الابتلاء .. تعددت الأزمات والرب واحد


 

فجأة تفقد حبيبا.. تمرض وتلازم فراشك.. تخسر كل مالك.. تذهب وظيفتك.. يمرض ابنك..يولد مولودك معاقا.. كلها أزمات تترك في القلب غصة لايعلمها ولا يتألم بها إلا صاحبها.
كل هذا في ديننا يعد “ابتلاء” وتعلمنا صغارا أن الله يغسل به الذنوب إن صبرنا واسترجعنا “إنا لله وإنا إليه راجعون”، لكن يظل الابتلاء اختبارا صعبا يميت فينا مشاعرا وأحيانا أعضاء.. لكن لاتملك أمامه إلا الرضا بالقضاء والتسليم بالقدر..
لانتحدث هنا من ناحية دينية وإلا ربما يفهم من كلامنا أنها مجرد كلمات تشبه كلمة عقيمة تعودنا عليها وهي “معلش”.. لكني أتحدث عن الابتلاء وتأثيره النفسي والاجتماعي.. والذي يؤكد أمرا ربما نراه ساذجا لكنه حقيقة وهو “أننا ضعفاء جدا” وربما رسبنا كثيرا في اختبارات ربانية فهمنا الرسالة منها متأخرا.
تعرضت شخصيا لحدثين من أصعب ما مررت بهما: الأول: رحيل والد زوجتي فجأة وهو بمثابة والدي وهو ما فطر قلبي وأدخلني في دوامة نفسية كادت تصل للاكتئاب لولا فضل الله ورحمته ومساندة قلة من أنقياء قابلناهم في رحلة الحياة ولازالوا معنا.. عشت تفاصيل موته كاملة..ثم رأيتها متكررة في كل محاولة يائسة للنوم، نغصت عليا كل شيء جميل أو ظننته هكذا..
تعلمت من التجربة أن الحياة لا تستحق كل هذه المعاناة أو الاهتمام.. استيقظت على عبادات لاتصل بي إلى الرضا الإلهي ولا تسعفني في لحظة نزولي لمكان رأيته موحشا مظلما ضيقا.. تعلمت أن أجهز العدة ليوم كهذا..
مرت الأزمة وبقي أثرها النفسي طويلا.. تعبت جدا..وكان مطلوبا مني على الدوام أن أكون سندا لغيري اصبرهم واحرك الإيمان في قلوبهم المنكسرة.. لكن كيف وأنا نفسي منهار.. المهم خفت وطأة الأزمة على الجميع بعد مجموعة رؤى مبهجة لحمايا وهو مرتاح ومنعم ويطمئن الجميع أنه بخير في حياته الأخروية الجديدة..فلله الحمد والمنة.
الثاني: فجأة وجدت نفسي في حالة احتضار وانقطع نفسي وضعف جسدي وقل ضغطي لأكبر حد وانا بمفردي.. تيقنت أنها النهاية وخاصة أننا في مواسم الموت فلا يكاد تمر ساعة إلا ونسمع خبر موت ولا علاقة لذلك بمرض أو سن فأغلب من رحلوا قريبا كانوا شبابا.. نطقت الشهادة واسترجعت..
ألهمني ربي بأن آخذ بالأسباب وأتحرك لربما أستطيع إنقاذ نفسي.. تحملت على نفسي ونزلت متثاقلا لأقرب نقطة إسعاف.. أسعفوني مؤقتا وحولوني إلى أقرب مستشفى سريعا..وهناك تم استكمال إسعافي وعدت مرحلة الخطر لأدخل في دوامة التحاليل والأدوية والمنع من الخروج وأطعمة معينة.. كنت عاجزا لأول مرة..
تجربة مريرة جدا لازالت آثارها حتى كتابة السطور..لم أرد أن أزعج أحباب وأصدقاء أعلم جيدا أنه “فيهم ما يكفيهم”..اكتفيت بكتم آلامي وسررت بها لأقرب المقربين فقط طلبا للدعاء..
تأكد لي من التجربة أننا فعلا “لاشيء” “لاقوة” “لاحول”.. مجرد أنفاس تخرج وتدخل ولو توقف لثوان لانتهت الرحلة والله أعلم بما بعدها..تيقنت بأن الصحة نعمة لايساويها شيء.. تستحق الشكر كل ساعة وفي كل حركة وفي كل مشوار نمشيه أو حدث نحضره أو ضحكة أو دمعة..كلها تستحق الشكر اللحظي..
..أعرف أني أصبتك بكآبة من قصص ربما لاتهمك..لكن صدقني رحلة الحياة لاتستحق كل هذه المعارك..وسلامة قلبك “صحيا وعقائديا” أهم شيء.. وأن أفضل مشروع يمكنك الاستثمار فيه هو استعدادك للحياة الحقيقية الأخروية..بعملك ونقاءك ومساعدة غيرك وكل خير يمكنه زيادة رصيدك.. وكل هذا لن تسعفك فيه العبادة وفقط.. فلربما مساعدة للغير أو دعوة لهم أو صدقة أو سعي لإنجاز أمر بنية صادقة وصالحة يفوق حجا وعمرة وقيام ليل..
الحياة قصيرة جدا ولو طالت السنون.. زاحم كل تقي في عيادته وكل ساع للخير في تطوعه..واجعل رصيدك نشطا ومتزايدا من كل عمل بر وخير.. لربما ننجو

المقال السابقحوار عن المشهد الأدبي اليمني ..
المقال التالىالبصرة بدون ماء
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد