بين غادتين في الصحراء

 

سيضحك أكثر الناس ويقولون: أضغاث أحلام ، وخيالات شاعر مريض…
وسيبكي بعض الناس ويقولون : بل هو الحق ، بل هو الواقع.
وسأنظر إلى هؤلاء وهؤلاء ..وأقول من يدري؟
منذ سنوات كان يحبها وكانت تحبه . ومنذ سنوات ليس بينهما غير نظرات يحملن شوقا عنيفا تقول واحدة لأختها : ما أحلاك ، وتقول الثانية للأولى : ما أعذبك!
نظرات ليس بينها وبين الجنس علاقة قريبة ولا بعيدة وإنما تنقل خطرات الروح ورعشة الفؤاد . كانا يجتمعان كثيرا ، ويحلمان بالحب كثيرا فلا يمد إليها يده إلا في خشوع ، ولا تقدم إليه فمها إلا في ابتهال ، وكأن هذا الحب بينهما ليس حبا بين ذكر وأنثى  أو حبا بين مخلوقين يعيشان ويتحركان ، وإنما هو حب بين عبد ومعبود ، بين عاشقة ومعبودها ، حب مسيحي للعذراء أو حب هندية لبوذا  أو حب صينية لكونفوشيوس.
وكانا يجدان في هذه العبادة أحلامهما البعيدة. لم يتصور مرة أنها عارية ولم تتصور مرة أنه عار. كان يرى فيها نموذجا للجمال والرشاقة . وكانت ترى فيه نموذجا للرجولة والقوة. كانت متزوجة وكان متزوجا ، وكانت قانعة تألف زوجها وترضاه لها وكان قانعا يألف زوجته ويرضاها له.
لم يكن بينهما إلا أنهما متفاهمان في الروح وفي الاتجاه وفي الإرادة. كان من الممكن أن يكونا أخوين ، لكن الأقدار جعلت لكل منهما أبا وأما.
ومضت السنون تعقبها السنون وحبهما يزداد عمقا وضراوة كان إذا ثار في بيته من أجل حادثة تستحق الثورة هبطت صديقته عليه من السماء نعمة كبرى ، فإذا النار تخمد ، وإذا البيت يعود إليه الهدوء ، وإذا السعادة تغمره ، وإذا هو ضاحك مستبشر طلق المحيى ، لا يرى ما يبرر ثورته ولا ما يدعو إلى غضبه. لكنه انتزع قلبه القديم الممزق القديم ليضع له قلبا جديدا غضا طريا كقلوب الأطفال.
وكانت إذا ثارت بزوجها وغضبت من عيشها المرنّق وحياتها الضيقة ، وأولادها الخبثاء ، فهربت من البيت إلى بيت أهلها وأقسمت ألا تعود إلى زوجها ، طرق عليها الباب وقد أخبره الزوج بما صنعت : فإذا هي تأخذ بيده ، وتركب معه سيارته وتعود إلى بيتها راضية هانئة هادئة مطمئنة ، وكأن شيئا لم يزعجها ، وكأن ضيقا لم يلم بها، وكأن أولادها عادوا عقلاء ، وتنبسط الحياة من جديد أمام عينيها مشرقة براقة ، كلها حب ومرح وسعادة.
وأحسا يوما أن عليهما أن يثورا على قدرهما وأن يثأرا لنفسيهما. السنوات تتابع ، والعمر ينقضي وهما يزدادان حبا وشغفا  ، ولكنهما لا يتمتعان بشيء من نعم الحب ، أليس حراما أن تكون لغيره ، وهي كلها له ؟ أو ليس حراما أن يكون لغيرها وهو كله لها ؟ لم يدر في بالهما أن يتحدثا في هذا الموضوع ، وكأن نظرتيهما نقلتا ما في قلبيهما ، وقررا أن يلتقيا ، وأن يكون أحدهما للأخر مرة واحدة في العمر على أقل تقدير ، ومن يدري لعل وراء هذه المرة مرات.
قالت له : سأزورك الليلة. وكان منذ أيام لوحده في البيت.
جاءت إليه ، وقد خرجت من الحمام ، ولبست أحسن ثيابها ، وتعطرت. وفتحت الباب ودخل.
استقبلها بين ذراعيه ، دافئة ، طرية ، كلها نشوة ، وشهوة.
وجعل يقبلها . وحملها إلى غرفة الضيوف.
قالت : ولم لا تحملني إلى هناك…إلى…
كانت تجاهد نفسها …وكانت تلهث…وكأنها متعبة ..
أغلق فمها بيده وقال : عما قريب…وألقى بها فوق الأريكة ؟
جلسا يتحادثان …
كانت الغرفة واسعة فخمة الأثاث ، جوها شعري رائع…وكانت الأزهار التي لم تكد تخلو منها الغرفة يوما من الأيام ، تنشر في الجو عبقها اللذيذ ، وهنا وهناك على الجدران تطل في أناقة لا حد لها ، لوحات منسوخة لعدد من كبار الفنانين  ، بل كانت لوحة واحدة أصلية لفنان من أكبر فناني العالم ..بيكاسو .
وهدأت أنفاسها ، وجعلت تتحدث في هدوء ، ودار الحديث حول حبهما…
كان حديث حبهما قصة لا تنتهي : ألوف من الأشياء الصغيرة ، ألف لون من ألوان الحنان العذب ، مسكة باليد عند تسلق جبل ، شربة بالكف عند ورود نبع ماء ، كلمة حلوة عند تعثر قدم ، زيادة النار في الموقد عند برد ، إدخال لقمة طيبة عند زيارة ، نفض غبار معطف عند هبة ريح ، أشياء وأشياء صغيرة كانت أغلى على النفس من كل ما في الحياة من أشياء كبيرة.
