اللحظة اليابانية.. الـ«هُنا» و«الآن»


 
الصدى - اليابان

هل توجد آسيا واحدة؟ سؤال يواجه الزائر إلى عدد من بلدان آسيا مثل اليابان والهند والصين، ومع وجود مشتركات ومقتربات، لكن هناك مفترقات ومختلفات، فحسب المفكر الفرنسي أندريه مالرو: لا يمكن وضع آسيا كلّها في سلّة واحدة.

مناسبة هذه الاستعادة هي زيارة غير مسبوقة لوزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري الذي وصل إلى هيروشيما، قادماً من أفغانستان للمشاركة في اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، وهي أول زيارة لوزير خارجية أمريكي على الإطلاق لهذه المدينة التي ذاقت القصف النووي. الزيارة تأتي تمهيداً لزيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما (الشهر المقبل، مايو/‏أيار، 2016). الحديث عن هيروشيما هو حديث ذو شجون لما يثيره من آلام وأحزان وذكريات مريرة، فالمدينة تعرّضت للتدمير يوم 6 أغسطس/‏آب العام 1945 حين تم استهدافها، ووصل عدد ضحاياها إلى أكثر من 140 ألف قتيل خلال بضعة أشهر، ومات خلال أيام نحو 70 ألفاً منهم.

وإذا كانت تلك إحدى المفارقات التاريخية، فهناك مفارقة أخرى هي أن اليابان عاشت لنحو قرنين من الزمان عزلة تامة عن العالم الخارجي وأغلقت حدودها، فلا غريباً يدخلها ولا يابانياً يغادرها. واستمر الوضع على هذا المنوال حتى أواخر القرن التاسع عشر، حيث شهدت حركة انفتاح وطائفة من الإصلاحات لإعادتها إلى المجتمع الدولي، وهكذا اندفعت بقوة نحو الخارج متخطّية آسيا برمتها ومتجهة إلى أوروبا وتحت شعار «فلنترك آسيا لنلتحق بالغرب».

عند زيارتي لليابان بقيت أبحث عن الجوامع التي تربط اليابان بالآخرين وفي الوقت نفسه، تفرّقها عنهم، مع اهتمام خاص بالمشترك الإنساني الذي يعظّم الجوامع ويقلّص الفوارق. وكانت الموسيقى أحد جوانب الاجتماع الإنساني. وعرفت أنه لا يوجد شعب تتملّكه الموسيقى مثل اليابانيين، وهي لغة جامعة بين مختلف الشعوب. وإذا كانت حفلات لجوقات موسيقية تقام في برلين وفيينا وسالزبورغ، فإن جموعاً بالآلاف من اليابانيين يقفون ليعزفوا السمفونية التاسعة لبيتهوفن. ومنذ عدة أعوام نستمع سنوياً في بيروت في المركز الأكاديمي الياباني، التابع لجامعة القديس يوسف، إلى الموسيقى اليابانية ذات الشجن الخاص. وبقدر ما تكتشف آسيويتهم، ففي الوقت نفسه ترى مدى قربهم من الغرب، وبقدر ما يفصلهم عن آسيا (الأخرى)، فإن بعدهم عن الغرب يزداد اتساعاً.

أحياناً يضيع علينا الحساب أين ينتمي الياباني؟ فهو آسيوي وغريب عن آسيا، وهو يتوجّه إلى الغرب، لكنه يبقى بعيداً عنه بمسافة شاسعة، ولكنك حين تمضي في قراءة كتاب السفير اللبناني السابق في اليابان سمير شمّا الموسوم «اليابان.. أمريكا ونحن» تدرك حينها، ثمة فرادة وتميّز هي التي يتمسّك بها اليابانيون، باعتبارهم يابانيين وليس غير ذلك. لقد أخذ اليابانيون، الحداثة من الغرب، أما الروح فبقيت شرقية، أو دعنا نقول يابانية، تعترف بالتعدّدية الروحية والتنوّع الثقافي وتؤمن بالتسامح مع مختلف المعتقدات لأنها تقوم على تعدّدية الآلهة. وما يفكر به اليابانيون هو اللحظة الراهنة، ولا شيء سواها الهُنا والآن بالذات، في حين أن الحضارات الأخرى، لاسيّما الأديان السماوية تؤمن بمفهوم الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، بل إنها ظلّت تبحث عن معنى الخلود تاريخياً، بمعنى الحياة الأبدية الثانية، في حين إن الياباني غير مكترث بها. المدخل للهُنا والآن هو التربية والتعليم، حيث بلغت نسبة التعليم في اليابان العام 1907، 97%، وكانت الخطة تقضي منذ أواخر القرن التاسع عشر مدّ التعليم إلى الريف والقضاء على الأمية تماماً، وهي أول بلد آسيوي تمكّن من ذلك، حيث ازدهرت الزراعة، وحسب تعبير برتراند رسل – كانت اليابان متخلّفة اقتصادياً، لكنها لم تشعر بأنها متخلّفة ثقافياً، ولاحظ جان بول سارتر خلال زيارته لليابان، أن اليابانيين حتى الذين يتسكعون في الشوارع، فإنهم يقرأون كتباً.

جدير بالذكر أن أكبر طبقة وسطى في العالم هي موجودة في اليابان، إذْ تبلغ نسبتها حسب سمير شمّا 92%، الأمر الذي يمكن أن نطلق عليه «أمة الطبقة الوسطى»، وهذه الطبقة هي التي حقّقت المعجزة الاقتصادية، في أقل من جيلين، حيث نهض اليابانيون مثل طائر الفينيق من تحت الرماد، فقد تحالفوا مع الحلم، وظلّ «الحق في الحلم» شعاراً لكل ياباني، وهو حلم للواقع المُعاش وليس الما ورائي، وفي الوقت نفسه هو الحلم الذي يتجاوز المأساة، بالنظر إلى المستقبل دون البكاء على التاريخ.

لا تعليقات

اترك رد