وليدنا الديمقراطي مشوه

 

مصطلح الديموقراطية كما هو معروف يعني بابسط تعريفاته بانه حكم الاغلبية الشعبية لنفسها وقد بدأ يطرح في السنوات الأخيرة في العراق بشكل كبير كنقيض لمصطلح الدكتاتورية الذي اخذ في التداول أيضا وهو الآخر بشكل كبير أيضا ليفسر بشكل أوضح معنى المصطلح الأول ولا نحتاج نحن كعرب وكمسلمين الى كثير من العناء لنثبت ان في تاريخنا الكثير من العلامات التي تدلل على اننا مارسنا الديمقراطية منذ وقت مبكر قبل الآخرين وعلى اقل تقدير منذ قيام الدولة العربية الإسلامية الأولى التي أرسى قواعد تأسيسها الرسول الأكرم محمد صلوات الله عليه وعلى آل بيته الأطهار كما مارس أجدادنا مبدأ التكامل والتكافل الاجتماعي فهذا ما اكدته شريعتنا الحنيفة ولنا في ذلك شواهد كثيرة لسنا في صدد اثباتها لانها واضحة ومعروفة للجميع وبهذا فنحن لسنا بحاجة الى من يعلمنا تطبيقها في بلادنا الا انها ومع الاسف معطلة وغير مفعلة بسبب ترسيخ ظاهرة حب التسلط والتنافس على الموقع الاول والقيادة والزعامة التي اعتبرناها الطريقة الامثل لتطبيق المباديء فانحرفت الامة وسادت حالات شاذة رسخت دكتاتورية الحاكم وتسلطه بل وذهب هذا الحاكم ليس الى توريث حكمه إلى خلفه بالقوة فحسب بل والى تثبيت متبنيات حكمه ومشاريعه على الشعب بالقوة واستخدام أساليب بشعة في قمع من يعارض طريقة الحكم وخضوع دولتنا إلى التفتيت والتجزئة كنتاج طبيعي للاحتلالات المتكررة وارتباط الحاكم الوثيق لا بشعبه بل بالمحتل منذ زمن طويل.

ولتطبيق مبدا الديمقراطية نحتاج الى الرجوع الى مبدأ اخر يتعلق بمفهوم الحرية وآلية تطبيقها وهذه تبدأ من الحرية الفردية بمختلف اتجاهاتها العمودية كحرية التعبير والاعتناق الفكري والديني والمذهبي وحرية الامتلاك والتنقل إلى آخره وأفقيا بما لا يتقاطع مع حريات الاخرين الذي يشتركون في الوطن فحرية الفرد تتوقف اذا كانت تتقاطع مع حرية الشركاء لان المجموع اهم من الفرد الذي هو جزء من المجموع لذلك فان حريته (أي المجتمع) أوسع واشمل من الحرية الفردية وما يعنينا هنا تطبيق الديمقراطية وفق احترام رأي المجموع لاختيار القرار المناسب في تشكيل حكومة الشعب الديمقراطية التي تستجيب لمتطلبات شعبها .

والحكومة الديمقراطية لها وسائل في اختيار أدواتها وآليات في عملها لتكون حقيقية وتحصل على حماية شعبها وأولها أن تكون منتخبة من الأكثرية مع احترام رأي الأقلية ولكن ما حصل في العراق خالف مع الأسف هذا المفهوم لان أساس بنائه كان قائم منذ البداية على خطأ فتم اختيار مفوضية يفترض أنها مستقلة للانتخابات وفق مبدأ المحاصصة لا وفق مبدأ المواطنة وهذا نتاج طبيعي لعدم ثقة الشركاء في مؤسسات الدولة القيادية ببعضهم رغم إنهم يتقابلون ويلتقون ويمارسون علاقات ظاهرها غاية في التودد والحب والاحترام ولكن بواطنها غاية في عدم الثقة والتنافر وربما غاية في الحقد وكلما أضيفت دورة انتخابية جديدة كلما اتجه البلد إلى مزيد من التنافر الكتلوي الطائفي البيني داخل الطائفة الواحدة ومع الطوائف الأخرى وهذا ما يفسر الانشقاقات التي حصلت طيلة الفترة الماضية أضف إليها حب التسلط والتمسك بكرسي الحكم الذي يوفر الحماية والامتيازات الهائلة حتى وصل عدد الأحزاب التي طلبت المشاركة في الانتخابات إلى ما يزيد عن المائتين منها كحزب أو كيان بين كبير وصغير .

البرلمان الذي انتهت دورته كان مقسم على أساس الطائفة وعلى أساس القومية وطيلة فترة عمره كانت طريقة عمله على هذا الأساس ونتذكر جميعا صراع الكتل في طريقة اختيار مفوضية الانتخابات والجدل العقيم والسجال الذي دار خلالها حتى أنتجت هذا الوليد المسخ الذي شوه الصورة الجميلة للانتخابات التي كنا نطمح لها وبالتأكيد إن أعضاء مجلس إدارتها غير الموقرين كان يقف ورائهم من يمتلك السلطة القوية ليدعمهم ويوفر لهم الحماية ويؤيد خطاهم غير الموفقة في ابتزاز المرشحين للانتخابات طوعا أو كرها حتى تغولوا وصاروا يتحدون كل السلطات التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية ويصرحون بما يحاولون به استغفال الشعب الذي بات يعي كل خطوة لها أو لغيرها.

الآن وبعد أن انكشف المستور وبانت فضائح مفوضية الانتخابات في التزوير ليفوز هذا ويفشل ذاك باستحقاق أو دونه اشرها جميع قادة البلد وبعد قرار البرلمان بالاستغناء عن الأجهزة الالكترونية وتسليم المفوضية إلى القضاء واللجوء إلى الطريقة القديمة في العد والفرز اليدوي وبعد حرق أصوات الناخبين أصبح البلد في حالة يرثى لها ضاعت فيه الديمقراطية وحرية المواطن في اختيار من يمثله في البرلمان الجديد وحكومة وطنية منبثقة عنه لابد من ضحية تتحمل هذه النتائج فالجميع يحكمهم توقيت زمني وجهود كبيرة ضاعت وأموال طائلة أنفقت وزادت سمعة البلد في السوء كبلد لا يحترم تشريعاته إضافة إلى سمعة الفساد المالي والإداري التي يعرفها كل العالم وزاد في تدني سمعة بلادنا الخلاف الواضح بين الحكومة والشعب من خلال التظاهرات التي انطلقت ترفض بوعي عالي هذا الواقع في كل مدن وسط وجنوب البلاد أو اغلبها فالحكومة لتصريف الأعمال ولا توجد جهة تشريعية تلبي مطالب الشعب حسب الدستور وعجلة الأيام تدور بسرعة وقادة الكتل السياسية لهم شغلهم الشاغل للوصول إلى المقاعد البرلمانية ومن ثم مقاعد الحكومة المقبلة والشعب له واديه الذي يرفض الانتظار ويرفض الاعتراف بمخرجات الانتخابات كما يرفض الاقتراب من الحكومة الحالية لأنه لم يلمس منها خلال سنوات عمرها الأربع الماضية ما يعزز تبادل الثقة وهذا ما أكده بان كوبتش ممثل الأمم المتحدة في العراق لذلك أصبح من المهم بل الواجب الرجوع إلى تشكيل حكومة مؤقتة برعاية دولية تؤسس لبناء دولة عصرية قوية وفق أسس نموذجية طرحها الجميع بمواصفاتها تحمي المواطن وتلبي مصالحه الوطنية أولا .

أيامنا القادمة حبلى بكثير من الأحداث والمفاجئات خصوصا بعد إعلان نتائج العد والفرز وان غدا لناظره لقريب.

المقال السابقبقايا نذور
المقال التالىارتباط التكنولوجيا بالتعليم
لاسم/ رقيب عبد الرحمن المطيري التولد / 1957 التحصيل الدراسي / بكالوريوس آداب / قسم التأريخ المهنة / متقاعد اعشق العراق وشعبه بجنون ولا فضل لي بهذا اكتب ما أراه يخدم شعبي وتنشر لي بعض المواقع والصحف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد