قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون


 

قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون
الآية الكريمة المذكورة في القرآن الكريم تتحدث في عن قصة نبي الله ابراهيم (ع). و هي احد اروع النماذج الفكرية البشرية.

فعندما كسر ابراهيم (ع) الأصنام و ترك اكبرهم، كانت تلك خطوة عملاقة في مظمار الفكر، حيث أنه اراد أن يعطي مجتمعه درس فكري حي، فلما اتهمه القوم بتكسير اصنامهم، لم ينفي ذلك عن نفسه بل اشار إلى كبير اصنامهم لكي يدلي بشهادته. و لما كانت الاصنام لا تنطق، لم يكن للقوم إلا الاعتراف بانهم لا ينطقون و انهم يعبدون اصنام جامدة لا حول لها و لا قوة. و لقد افسح ذلك المجال لإبراهيم بأن يلقي عليهم حجته.

إن في القرآن الكريم مواعض و حكم قيمة للبشرية، لا يجب البتة الاستهانة بها، بل بالعكس، يجب على كل عاقل أن يستقي من القرآن الحكمة و الفلسفة.
البحث عن الحكمة هي انبل الأهداف الفردية التي يمكن للإنسان أن يسعى إليها طوال عمره، فالعمر الذي يفنى في البحث عن الحكمة فذلك عمر غير مهدور.

لاحظ هنا بأن البحث عن الحكمة لا يقتصر على زمان او مكان محدد، بل يمكن أن نجد الحكمة في كل مكان و زمان. و على هذا الأساس يمكن أن نجد الحكمة ليس فقط في القرآن و انما في اي دين آخر و أيضا يمكننا ان نجد الحكمة في العلم بكل اشكاله.
ولكن يجب علينا دائما تذكر أن أي نص أو مصدر معرفة يحوي ايضا على الجانب الرمزي و السياق التاريخي و السياق المحلي، فلا يمكننا أن نأخذ بكل النص بحذافيره او ننفيه بحذافيره، بل يجب علينا أن نستعمل الحكمة لنستخلص ما هو مفيد و مناسب للوقت و الموقف المعين في زمانه و مكانه.
طبعا انا اعرف إن كلامي هذا يعتبر كفر حسب المنهج السلفي الذي يعتمد على ايجاد الحلول في ما فعله السلف الصالح، أيا كان الدين او المعتقد، فالسلفية هي منهج موجود في كل الاديان و المذاهب، فهناك سلفية مسلمة سنية و سلفية مسلمة شيعية و هناك سلفية مسيحية و سلفية يهودية و الى آخره.

بعد هذه المقدمة المهمة، ندخل بصلب الموضوع. في بداية هذا الأسبوع بدأ تنفيذ حكم السجن على الكاتب و المفكر الكبير (عبد ال) عزيز القناعي، و ذلك بسبب الحكم عليه بتهمة ازدراء الدين الإسلامي. و لقد كان عزيز القناعي قد اثار غضب المتعصبين الدينين في كتاباته و حواره الذي يتنافى مع منهجهم المتزمت و المنغلق على نفسه، و سنحت لهم الفرصة أخيرا للنيل منه بعد جملة قالها في البرنامج الغوغائي “الاتجاه المعاكس”.و لكن تعالوا لكي نضع القضية تحت المجهر.

اولا: ما الضير بأن يكون هناك مفكر لامع و متنور يحاول ان يقوم بمجتمعنا العربي؟

ثانيا: عزيز القناعي هو واحد من اكثر المتحدثين أدبا، فلا تجد في كلامه ادنى شائبة من قلة الأدب، بل تراه في قمة الاخلاق و الاحترام و الموضوعية في حواره المتزن.

ثالثا: ما هي رسالة عزيز القناعي بالضبط؟ إن ما يدعوا اليه بشكل عام هو التنوير و النهوض بالمجتمع عن طريق تمحيص المفاهيم العامة و فصل بين ما التعاليم الدينية و الأحكام السياسية.

