ثلاث خطوات سابقة على الاتّحاد العشقيّ الكامل


 

“فَإن رُمتَ الحُضورَ اليومَ لا تُغفِلهُ يا حَافِظ
متَى ما تلقَ من تَهوَى دَع الدُّنيَا وأهمِلْهَا” (حافظ الشّيرازي)

في هذين البيتين للشّيرازي تجسيد لمعنى اللّقاء بالحضور والاستغناء به عن كلّ شيء في سبيل بلوغ تمامه. كما أنّ هذين البيتين يحملان في عمقهما اختباراً عشقيّاً عبّر عنه الشّيرازي بالحضور واللّقاء والتّخلّي عن الدّنيا والاتّحاد بالحبّ. فالحضور أوّل شرط من شروط الاتّحاد بالمحبوب

من يفهم حقيقة العشق الإلهيّ ويعي أنّ الله حبّ فلا بدّ من أن يدرك معنى الاتّحاد بالله. وإن لم يخلص بنا هذا العشق إلى الاتّحاد بشخص الله، فذاك يعني أنّ بيننا وبينه هوّة كبيرة، وأنّ هذا العشق أقرب إلى الوهم. فالحب حالة تفترض التّفاعل بين شخصين، وتنمو هذه العلاقة تدريجيّاً حتّى تبلغ ذروتها بالاتّحاد الكيانيّ. وإذا رفضنا مبدأ الاتّحاد بالله فنحن ننزع عن الله جوهر الحبّ، لأنّ الله الحبّ يمنح ذاته للإنسان فيكون الحبّ فعلاً إلهيّاً. وبين الفعل الإلهيّ، إن جاز التّعبير، وردّ الفعل الإنسانيّ لقاء حميم يختبره العاشق دون سواه، ويصعب التّعبير عنه تماماً لأنّه علاقة إلهيّة إنسانيّة تفوق قدرة العقل على الاستيعاب. إنّ بقاء مفهوم الحبّ الإلهيّ عند حدود تطبيق الشّرائع والالتزام بفروض الصّلاة والواجبات الطّقسيّة يندرج في إطار العاطفة أو الخوف. فقد يطبّق الإنسان الشّريعة خوفاً أو حبّاً لكنّ هذا الحبّ يبقى على مسافة بين العلو والعمق. وأمّا الحبّ الإلهيّ والصّلة الحقيقيّة الحميمة بين الله والإنسان الّتي تؤدّي إلى الاتّحاد فهي أمر آخر. العاطفة تحمل الكثير من التّناقضات وقد تتبدّل وتتغيّر وقد تخضع لتمرّد العقل، وقد تصطدم بمفاهيم جديدة تسيطر على تفكيرها أو واقع يبدّلها فتنكر الله وتستبعده. أمّا الحبّ فهو لحظة الجنون بالله، أي أنّ الإنسان يتخلّى عن ذاته كلّيّاً ليلقاها في الله. وهذا التّخلّي تجرّد عميق يحتاج إلى جهاد روحيّ وفكري واختبار شخصيّ يبلغ بالإنسان إلى هذه الحقيقة الّتي إذا ما دخلها يستحيل عليه الرّجوع. والحقيقة هي أنّ الله الحبّ لا يحبّ وإنّما ينسكب بكلّيّته في الإنسان والعاشق لله يسكن بكلّ كيانه في الله، ولكن ليس بقوّته الشّخصيّة وإنّما بالنّعمة الإلهيّة. فالله هو الّذي هيّأ الإنسان لهذا الحبّ. والعاشق لله هو من سمح للحقّ أن يأتي إليه لأنّه يعلم ضمناً أنّه لا يمكنه الذّهاب إليه أو بمعنى أصحّ لا يعرف السّبيل. وهذا الاتّحاد ليس مجازيّاً وإنّما حقيقيّ، لكنّه اتّحاد سرّيّ / Mystère لأنّ العاشق وحده معنيّ به. لكنّه بالمقابل ينعكس النّور من خلاله على العالم.

أن تحبّ الله يعني أن تحيا تفاصيل الله، أن تنغمس في حالة العشق بالنّعمة حتّى لا تعود ترى إلّاه. أن تتجرّد وتخلع إنسانك العتيق لتلبس الإنسان الجديد. فالإنسان الجديد أي الإنسان كما خلقه الله على صورته ومثاله استنار بالحبّ الإلهيّ ويمارس الفضائل الإلهيّة (الإيمان والمحبّة والرّجاء) وبالتّالي ممارسة هذه الفضائل يقود إلى الاتّحاد بالله. يقول القدّيس باسيليوس الكبير:”إن النّفس الّتي كبحت دوافعها الطّبيعيّة عن طريق النّسك الشّخصيّ وبمساهمة الرّوح القدس تتأهّل – بحسب حكم الله العادل – للبهاء الموهوب للقدّيسين”. الحبّ فعل خلق والله بالحبّ يخلقنا كلّ حين إذا ما ارتبطنا به بالحبّ.

ولا يمكن للعاشق أن يصل إلى مرحلة الاتّحاد الكامل إذا لم يمرّ بحالة الحبّ المجرّد عن أيّ مصلحة سوى مصلحة الحبّ ذاته، كما عبّرت عنه رابعة العدويّة في قولها:

أحبّك حبّين حبّ الـهـوى
وحبّاً لأنّك أهـل لـذاكـا
فأمّا الّذي هو حبّ الـهوى
فشغلي بذكرك عـمّن سواكـا
وأمّا الّذي أنت أهـل لـه
فكشفك لي الحجب حتّى أراكا

فكشف الحجاب، بعد الحضور واللّقاء مرحلة ضروريّة قبل الوصول إلى الاتّحاد. إنّ هذا الكشف الّذي أظهره الفعل (أراك). والرّؤية هنا حقيقة لا مجاز استناداً إلى عبارة (كشفك لي الحجب). ما يعني أنّ الله كشف عن ذاته وتجلّى لها. وإلّا كيف تستخدم رابعة فعل (أراك) وكيف رأت؟ إنّ الرّؤية محصورة هنا بالقلب الّذي انفتح على الله السّاكن فيه حقّاً فرآه.

وحين يقول القدّيس بولس (حياتي هي المسيح) أمات ذاته بالفعل ولبس المسيح أي صار الاثنان واحداً بمعنى معنى. إنّه الكمال العشقيّ، والعاشق الكامل هو العارف. ولا يراد بالعارف الانشغال الفكريّ، وإنّما الكمال الّذي يتحقّق بتنقية الذّات. وفي ذات السّياق يقول جلال الدّين الرّومي:

“ممتلئ بك، جلداً، دماً، وعظاماً، وعقلاً وروحاً، لا مكان لنقص رجاء، أو للرجاء، ليس بهذا الوجود إلاك.”، إنّ ما شعر به جلال الدّين الرّومي لهو اللّحظة البارقة الّتي تسبق الاتّحاد الكامل بالله، فامتلاء الشّخص بالمحبوب هو استعداد كامل لاستقباله كجزء في كينونته الرّوحيّة والعقليّة والمادّيّة. إنّه نتيجة الفعل وردّة الفعل، نتيجة العشق بين الله والإنسان. حين ينسكب الله فيكَ حتّى تمتلئ منه وتسكن إليه بكلّك، أنت في حالة مهيأ فيها للاتّحاد معه.

لن يصل العاشقون إلى الاتّحاد دون المرور بكلّ تلك المقامات والمجاهدات، ولكن إن وصلوا إلى هذه الحالة الّتي هي من أجلّ المنح الإلهيّة للعاشق ساعتئذ لا شيء يمكن أن يكون غيرها. فالاتّحاد بالله ليس انتهاكاً أو تعدّياً على الذّات الإلهيّة، ويجب أن لا نخاف من ذلك، فهو ممكن من أي شخص جاهد وصابر للوصول إلى هذه المرتبة العليا، فلماذا نخاف هذا الاتّحاد؟ ولماذا نرفضه؟ أخوفاً؟ أم تواضعاً؟ أم تكبّراً؟ إن كان خوفاً فالخوف لا يستوي مع الحبّ. وإن كان تواضعاً فالتّواضع هو التّخلّي عن الذّات لتلقاها في الله. ولعلّه تكبّراً على النّعمة الإلهيّة الّتي هيّأتك منذ البدء للحبّ.

إنّ سبب وجودنا وغايته واحد، ألا وهو اللّقاء بالله والتّعرّف عليه والعيش معه والانغماس به في علاقة عشقيّة حميمة حتّى نخلص إليه. إنّه حقّاً سرّ الاتّحاد بالله الّذي يفوق كلّ عقل وكلّ تصوّر. ولو كان العقل يدركه بقدرته فكأنّنا نخضع الله لقدراتنا المحدودة الضّعيفة. حاشا. “ونحن قد عرفنا وصدّقنا المحبّة الّتي لله فينا. الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه.” (1يوحنّا 16:4)

لا تعليقات

اترك رد