تعقيد الحديث وتركيبية اشتغال البوئيم

 

نافذة 02: المسرح والحياة.

ندركُ كم هي متغيرات العصر الحديث متقدمة متطورة، تتسم نتيجة تراكم معرفي ومنجز مدني إنساني بتنوعات خطاب الثقافة الجديد؛ بكل ما يحمله من بٌعد تركيبي يتبادل التأثير في اشتغاله، حد التعقيد ولكن التعقيد هنا بالمعنى الإيجابي لا السلبي مفهوماً.. وإذا كانت الفلسفةُ، اليونانية الأصل والخطاب البياني الأسطوري سومري الولادة، قد قدما خطين من المنجز الأول معرفياً جمالياً، فإنّ عصرنا قد امتاح من كل ذلك ليقدم العرض المسرحي في ضوء متراكم العمق الزمني التاريخي متحداً بعمق الخبرات وجديد عصرنا إبداعياً…

ومنذ بدء المسرحية العصرانية جاء التركيبي فيما قدمته، مستنداً إلى فلسفة المرحلة حيث الإيمان بثبات القيم السائدة والبنى الاقتصا-اجتماعية فكانت في ذاك الإطار قيم التعبيرية والرمزية، بما عرضته من آلية تفكيك وتركيب لم تستهدف الوضعية الأساس في الدراما بل عمدت إلى عرض تأجيل حل الصراع الذي عادة هنا ما يبدأ بالكارثة وما تُنذر به من خطر.. لكن مسرحيتنا العصرانية كما أشرنا للتو تقف عند ذلك لتجعل من الكارثة بعبعا يُنذر بالانهيار بحال التقدم باتجاه التغيير وهي تستند بهذا لمبدأ الثبات ومنع التغيير؛ وما تسمح به لا يتجاوز الإصلاح فكريا فلسفيا بما يؤجل نقطة التحول والنهاية بقصدٍ فلسفيٍّ وسبقِ إصرارٍ في التبني…

وفي الدراما العصرانية نرى أنّ عناصر تكوين الحدث الدرامي تتبدى بوظائفها، بما يوحي بأنَّ الوضع الأولي قد تحطم بمجرد الإقدام على إصلاحه الجزئي المحدود؛ بمعنى أنْ يحافظ على الثبات والاستقرار في النظام القائم. هنا نرصد أن حيوية حركة الفعل الدرامي لا تتطابق وتوجهات تنظيمه الداخلي (المستقر)، الأمر الذي يمنع تحطيم الوضعية الأساس كما تقتضي قوانين الدراما المقابلة لقوانين الحياة وانقلاباتها الدراماتيكية…

إنَّ هذا المنطق الفكري لجماليات مسرحية عصرانية، يؤشرُ عمقَ الصراع بين دولة بمنظومة الطائفية المافيوية وجمهور بفعل الغضب الثوري الساعي للانتصار لوجوده وأنسنة حياته؛ وبينهما يقف الحالمون بأوهام (إنسانية) المنحى والغاية.. ولكنهم عادة ما وقعوا ويقعون بين فكي رحى الصراع.. ودراميا يُنهي العصرانيون الأمور بحلول مثالية حالمة، تقع في الأوهام؛ فيما الحياة تستمر بمنهج العنف والطحن وعذاباته، كما يحدث في المنظومة العالمية الأكثر شمولا لآليات السوق ومنطقها ونهجها، الرأسمالية نظاماً عندما تنتهكه المافيوية ومنطق استبداد الاحتكار..

وكما الحياةُ تجترُّ وتكرِّرُ تفاصيلَ الحدث، بما يعيد إنتاج النظام ويكبح نهج التغيير، سنرصد في المسرحية مسارَ الحدثِ وكيف يتم إنهاء ذاك المسار.. إنَّ منطق الحدث المرسوم مسرحيا يقدم عرضا لحركة (موجهة) على طريقة (الغضب المسيطر عليه) الذي أطلقته مرجعية دينية مؤخراً، بما يكشف باستمرار عن الاستقرار والسكونية والتهادي تمكيناً لمبدأ الثبات في منظومة القيم المرضية المشوهة وتمكيناً للنظام الذي أوجدها، مثلما يكشف أيضا، عن سايكولوجيا انتُهِكت أو تلوثت بتلك المنظومة السلوكية.. وهي تتصارع بين الانتفاض لاستعادة إنسانيتِها وكرامتها وبين الامتناع عن التقدم بتبرير لماذا أتقدم أنا واحتمال أن يسبقني الآخر في التراجع والمناورة فأذهب أضحية وقربانا بلا ثمن…!؟

وفي مسرحية الدكتاتور يكون (ديني) سكرتير حزب ثوري أول من يتنكر لمنطق التغيير ويبيع الحزب ويطرد أقرب رفاقه فيعتقله، كما في نص المسرحية، ليمارس هو نهج الدكتاتور، بعد أن صار عضواً برلمانياً.. وتلك الشخصية وسلوكها تريد المسرحية عبر تقديمها بتلك الصورة، اتريد القول: إنها النموذج للشخصية الجمعية ومتغيراتها راهنيا بهذه المرحلة؛ والقصد توكيد ثبات الوضعية العامة؛ بتثبيت الوضعية الأساس للمسرحية، مع إبراز المتغير فقط داخليا نفسيا لا موضوعيا؛ بينما يُفترض أن يستعيد القيم ويتحرر بخلاف هذا التصوير والتجسيد المسرحي. وهذا يحيّد مجمل الشخصيات في المسرحية، مثلما يتم في الواقع تجميد أدوار أعضاء المؤسسات والأحزاب ويُلحَقون بالزعامات وبمسرحية الدكتاتور يُلحقون بشخصية ديني الذي تحول من ثوري إلى دكتاتور…

وإذا كانت الدراما العصرانية بهذا التوصيف والتشخيص ستقدم رؤية (محافظة) تتبنى ثبات الكون \ الحياة؛ بقصد توكيد استحالة إزالة النظام! فإنَّ المسرحية بعامة، ستميل للتفكيك لا الوحدة وللتمزيق والتشظية لا التكامل حيث تسود عزلة الفرد ومنعه عن التفكير بوحدته وجوداً ومصيراً مع الآخر، أي تحييد أية فرصة للعمل الجمعي الإيجابي باتجاه التغيير، وأذكّر هنا بالمسرح الطليعي وبنية مسرحيته..

غير أننا ينبغي أن نعترف بأنَّ عصرَنا قدم نموذجاً (مسرحياً أكبر من المسرحية) بعد أن مر عبر قرن من الزمن، القرن العشرين بكليته، بمسيرة تكسير الحدود الفاصلة بين الأصناف والأنواع الجمالية، المسرحية منها بقدر تعلق الأمر بمعالجتنا..

ومثلما مرّ بمواضع سابقة وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ نجد الأعمال المسرحية في عالمنا المعاصر، تقدم جديدها في (المسرحية الأكبر من مسرحية)، مثلما ظهر من قبل، صنف (البوئيم) الدرامي بكل ما كان يحمله من تنوع ومد جسور مع الأصناف الأخرى واحتواء تفاصيلها بنيوياً فيه. طبعاً، مع إبراز ذلك وتجسيده في كثافة الاشتغال من جهة وفي صيغة شعرية اللغتين المسموعة والبصرية من جهة أخرى.. ومثل هذا يجده الفاحص المدقق في الاتجاه المسرحي الرمزي، مثلا، حيث يقع هذا الاتجاه بنيوياً بنطاق (البوئيم)؛ بكل تفاصيل السمات وحركة الحدث الدرامي وطابعه وكثرة أو تشعب التفاصيل، بما يحكي عن هوية الواقع الذي يعيشه القارئ اليوم. هنا يسمح لنا التشخيص الإشارة إلى الطابع التركيبي لما وصلنا إليه بالإشارة غلى صنف البوئيم أو المسرحية الأكبر من مسرحية.

وانفتاح الصنف الدرامي بالحقيقة يمتلك بعده الإيجابي بمحاولته امتلاك قدرة تصوير الوضعية التاريخية.. وعراقيا سيكون الكاتب المسرحي باحثا فكريا فلسفيا عن اقتراح معالجات بقوانين إبداعية تتقدم خطوة وإن جاءت (مركبة).. أشير بالخصوص إلى تجاريب بمسرحنا؛ من قبيل تجاريب يوسف العاني، قاسم محمد مع التنبيه على محاولاتهما كسر السكونية من خارج الأداء المسرحي أي بالإيحاء وليس بتفاصيل البنية. فمثلا مسرحية المفتاح بنيتها دائرية مغلقة لكن مضمون رسالتها مفتوح تماما والتناقض مقصود له اسبابه.. وعوني كرومي، صلاح القصب، يوسف الصائغ، باحتوائهم آليات اشتغال في العرض، جديدة شكلا لكنها في الغالب خشيت التصريح بانفتاح خط التطور في الحياة، أقصد الانفتاح على المتغير المحظور في عالمنا.. لكن صباح الأنباري- فاروق صبري يجتهدان (اليوم) على تقديم نموذج (المسرحية الأكبر من مسرحية) ولو بتسمية مختلفة، مثلما تختلف تسمية البوئيم.. يقدمان ذلك لا بثبات الواقع بمحصلة حركة الحدث ونتيجته أو نهايته وإنما باحتمالية واضحة للتغيير ولدحر القوة الهمجية التي تمارس وحشية التعذيب…

إن ذلك يستحق وقفات أوسع وتحليل مباشر كيما نتبين المشهد؛ بين التململ والتقيد في المنجز المسرحي الجمالي.. وطبعا هذه المراوحة لا تعود لقرار المبدع حصراً ودرجة إدراكه ووعيه وتعبيره عنهما، بقدر ما تعود ايضا إلى دائرة ربط الجمهور بالمسرح.. ومن ثم فإن القرار يرسمه فهم العناصر الثلاثة في الصراع بين جبهتي المستغِل والمستغَل وما بينهما ممن يمارس الحياد السلبي الذي يخدم ثبات الوضع لمصلحة المستغِل [بكسر الغين] أو نظام الطائفية المافيوي القائم عراقيا….

وبالعودة إلى قراءة الحدث الدرامي في مسرحية أكبر من مسرحية وهي صنف يبحث عن اسم ربما تسمية بوئيم أصغر من التعبير عنه بشكل حاسم ونهائي أو أنها ليست مناسبة على أقل تقدير عربياً؛ نشير إلى ازدواجية خطة الحدث بين الخطة الشخصية والخطة العامة إذ طالما استثمر المبدع المسرحي العراقي الربط بين الشخصي والعام وحدد كل منهما بالآخر ما ساعد على ولادة الصنف المسرحي الجديد وطابعه من جهة وما جعل هذا الصنف مرآةً لواقع تكتنفه الصراعات التي يُراد لها الاستمرار بإعادة إنتاج النظام كما جرى فعليا في السنوات العجاف الأخيرة بتشويه وعي الجمهور واغتيال انتفاضاته بلعبة التضليل التي تنعكس مسرحيا بتلك الشخصيات التي عبَّر الكاتب العراقي عنها، بتصويره خيانتها القضية وطعن أخلص الرفاق لحساب التحولات النفسية أو بصورة أدق لحساب انكسارها وهزيمتها بخلفية الوهم والحلم وأثر الأضاليل والأباطيل.. والادعاء والتبرير للانحراف، بأنها تحتاط لمجريات واقع، بالأصل، لا يقبل بالمداهنة ولا مد الجسور مع النقيض إلا عندما يكون الحاكم قد فرض لعبته قسراً ومخادعة وانتصر لتلك اللعبة \ الجريمة…

إذن، فالمسرحية العصرانية \ البوئيم أو المسرحية الأكبر من مسرحية هي صنف حاول أن يهضم آلية اشتغال كسر الحدود بين الأصناف والأنواع من جهة وتجسيد فلسفة الثقافة الغالبة المتحكمة في عالمنا بعامة وبالعراق بصورة خاصة وقد تجسد في تلك المسرحية ما يقارب مبدا المداهنة والالتفاف على مبدأ تحطيم الوضعية الساس كما تفترضه الدراما عبر تاريخ وجودها والغاية الفكرية من ولادة جماليتها وتعبيرها..

وهكذا فعراقيا ستجد ذلك طوال مرحلة التقدم البنائي التعبيري للمسرحية في العراق بخاصة في الثلث الأخير من القرن العشرين ومطلع الألفية الراهن، ستجد هذا النموذج الذي أشرنا غليه مع محاولات لتمرير عنصر بنيوي هو العنصر المضموني المجسد بالخطة الأيديولوجية للمسرحية بطريقة الإيحاء وحتى أحيانا بالتصريح بما يتعارض والشكل المسرحي مثلما مسرحية المفتاح ببنية دائرية مغلقة وخطة ايديولوجية متفتحة ومثلما في مسرحية الأباري – صبري ودراماهما التعاقبية في التصريح بفرص تكسير القيود الاستغلالية وتغيير العالم القبيح…

إنه الوضع التركيبي المعقد النظير لتعقيد الصراع القائم في عالمنا وألاعيبه المضللة المتخفية بما يحتاج لأعمق وعي في مجابهته وطبعا الحاجة لوعي نقدي جديد في قراءة جماليات مسرحنا وفرصه في التعبير الأنجع عن عالمنا وتعقيداته..

هل وصل هذا الإيجاز رسائله الجمالية والفكرية الفلسفية؟ متأكد من أن التفاعلات ستمنح فرصا مضافة للإجابة عما احتاج إلى مزيد ومضات وغضاءة بخاصة مع معاني التعقيد البنيوي في خطى التعبير المسرحي الجديد … فمرحبا بجميع التفاعلات

لا تعليقات

اترك رد