك: أنا لستُ بمجنونة، لكن هوايتي أن أمثل دور المجنونة؟ أحبُّ أن أزرع الخوف والفوضى بين هؤلاء الناس الأشقياء القانعين بحياة الخمول، وحياة الحجب عن الملكوت. تبّا لهم، لا يعرفون كيف يشغّلون عقولهم ولا كيف يحبّون بقلوبهم. آآه لقد ضجرتُ منهُم، وضجرتُ من كل هذه الدنيا البئيسة».

لا أعرفُ كيف جمّدتني كلماتُها في مكاني، ولا أعرف من أين علمتْ بأنّني ذاهبةٌ  عند جدّتي، ولا لماذا قالتْ لي إنني سأصبح كاتبة! كنتُ في تلك اللحظة كمنْ يعيشُ في بُعد زمنيّ ومكانيّ آخر غير ذاك الذي كنتُ فيه حقيقةً، وكان كلُّ شيء يُحدّثُني بلغةٍ أفهمها جيدا وإن كنتُ صغيرةَ السّنِّ. وشعرتُ وكأنني أفهم لماذا العُري والتعرّي. وأصبحتُ منذ ذاك الحين لا أخشى الناسَ الذين يستطيعون التعرّي أمام الملأ، فهُم في عرف العامّة مجانين يدعون إلى الشّفقة، وهُم في عرفي غير ذلك تماما. حتّى أنني استطعتُ بعدَ شهر من حادثة هذه الفتاة أن أتقبّل بقلبٍ مطمئن سليم مشهدا آخر كانَ لرجل رأيتُه هو الآخر عاريا حافيا كما خلقه الله وأنا بصدد الذهاب إلى فُرن الحيّ لجلب خبز البيتِ منهُ، كان الجوّ قائظا وكانتِ السّاعة تشير إلى الثالثة بعد الزوال، وكان الزقاق المؤدي إلى الفرن خاليا منَ المارّة، وكلّ أبواب المنازل مغلقة، إلا بيتا واحدا، كان يوجدُ في الدور الأرضي، كانت له نافذة تطلُّ على الزقاق، وقد كانت مُنخفضة جدّا لدرجة أنني رأيتُ منها الرجل وهو يتعرّى كاملا في سريره، ويخرجُ منها مباشرة إلى الزقاق. لمْ ينْتبِه لوجودي، فقد كان مرفوعاً ومُغيّباً في عالمه الخاصّ، لكنني بقيتُ أنظر منْ بعيدٍ إلى أين هُو ذاهب، حتّى ابتلعه الزقاق الموازي لذاكَ الذي كنتُ فيه.

عدتُ إلى البيت ولوحةُ الخبز الخشبيّة بين يديّ، ولم أحدّث والدتي بأيّ شيء مما رأيتُ كما هي عادتي في مثل هذه المواقف التي لا يُصدّقها عقل ولا تخطُرُ على بال بشر، فقد كنتُ منذ صغري أخشى عليها من المَشاهد الحساسة، وعلى قلبِها المرهف من أشياء لا قدرة لها على تأويلها أو استنباط معانيها، لا سيما أنني كنتُ أعلم مدى خوفها الشديد منَ المجانين. لكن قصّتي معَ مَشاهدِ هذه السنة لمْ تنتهِ هنا، ولكنّها بدأتْ حقيقة في الأواخر العشر من رمضان السنة ذاتها: أذكرُ أنني كنت غاطّة في نوم لذيذ بعد أداء صلاة العشاء، وكنتُ أفكّرُ بقلبي الطّفل في مائدة السّحور التي ستُعدُّها والدتي كيفَ ستكونُ، وكانتْ أمنيتي أن تضعَ بين أطباقها الشهيّة سمكاً، فأنا كنتُ ولمْ أزلْ أحِبُّ السّمَكَ جدّا جدّا، لكنِّي وبينما كنتُ غارقة في أحلامي السّمَكيّةِ، إذا بي أسمعُ صوتاً باكيا منْ خارجِ البيتِ يقولُ: «إلهي، وإله الناس أجمعين، يا من يحار في فهمه العارفون، يا حبيب الأطفالِ وأباهم الحنون وأمّهُم المعطاءة، ألمْ يحِنِ الوقتُ بعدُ كي يترجّل هذا الفارسُ عن الصّليبِ؟ متى ستُخرجُني من عين إبرتكَ الضيقة هذه يا إلهي؟ إذا كنتَ أنتَ لمْ تستكفِ بعدْ، فقدْ بلغ منّي الألمُ والوجعُ مداه، أغثني يا غيّاث، واعفُ عنّي وارحمني من خمرة العربدة وأهلِهَا، أيرضيكَ أنْ أبقى هكذا مُدمناً عبداً ذليلا لقنينة لا تساوي فلسا، أيرضيكَ أنْ يركُضَ الأطفالُ من خلفي يضربونني بالحجر صباح مساء، آآآآهٍ يا إلهي، الغوث الغوث الغوث يا مولاي…» ثمَّ تلتِ الكلمات صرخةٌ عظيمة جعلتنِي أقفز من سريري الصغير لأتوجّه إلى نافذة غرفتي وأفتحَها، عَلّي أنظر إلى صاحبِ الصرخة في تلك الساعة المتأخرة من ليلة الواحد والعشرين من شهر الصيام، ويا لهول ما رأيتُ: كان الرجل يقف عاريا إلا من سروال قصير جدّا في وسط الدّوار المروري الذي كانَ يصلُ الشارع الرئيس بشوارع متفرقة أخرى. وكانَ أشعت الشعر، طويل اللحية، ويبكي بحرقةٍ شديدة. أثّر فيّ منظرهُ بقوة، ولا أعرفُ كيف أنني خرجتُ مُتسحّبة على أطراف أصابعي حتى لا أوقظ أحدا من والديَّ وإخوتي، وذهبتُ إلى الرّجُل العاري، تاركةً باب البيت مواربا، وحينما وصلتُ إلى الدوار وكان قريبا جدّا من منزلنا، جلستُ عندَ قدميْهِ، أستمع إلى مناجاته الليلية مع الله. كانَ  يُخيّلُ  إليّ  بأنّ  الرّجلَ  لمْ  ينتبِهْ  إلى  وجودي، لأنهُ  لمْ  تصدُرْ  منهُ  أيّةُ  حركةٍ  تُنبئُ  بأنّهُ  رآني، لكنّ ظنّي لم يكن في محلّه، فالرجل وهو في عمق دعائه وصلاته وضعَ يدَهُ فوقَ رأسي وأكملَ مُسامَرَتَهُ الطويلة التي مازلت لليوم أتذكّرُ كل كلمة وحرف فيها، وكيفَ لا أذكرها وقد خبرتُ بها معنى أن يفنى العابدُ بين يدي ربّه إلى أن يصبح لا شيء يذكر، ويلتحمَ مع الكون بأسرهِ. نعم يا أحبّتي، ذاكَ كان شعوري في تلك الليلة الرمضانية العجيبة: لقد أصبحتُ  لاشيء، اختفيتُ  واختفَى الرجل واختفى الدّوار بل اختفتِ المدينة كلُّها، ولم تبقَ سوى كلمات الدعاء تترددُ بين الأرض والسماء. كان هذا الإحساس بالاختفاء جديدا عليّ، لمْ يسبقِ لي أبدا أن خبرتُه، إلا إنني حينما عدتُ إلى نفسي، وظهرتُ لها جسدا وروحا، لمْ أجدِ الرجل بجانبي، ظلّ مُختفيا، والتفتُّ عبثا من حولي، لكن لا أثر لهُ، وما كان سوى أن عدتُ أدراجي إلى البيت، واستلقيتُ من جديد فوق سريري، أنتظر أن تدقَّ ساعةَ المنبّهِ معلنةً حلول وقتَ السّحور، فقد كانت والدتي تدرّبني على الصيام مُنذ نعومة أظافري، وكنتُ أجدُ متعةً عظيمةً في ذلك. لمْ أخْبِرْهَا طبعا بأمر الرجل العاري، مخافة ألاّ تصدقني، لاسيما وأنهُ كان قد اختفى، وخشيتُ أن تقول بأن الأمر كله قد كان مجرد حلم من أحلامي العجيبة.
هل اختفى الرّجلُ المدمن للكحول، العابدَ المناجيَ لربّه حقّا في تلك الليلة؟ ربّما يكون الجواب نعم. لكنّ الذي أعرفُه أنّه حينما كبرتُ، ظهرتْ في حياتي نماذج أخرى من هذا الرّجُلِ، وكان معظمهم من المدمنين للكحول، وكانتِ كيارا أستاذة الفلسفة التي عرفتها هنا في إيطاليا وصاحبة المبادرات والمحاضرات عن السلام والمحبة الكونية منهم. لكنّ الفرق الوحيدَ الذي كان بينَها وبين رجل المدار هُو أنّ هذا الأخير حينما عرفتهُ في طفولتي كان يبدو عليه الإدمان والوجع والألم، أمّا كيارا، فكانتْ تبدو إنسانة عادية للغاية، رزينة، هادئة ومُدرّسةً بارعة يشهدُ بالتزامها وتفوّقِها الفكريّ الجميع. هذا كان ما يبدو طبعا للنّاس، لكنني كنتُ أنظر إليها دائما بعين مختلفة: لونُ عينيها كان فيه شيء يشي بالحزن العميق والفقد الأليم، لونُ شفتيها كذلكَ كان فيه شيئ يقول بأنها تعاني من حرمان جسديّ ما، حرمان قد يكون ذا طبيعة أسريّة، أو عشقيّة، شكلُ أظافرها كذلك كان يشير إلى قلقٍ نفسي مكتوم، فلقد كان يبدو جليا أنّ هذه الأخيرة غير مقصوصة بمقص الأظافر، وإنّما مقضومة قضماً بالأسنان وإنْ لم يسبق لي أبدا أن رأيتها وهي تقضم أظافرها أمام الغير أو حتّى أمامي. أمّا شعرُها فكان شاحبا رمادي اللون كأنه عشّ لقلق جريح. كلّ هذه العلامات وغيرها كانت توحي بوجود شيء ما غير طبيعي في صديقتي: جرح دفين، أو سرّ غريب، زاد من غموضه رائحةُ العطر الذي كانت تتعطّر به دائما، لأنه قريب إلى حدّ ما من رائحة الشامبانيا. لقد كانتْ تحاول أن تخفي شيئا ما بهذا العطر، وكنتُ أشعرُ كلما التقيتُ بها أنّها تتحرّج من مُعانقتي. كنتُ أعلم أنها مثلي على قدر عال من الحساسية، وأنّها ربّما شعرتْ بما كنت أحاول أن أفهمهُ عنها، فأنا إذا ما أحببتُ شخصا ما، صديقا كان أو أخا، أو أختا، أو زميلا، أطلقتُ العنان لقلبي كي يجسّ نبضَ قلبه وفكره حتى إذا ما لمستُ جرحاً حاولتُ تضميده وإن بطريقتي الخاصة، أيْ بشكل لا أجعلهُ يشعر بمرهم المحبّة بين أصابعي. لمْ أكن أبدا لحوحةً مع كيارا، لكني لفترة ما أدمنتُ قراءة أشعارها، فقد كانت شاعرة أيضا، والبديعُ في كلّ هذا أنني كنت أجدُها عاشقة للمسيح في كل سطر من سطور كتاباتها وإن لم تكن تذكر اسمه أبدا، الشيء الذي كان يدفعني إلى التساؤل دائما: كيف لأستاذة فلسفة شيوعية ملحدة، لا تعترف بأيّ دين تماما أنْ تكون على هذا القدر من الصوفية والعرفانية، بل أنْ تكون قادرة على هذا النوع من العشق العجيب الذي يربطُ وعيها الباطن بالمسيح؟! أعلمُ أنّ الأمر يتعلّقُ بسؤال مُحرج تناقُضِيّ، لكنني وجدتُني أصطدم به لمرّات عديدة ومعَ أكثر من شخص من المثقفين الملحدين، أجل يا أحبّتي، هؤلاء الملحدون غالباً ما يحملون بدواخلهم إيمانا يهدّ الجبالَ، إيماناً لا يمكنُ أن يراهُ إلا ذوو البصيرة الذين يخترقون بقلوبهم الأشكال الخارجية الزائفة وينفذونَ إلى عمق الرّوح. والغريبُ في الأمر أننِي كنتُ دائما ما أبتسمُ إذا ما صادفني ملحد ذو ثقافة عميقة يجادلني في الله، ذلك أنني كنتُ أرى الله في قلبه كلّما أصرّ هو بلسانه على إنكاره: هؤلاء الشريحة من الملحدين، غالبا ما تقول ألسنتهم ما لا تبوحُ به قلوبهم، أشعارهم تقول هذا، كتاباتُهم الفلسفية العميقة، ولو أن الخلائقَ توقّفتْ ولو قليلا لتسمع كلام القلوب، لما تمّ تكفير أحدٍ أبدا، فلا يوجدُ على وجه الأرض كلها إنسان أو شيء كيفما كان نوعُه أو طبيعته إلا ويعرفُ اللهَ ويعترفُ بهِ، إلا أنّ للخالقِ تصاريف في تسيير شؤون كونه، فشاءَ أن يظهر اسمه على عبادٍ، ويبقى خفيا في أصْلُبِ عباد آخرين، وإلاّ فما معنى قوله جلّتْ قدرته في الآية 44 من سورة الإسراء: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا»؟!

كيارا كانتْ من هذا النّوع منَ العباد، أعني أولئك الذين يسبّحون بجسدهم، ويحملون الله في قلوبهم، ويكتبون عنه في أشعارهم بأسماء مختلفة غير اسمه الصريح، لكنّها حينما تكونُ بين الناس، تقول عكس ما يضمره جسدُها وكلّ ما فيه من خلايا. كيفَ عرفتُ ذلك؟ زيارة بسيطة على غير ميعاد إليها في بيتها، فقد سمعتُ أنها مريضة وذهبتُ لعيادتها، وحينما فتحتْ لي الباب، وجدتُها تعيشُ في بيتٍ بسيط هي التي كان بإمكانها أن تعيشَ في فيلا مرفهة، وتكون عندها السيارة الفاخرة والخدم والحشم، لكنّها رضيت بالقليل، بحياة الزهد والتقشف، وحينما جلسنا معا في صالون الضيوف، رأيتُ فوق المائدة ما أكّدَ لي كلّ ما كنت قد ذهبتُ إليه من تحليللات عن شخصيتها العزيزة: أربع قنينات فارغة من البيرا وأخرى نصف ممتلئة من الويسكي، وكأسا واحدة وحيدة تدلُّ على أنّ من شربَ كلّ تلك الكمية من الخمور هي وحدها ولا أحد آخر غيرها. ارتبكتِ كيارا حينما لمحتْ عينيّ تستقران على ما فوق المائدة، وحاولتُ أن أحوّل عينيّ لكن دون جدوى فكيارا كانت على قدر عال من الذكاء وسرعة البديهة فبادرتْ تتحدثُ دون أن أدعوها مباشرة إلى ذلكَ: «آسفة سيدتي أسماء، أعلمُ أنك لا تشربين الخمرة، وأنك تسهرين على سلامة معبدكِ الذي هو جسدك من تلويثه بالخمور، لكن ما العمل يا سيدتي فأنا قد أدمنتُها، وما إن أجدُ نفسي وحيدة في البيت أشرب منها ما يكفيني، وخاصة إذا كنتُ متعبة، أو بي حالة معينة من الإحباط والحزن الدفين، وأنا في هذه الفترة أشعر بأنني الخميرة التي منها خُلق الحزن والاكتئاب!». صدمتني كلماتها وأشعرتني بنوع منَ التقزّم، أجلْ فأحيانا تديّنُ الإنسان التقيّ يجعلهُ يشعرُ أمام الناس المتألّمين والموجوعين بالحرج والدّونية أيضا، بالضّبط كما يشعرُ الإنسان الصحيح السليم وسط المرضى، فماذا سيفعلُ لهم؟ أليس من الأفضل أن يختفي من أمامهم حتى لا يشعروا بآلام متضاعفة أخرى! أنا أيضاً لي آلامي وأوجاعي، لكنني حينما رأيتُ كيارا على صورتها الحقة شمعةً عارية أمامي تبادرتْ إلى ذهني في تلك اللحظة صورة شخصين؛ واحد منهما فقير عاش حياته يمشي حافيا بين الناس وفي الأسواق، والثاني مريض كسيح بدون قدمين. هل يا ترى كنتُ أنا في تلك اللحظة ذاك الرجل الأول أعاتب إلهي لماذا قدّرَ عليّ أن أعيشَ هكذا حافية القدمين دون أن أنتبه إلى أنه بجانبي يوجد شخصٌ آخر بدون قدمين يدعو الله صباح مساء لو منّ عليه بقدمين تُمكّنَانِهِ منَ التّجوالِ في ملكوت الله واكتشاف جمال الكون! أيُّ بؤس ابتلينا بهِ نحن بنو البشر؟ ما الذي يجعلنَا نحاكم الناس، ونصدر عليهم فتاوى مريضة تُنْتِجُها مُخيّلةٌ أكثر مرضا وعهرا من المرض والعهر ذاته؟ آآه يا لعُمقِ الألم، لقد ذبحتني كيارا، وهي تحاولُ أنْ تأخذَ القنيناتِ إلى المطبخ، لكنني قلتُ لها: «دعكِ من القنينات، وتعالي اجلسي إلى جانبي فقدْ جئتُ لأراكِ»، «أعلمُ يا عزيزتي، لكنني بحاجة ماسّة للحديث معكِ، منذُ زمن وأنا أفكر في هذا الأمر، أعني في التنفيس عمّا بداخلي من آلام لكِ أنت وحدك دونا عن غيرك، فأنتِ مرفأ السلام يا أسماء، وأمامكِ وحدك أستطيعُ أن أتعرّى بدون حرج».

كلمات كيارا هذه جعلتني أفهمُ لماذا منَّ عليّ الخالقُ حينما كنتُ صغيرةً بكُلّ تلك المَشاهد العارية في طفولتي، المرأةُ المُسنّة التي كانت تمشط شعرها عارية أمام عتبة البيت، الفتاةُ المجنونة التي كانت كثيرا ما تفرّ من المصحة العقلية لتبثّ الخوف في الناس، رجلُ النافذة العاري، ثمَّ مجذوب المدار. كلّ هؤلاء رأيتُهم اللحظةَ في كيارا، وما كان أمامي سوى أنْ ألتزم بالصمت وأتركَ صديقتي تتعرّى حتى آخر ثوب كانَ يحجب عنها الصفاء والطمأنينة والسلام. كانت كيارا وهي تحدثني عن أوجاعها مسيحاً جديدا مرفوعا فوق الصليب، وكنتُ أنا في تلك اللحظة مريما جديدة تُشبهُ تلك التي رسمها الفنان الإيطالي ميكيلآنجلو بوناروتي في لوحته الشهيرة بييتا (الشفقة)، للعذراء وهي تنتحبُ وابنُها بين يديها بعد أنْ تمّ إنزاله عن الصليب. أجل، كيارا في تلك اللحظة كانت ابنتي، وكنتُ أمَّها، مسحتُ دمعَها، وأخذتُها إلى السرير كي تنام قريرة العينِ، ثمَّ عُدتُ إلى بيتي وفي قلبي صلواتٌ وشموع أشعلتُها لأجلها، داعية الله أن يهبَها ويهبني السلام والطمأنينة الأبديينِ، وحمدا لله أن تحقّقَ الدعاء والرجاء، فقد تزوجتِ كيارا برجل يعشقها إلى الجنون، ونسيت الآلام التي كانتْ تعاني منها منذ ريعان الشباب بسبب قصة حبّ مستحيلة وفاشلة، وذهبتْ لتعيش في مدغشقر هناكَ حيث قضت نحبها جرّاء تشمّع الكبد الكحولي، وتركتْ خلفها ابنتين رائعتين وزوجا هو من أخلص خدّام المسيح في إحدى كنائس مدغشقر الجميلة: ألمْ أقلْ لكُم إنّ كيارا كانتْ تحبُّ المسيح، ولا تكتبُ سوى عنه، على الرغم مما كانت تدّعيه من إلحاد وما إلى ذلك، حتّى أنّها هي نفسُها لم تكن لتصدّقَ أنها في يوم من الأيام كانت ستصبح من أشدّ المحبين ليسوع، ومن أكثر العارفات اللائي كتبنَ فيه أجملَ الأشعار وأعمق القصائد!

يتبع، الحلقة الرّابعة (صديقي نيكولاس)

لا تعليقات

اترك رد