طبعا النقطة الثالثة هي التي يصطدم فيها فيها التيار السلفي المتزمت مع التيار المتنور، اما عزيز فهو الرمز في الوقت الراهن، فالحكم عليه هو حكم جائر و لكنه وقع فقط لتأكيد التيار السلفي بأنه متحكم بالأمور.
أما تهمة ازدراء الدين الإسلامي، فتلك تهمة مطاطة يمكن لأي كان أن يستعملها للنيل من اي خصم آخر، ليبيرالي، اشتراكي، شيعي في بيئة سنية او سني في بيئة شيعية، يكفي فقط بأن تكون مختلف في رأيك لينزل عليك تسمية زنديق. و لا يفوتني هنا إلى الاشارة لقضية “خلق القرآن” التي حصدت معها ارواح كثيرة من مؤيدين و معارضين، و ذلك حسب توجه الحاكم و لا شيء آخر على الإطلاق.

لكني كليبرالي، لا يسعني إلا مساندة عزيز القناعي في منهجه و خطابه الداعي لننهوض من السبات العميق الذي يجثم على صدر الشعوب العربية.

و هنا اريد ان اركز على رفضي رفضا باتا لكل من يشكك بمعتقدي و يحاول تكفيري. فأنا مؤمن بالله عز وجل و لكن هذا الايمان لا يتنافى البتة مع كوني ليبيرالي. نعم إن مفهوم الليبيرالية يربط بالتحرر من الإيمان، لكن هذا المفهوم هو غالط، فكوني ليبيرالي فهذا يعني فقط باني اتقبل الآخر مهما كان فكره و ذلك لكي يتسنى لي الإطلاع على افكار مختلفة عن فكري و لربما كانت أحسن من فكري في موقع معين فأتخذها حل مناسب، و هنا مربط الفرس!

إن المتزمتين الذين يمسكون بزمام الامور في عالمنا العربي يفرضون على المجتمع الفكر الأحادي، فلا مجال هنا بالاعتراف بأي منهج او فكر آخر، بل إن الفكر الوحيد المتاح و الجائز هو ذلك الذي تنتهجه السلطة الدينية المتزمتة و من ورائها الطبقة الحاكمة المتسلطة. طبعا زواج السياسة بالدين في عالمنا العربي هو زواج وثيق يدعم بعضه البعض، فالسلطة السياسية تعطي الدعم القصير الأمد للدين، أما الدين فيعطي السلطة السياسية الدعم الطويل الأمد، و يبقى و طننا العربي بكل دوله في تأخر و تدهور من دون تغير و ذلك لأن الحلول لا تتنوع بينما المشاكل تتنوع و تكثر مع مرور الوقت.
إن هذا الكلام ليس للتسلية، نحن الذين ننادي بالليبيرالية لا نفعل هذا إلا لأننا نرى بأن التعددية الفكرية هي الأساس الذي من دونه لا يمكن بناء مجتمع قوي و حيوي قادر على تقييم المستجدات و اتخاذ احسن الحلول.
فتخلفنا كشعوب لم يأتي من محض الصدفة أو من داعي الدونية العرقية، بل فقط لأننا نصبنا أصنام الجهل و التقليد الأعمى و الوصاية و النفاق و بقيادة الصنم الأكبر الخوف.
لذا فعندما ينتقد مفكر ما أحد الاصنام تلك، فهو في الحقيقة لا يفعل ما هو معيب، بل نحن نمضي على النهج القرآني الذي يدفعنا للتفكير و تفتح الذهن. فهذا هو الدين الحق الذي له مسميات مختلفة، فأنا أسميه اسلام و آخر يسميه مسيحية و اخر يسميه فلسفة، ففي النهاية تصب الأنهار كلها في نفس البحر.

فلنحطم الأصنام كلها و نترك كبيرهم لينطق، إلى ماذا اوصلنا الخوف من التفكير غير التدهور و التخلف و قلة القيمة و الظلم؟ تعالوا سويتا فلنحطم كل الأصنام و لنفتح عقولنا ليدخل اليها النور.

لا تعليقات

اترك رد