وطال بهما الحديث وتبادلا عددا غير قليل من القبلات ، كانت تبدأ في حماسة وتنتهي في حماسة… وبينهما فترات من السكون تقل أحيانا فتطول..وتتصل أحيانا فتقصر ، لكنها تفرض نفسها في كلتا الحالتين فرضا.
وبدأ تخلع ثيابها..بدأت بمعطفها، فألقت به على أريكة أخرى ، ثم فكت أزرار ثوبها الضيق ، وجعلت تتنفس في عمق ، وهو يراقبها ..وكأنه لا يرى شيئا وخلع مبذله ، وجلس عند قدميها وجعل يقبلهما ويخلع نعليها، ثم امتدت يده إلى الجوارب الناعمة  ، فضربته على يده ضربة خفيفة ، وأنزلت الجوارب عن  فخذيها ، وقالت : دونك فافعل بهما ما تشاء . خلع جواربها وقبل بكل ما يملك بقوة ساقيها ، وضمهما إلى صدره ، ثم وضعهما فوق وجهه وجعل يشمها …وبدا لهما أنهما الآن صارا حبيبين ، وعادا مرة أخرى يتحدثان ، هي فوق الأريكة ممدة وهو على الأرض جالس ، وكلاهما غائب عن الوجود وهما في الوجود .
وتسلل الظلام للغرفة وقام ليشعل النور فقالت دعنا غارقين في الظلام ، لعله يسترنا.
وارتجفا قليلا …ماذا يفعلان ؟
خلعت ثوبها ، وبدت في غلالتها الرقيقة ، نبيذا معتقا في زجاجة شفافة ، تكاد تشربها مع ما فيها من شراب ، بيضاء ، زهراء . خيل إليه أنه يمد لسانه فيلعقها …يلعق دمها في شرايينه الزرق… واشتد إليها حنينه …واشتد إليه حنينها… حملها خفيفة كالطفلة إلى السرير… وجلسا مرة أخرى يتحدثان.
ما هذا الذي يفعلان ؟
عشر سنين من الحرمان … يريد أن يطفئها في ليلة واحدة…في ساعة…ما أشد ما اشتاق لها…ربما مر في ذهنه  ، وزوجته في حضنه أنها الآن مع زوجها…وأنها متجردة له …وربما مر في ذهنا وهي في حضن زوجها أنه مع زوجته وأنه متجرد لها …وهما يريدان أن يتجردا لنفسيهما أكثر مما تجردا لغيرهما. يريدان أن يعودا مرة أخرى آدم وحواء…لا يعرفان حتى الآن أن هناك كان يسمى ثوبا ..أو أن هناك ورقة تين .
تركها على السرير، وجلس مرة أخرى عند قدميها ، وجعل يقبلهما…وامتدت الساعات تدق واحدة بعد واحدة وانتصف الليل ..فإذا هو ينهض فيثب على الفراش ويعانقها…لم يكن بينها وبينه إلا هذه الغلالة الرقيقة…لو شاء أن ينفخ عليها لطارت…وتمددا متعانقين في الفراش…دقت الساعة الواحدة…وإذا هو يهمس في أذنها : كفانا يا كاترين…لا نريد أن ندنس حبنا…دعي لنا هذا اللون من الحب العفيف…دعينا نعيش في أسطورة…مدت يدها إلى مبذله وقالت : كفانا يا روي لقد عبثنا بحبنا إلى حد ما…نحن لا نريد أن يتم علينا هذا العبث..لك زوجتك ولي زوجي…دع لهما ما لهما…ولنا ما لنا…كدنا اليوم نفسد ما عشناه من عشر سنين .
أخذ يدها يقبلها كأنما هو يقبلها للمرة الأولى. ثم أعطاها ثيابها واحدا تلو الآخر. البسها جواربها وتركته يرفعهما إلى فخذيها . قاما معا إلى المطبخ. جعلت تضع الطعام ، وتأخذ من البراد ما تشاء. ملأت له كأس نبيذ وملأ لها كأس ويسكي. وجلسا يأكلان ويتسامران .
وعندما خرج بها في سيارته في الثالثة بعد منتصف الليل وأوصلها إلى بيتها في لوف بوليفارد في لندن ، وفتح لها باب بيتها بيده وودعها وراء الباب بقبلة من يدها . عادا إلى فراشهما يحلمان. تذكرا ما صنعا. لم يندما أنهما تبادلا القبل. لم يندما أنهما تراجعا عندما كانا يمتزجان . أشرقت الشمس وهما ما يزالان يحلمان. مضت سنتان على هذا الحدث العجيب. وفي كل مرة يجتمعان كما في تلك الليلة . هو يصر على الجلوس على الأرض حيث كانت تجلس. وكانت دائما تحاول الهرب من الأريكة التي تتمدد فوقها …
وما يزالان يقتربان من الكهولة في خطى وئيدة. وأحسن ذكرياتهما ..تلك الليلة التي شهدتهما شيطانين ثم ملاكين..
كان إذا أشارت إلى تلك الليلة قال لها : يا حمقاء…وكان إذا أشار إلى تلك الليلة قالت له : يا مجنون …
سيضحك أكثر الناس ويقولون: أضغاث أحلام.. وخيالات شاعر مريض…
وسيبكي بعض الناس ، ويقولون : بل هو الحق ..هو الواقع…
وسأنظر إلى هؤلاء… وإلى أولئك…وأقول : من يدري؟

المقال السابققصف مغناطيسي ج 1
المقال التالى” الدكَة ” !!
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد