السياسة الخارجية العراقية .. التخبط الكبير


 

تعاني الدبلوماسية العراقية عموما من مشكلة تداخل الاختصاصات و عدم تحديد الاولويات , و هنا تدخل طريقة تشكيل السياسة العراقية عبر التوافقات بين الاطراف السياسية و ليس على اساس فلسفه واضحة تتبناها الدولة , لذلك كان هناك الكثير من التقاطعات التي قادت إلى مواقف متعارضة , فقد تتبنى الحكومة ممثلة برئيس الوزراء موقفا ما و يختلف معه رئيس الجمهورية او وزير الخارجية .
إن هذا الخلل في الاداء السياسي و تضارب المصالح و تعدد مصادر القرار , كان له الاثر الواضح في ضعف الاداء و تواضع التأثير في النشاط السياسي الخارجي . فالخطاب السياسي الواضح و المتماسك لنظام الحكم هو الذي يحدد معالم السياسة الخارجي و الداخلية في اطار فلسفة الدولة و رغبة الجميع في نهوض البلد و تطوره .
كما ان الخطاب السياسي في العراق محكوم بطبيعة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية , و اذا ما ارتبكت هذه الاوضاع او شابها القلق فان ذلك ينعكس ارتباك الخطاب السياسي و ضعف تأثيره في المقابل . فالحرص على تعزيز البناء الداخلي اجتماعيا و اقتصاديا يعني اداء سياسيا افضل في الداخل و الخارج , و تجزئة الخطاب السياسي بحسب الولاءات الحزبية و الفئوية و الاقليمية قاد إلى تجزئة القرار السياسي الموجه نحو الخارج , مما يستدعي ضبط مسار العملية السياسية في الداخل وصولا إلى فعل متماسك في الخارج . أما على صعيد العلاقات مع دول الجوار الاقليمي فمن القيود التي تعيق عمل الدبلوماسية العراقية , الميراث الطويل من الخلافات و الاشكالات الامنية التي تحد من التعاون مع بعض الدول خاصة مع اتهام العراق للبعض منها بإيواء الاطراف المعارضة , و من بين القيود في التعامل مع تركيا مشكلة الاكراد و مشكلة التركمان و الحدود و المياه , اما مع ايران فهناك مشكلة التدخلات المستمرة في الشأن الداخلي و مشكلات الحدود و المياه و حقول النفط .
ان العمل على تجاوز مكامن الخلل في علاقات العراق مع جيرانه لا تبدو يسيره , لأنه محكوم بقيود داخلية تجعل عملية صنع القرار السياسي الخارجي معقدة بفعل تعامل بعض الاطراف السياسية ضمن الحكومة و مجلس النواب مع تلك الدول و دفاعها عن مصالحها مما يجعل التحرك العراقي في هذا المجال يمتاز بعدم التوازن بل إلى التناقض في احيان كثيرة .
بالإضافة الى ما سبق يبرز دور التأثير الدولي بصورة عامة و الاقليمي بصورة خاصة في الشأن الداخلي العراقي و العمل على عرقلة أي مشروع وحدوي أو نهضوي لبناء عراق قوي و موحد ، ذلك إن الدول الإقليمية تخشى أن يستطيع العراق النهوض بنفسه و أن يستعيد توازنه الذاتي إذ يعني ذلك امتداد سياسته الداخلية إلى الخارج ” على شكل سياسة خارجية عراقية جديدة فاعلة إقليمياً ” .
لذا فأن من أكثر الأمور التي تربك داعمي الإرهاب الإقليميين داخل العراق هي قضية استعادة العراق توازنه و انضمامه من جديد إلى معادلة التفاعلات الإقليمية العربية و غير العربية ، و خوفهم من تسويق أنموذج عراقي ديمقراطي مؤسساتي ، و هذا يعني منافسة هذه الدول على مكانتها الإقليمية ، بسبب ان العراق يمتلك من المقومات ما يجعله دولة تستطيع أن تفرض قراراتها الخارجية إذا ما وظفت قوتها إلى قدرات و إمكانيات مبنية على أسس التجربة الديمقراطية و قوة النظام السياسي و وحدة و سيادة القرار العراقي التي يجب أن تتوفر اليوم قبل الغد أذا ما أردنا بناء دولة حقيقية ذات سياسة خارجية فعالة ” و قبلها السياسة الداخلية بالتأكيد التي تسهم في تعزيز صورة الدولة العراقية الموحدة و القوية القادرة على حماية شعب العراق و ترابه و سمائه و مياهه و العمل على ضمان مصالحه و تحقيق أهدافه و تطلعاته .

المقال السابقملامح التجديد في الشعرالعربي الحديث ج 6
المقال التالىالأعلام الدكتاتوري
سجاد طعمه بيرقدار ، كاتب عراقي ، ولد في محافظة ذي قار ، قضاء الرفاعي في العام 1990 م .حاصل على شهادة البكالوريوس في المحاسبة من كلية الادارة و الاقتصاد ، الجامعة المستنصرية . نشرت له العديد من المقالات و الدراسات في السياسة و الاقتصاد في صحف محلية و دولية عديدة .صدر له كتاب " جندي الشمس " عن دار اش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد