الفضاء بين الشرعيّة والشعريّة في مجموعة “أوزار ” القصصيّة ” ج 1


 

الفضاء بين الشرعيّة والشعريّة في مجموعة “أوزار ” القصصيّة ج 1
للقاص إبراهيم مضواح الألمعي

قد يكون اختيارنا لدراسة الفضاء الأقصوصي في هذه المجموعة من باب الاهتمام بهذا المبحث أولا لما ظهر لنا من قيمة في الحفر عن مواطن الجمال واستجلاء شعريّته فيه. ثمّ والأهم فاختيارنا نابع من قيمة الفضاء هذا الذي يمثّل إطارا حكائيّايحتضن الأحداث ويستقطب جماع اهتمام الراوي باعتباره البؤرة الضروريّة التي تدعم الحكي وتنهض به في كل عمل تخييلي وهو أمر يجعلنا نفكّر مليّا في مدى فاعليّة الفضاء أمام قيام شعريّة ناجزة للخطاب الأقصوصي كبحث في تكونه وعلائقه ووظائفه مما يجعله قادرا أن يوليه الاهتمام اللازم شأن بقية المقومات الأخرى. بهذايتجاوز كونه مجرد وسيلة صالحة للسرد وأداة للزينة أو مجرد خلفية للأحداث إلى اعتباره مكونا فنيا وعنصرا مهما يسهم في تشكيل العالم القصصي. وهذا ما يجعله لا يقف عند الحدود الجمالية والظاهراتيّة بل يكتسي أبعادًا سيميائيّة يكسبها قيمة أكثر ودورا أعمق في علاقة وثيقة بجملة المقومات والآليات القصصيّة الأخرى فتتجاوز الوظيفة الإنشائية التي تجعل منه مجرد حلية فنيّة إلى الوظيفة التأثيريّة الانفعاليّة التي تؤسس شعريته وتضع له قانونا سيميولوجيّا يوجّهه الوجهة التي تحدّد حقيقة وجوده في الخطاب. فهو الذي يوجّه الشّخصيّة ويرسم مغامراتها ويحدّد البرنامج السردي ليتحوّل إلى علامة تحدّد هوية المنجز ووجوده وهو أمر يشكّل أدبيّة النص القصصي ويدعم شعريّته. فالأقصوصة بما هي ” شكل مختصر ، هي شكل بسيط ، وهي لا تحدّ بأصناف الموضوعات بقدر ما تُحدّ بطريقتها في عرضها ” ترتبط بجملة من الخصائص المائزة التي تضبط حدودها فالقيمة الأساسيّة فيها تحقيقها الهدف المرغوب فيه منها التأثير ووحدة الانطباع . يقول أندري جيد (1869-1951) ” وُضعت الأقصوصة من أجل أن تُقرأ دفعة واحدة ” ويعلّق إدغار ألان بو (1809 -1849 ) هذا الجنس القصصي بوجوب الحقيقة التي يحدّها بالميل إلى الوحدة :” ولهذه الغاية يجدر أن تكون الأقصوصة قصيرة محدّدة في الفضاء ( أي نازعة إلى التّكثيف ) خاضعة بالكامل للأثر الحاد الذي تنتجه عند حلّ العقدة” وبهذا ترتبط الأقصوصة بمبدأ التكثيف الذي يجعلها في علاقة خاصة بالفضاء تختلف عن علاقته بالرواية مثلا . وهو أمر ندركه من خلال اتفاق شبه تام بين العديد من السرديين وذلك في ميل الفضاء الأقصوصي إلى التقلّص والضيق حتى بلوغ الأقصوصة نهايتها وكلّما اقترب سارد الأقصوصة من هدفه، ازداد الانحسار شدّة وتمثّل القارئ الفضاء المفرغ الذي يتقلّص إلى أقصى حد بحكم ” الضغط ” الذي يسلّط عليه من كل جانب ، والذي تسعى الكتابة من جانبها إلى محاصرته كي تزيله إزالة “. ومع هذه الخصائص قد يلتزم القاص بقواعدها أو قد يتجاوزها ولكنّه في النهاية يكسب نصه خصوصيّته الفعليّة مهما تشابهت تجربته بتجارب الآخر. وهاهنا يمكن الاطمئنان إلى القول بأنّ “الأقصوصة بأل التاجيّة غير متوفّرة ، وليس يوجد إلاّ الأقاصيص بالجمع ” وربّما القراءة هي التي تحدّد هذه الخصوصيّة والتّفرّد والعمل على استجلاء مواطن الجمال فيه. يمكن أن نحدد مكونات الفضاء وعلاقاته بجملة آليات القص وعبرها نستجليجملة الخصائص المائزة التي تحدّد مواطن الشعريّة فيه. قد يكون الفضاء أحد المداخل لخصوصيّة النصّ. وهاهنا قد يجرّنا الحديث عن الفضاء بين الشرعية والشعرية في عمل القاص إبراهيم مضواح الألمعي : “أوزار ” لتكون المحاورة بين الخطاب والخبر من ناحية وبين المكتوب والمسكوت عنه من ناحية ثانية، وكيفية المصالحة بين هذه المقابلات التي تجعل من نصوص هذه المجموعة تكتسب مشروعية الجنس القصصي وإمكانيّة التفرّد بروح النص من ناحية أخرى. هاهنا يجرنا الحديث عن مفهوم الفضاء الذي يرتبط بالإنسان كما قال غابريل مارسيل:” إنّ الإنسان غير منفصل عن فضائه ، بل إنّه الفضاء نفسه .” وهو قول يجعلنا نعاين هذه المسألة غير بعيدين عن المجال الفلسفي وجليّ أن الشكل الفضائي وثيق الصلة بالتفسير الفلسفي والعلمي ونخص الفيزيائي منه. ولكن الدراسات الأدبية لم تصل لطرح نموذج نظري في تحليل الأعمال السرديّة خاصة مما يوسّع آفاقه. وفي مجموعة ” أوزار ” قد لا نتحدث عن فضاء ولكننا نتحدث عن فضاءات تتراوح بين المعلن والمضمر.

قد يكون الفضاء هو الظاهر والواضح للعيان والحيّز الموصول بالمشاهدات الحسّيّة يرتبط بما هو جغرافي وهندسي، من هنا قد نتحدّث عمّا اتصل أوّلا بالمستوى النصّي حين بدت الصفحة فضاء بياضها وسوادها وهو ما يجعلنا نتحدث عن النص وعتباته أمام ثنائيّة الخارج والداخل.

وأوّل ما يطالعنا الغلاف : يحتوي على ثنائية المصور والمكتوب. وأول مظاهر شعريّة الفضاء في هذه العتبة اختيار الصورة وهي لوحة للفنان التكعيبي الروسي أندريه شوستوف Andrey Shustov مثلت إحدى أعماله التركيبية التي تتميز بألوانها الزاهية وشخوصها السّاخرة. قد يكون اختيارا صائبا ومتقنا يجعل مدار السؤال كبير يتحرّك في ذهن الفنان التشكيلي والسارد. كلاهما ركز على الشخصيّة وجعلها مدارالحدث الدرامي الصوري والمنطوق. وما يطالعنا في لوحة الفنان أندريه شوستوفاستئثار الشخصية بفضاء اللوحة مما جعلها مركز الثقل فيها تختزل تمظهرها فيه وفق هندسة توازناتها التّشريحية ، عبّرت عنها أشكال مجسّدة وهي أشكال هندسيّة مثّلت أساس البناء المشهدي في اللوحة تحوّلت فيها هذه الأشكال إلى مساحات هندسية مسطّحة متينة البناء تنشأ منها قيم جمالية في خضم اللون والخطوط التي تفرض مساحة خاصة وحدودا لكل عضو أو منطقة لتواري جملة المكوّنات التّعبيريّة وتجعلها جاهزة فقط للتطلع إلى المجهول النائي دون النظر فلا تمنح بذلك التفاصيل فرصة للتّصريح بهذا يغادر الفنان المشهدية الواقعية لتصبح بقعا تتماسك في الفضاء لتعبر عن انفصال في الرؤى مما يضعنا للوهلة الأولى أمام شعريّة ناشئة من تشكيل وفني وقراءة واعية. وهذا الاختيار للقاص أمام فضاء مختلف عن الواقع هو فضاؤه الذهني الذي ينظر إلى الوجود بعيون مفارقة تنسج فضاء المنشود، ولكنّه فضاء مغلق كسيح مشابه لقرفصاء الشخصية في اللوحة فلا يحس الناظر بطبيعة الحركة أو الهواء الذي يتحرّك على جسد اللوحة. وهذا من شأنه أن يضعنا أمام إيقاع بطيء ينفتح على زمنية اللحظة الإبداعيّة المتوتّرة وحركة الرأس المراقِبة في صمت ، لعلّها حركة الفكر العاجز عن القرار أمام انكسارات الواقع وهاهنا نقف إزاء أول وزر من “أوزار” الكاتب وهي محدودية الفعل الانساني الذي لم يأخذ من إرادة سيزيف غير ظلالها ، وهو ما يظهره الخطان المائلان الأول العلوي الذي يدحرج الرأس عوض الصخرة إلى الأعلى ، ولكنها حركة بطيئة كالموت تنبئ بمحدوديّة الفعل فتجعل الصراع كائنا بين مطلق الإرادة وحدود الإمكان وهذه الصورة للرأس تذكّرنا بعين السارد في خطابه حين يعجز إلا عن نقل الحدث ويتابعه بصمت . هنا تنبجس ثنائيّة من مكونين أساسيين في الشخصية الرأس الذي يرمز إلى الفكر والعقل المتحررين من قيود الواقع والجسد الذي يرمز إلى الركود والانبتات ، جسد آمن بهيئة راضية يطبق فيها اليدان على باقي الجسد كتعبير عن الاطمئنان والرضا. هذا التشظّي يجعل الذات تتردّد بين الألوهيّة والحيوانية وهو ما عبرت عنه ثنائية الواجهة والخلفية التي تظهر فيها صورة لرأس الجمل بما فيه من رمزية عالية لعلها تعبر عن البعد الحيواني الذي يعيش في اطمئنان لا يثيره قلق السؤال. نضيف إلى ذلك ثنائية النور والظلمة ، نور المعرفة وظلمة الجهل وهذا التراكم للثنائيات يجعلها تتجاوز البعد الضيق الواقعي لتحلّق في فضاء فسيح هو فضاء التجربة الانسانية المطلقة. إنّه اختيار الكاتب فهل يمكن أن تكون هذه الوضعيّة على مستوى الرؤية والتبئير في المجموعة القصصية هي نفس وضعية الراوي ؟ يمكن أن نقف إزاء صورة مشابهة في نصوص المجموعة ….

.يتبع …..

المقال السابقالخلاص ..
المقال التالىقصف مغناطيسي ج 1
خيرة مباركي ..تونسية -جزائرية (من أب جزايري وام تونسية )أستاذة في اللغة والآداب العربية .. متحصلة على الإجازة في الأدب العربي القديم والحديث وأحضر للماجستير في النقد الادبي .. فنانة تشكيلية وناقدة مع محاولات في الشعر ..عضو في الواحة الدولية للفنون والآداب وفي فنانون بلا حدود مع الدكتور الفنان الرائع....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. الكاتبة القديرة خيرة مباركي المحترمة
    قراءتك النقدية رائعة بكل المقاييس ، اعتبرت القسم الأول منها بمثابة مقدمة للدخول إلى عوالم المجموعة القصصية بدءاً من التعريف اللفظي للفضاء القصي مروراً بالتحليل الراقي لصورة غلافها ، أعتقد أن قسمها الثاني سيكون باختيار نماذج من قصص المجموعة لغرض مطابقتها مع ما تحدثت عنه في القسم الأول منها .
    تحياتي وتقديري ..

اترك رد