حوار عن المشهد الأدبي اليمني ..


 

رياض حمَّادي
نرجسية الكُتاب والمثقفين اليمنيين والصراعات تحكم الحراك الأدبي اليمني وتضعفه.
حركة الترجمة نشطة جداً لكنها فوضوية
المشهد الأدبي اليمني كان غائباً قبل الحرب بالداخل.
برامج الترجمة أكثر أمانة من المترجم البشري
لا يوجد مادة غير قابلة للترجمة.
إنقاذ التراث اليمني بأرشفتها إلكترونياً

في ظل أوضاع سياسية واقتصادية وصراعات وحروب جعلت اليمن خارج هامش الحياة، فلم يعد اليمن السعيد ولا بلدا للحكمة ومن الطبيعي أن يتأثر المشهد الأدبي الذي كان يتعايش بصعوبة قبل الحرب بفعل سلطة ومعارضة لم يعترف أحدا منهما بالثقافة ولا الإبداع فما بالكم اليوم في هذا الوضع الكارثي.
في ضيافتنا رياض حمَّادي، أديب ومترجم وناقد سينمائي يمني مقيم بالقاهرة، يدلي في هذا اللقاء ليحكي لنا بعض تفاصيل ومعاناة المشهد الأدبي اليمني المشلول حيث يرى وجود نرجسية الكُتاب والمثقفين اليمنيين بحيث يرى كل واحد منهم قُطباً على البقية أن يدوروا حوله أو منارة عليهم أن يهتدوا به.
نناقش أيضا عدة محاور حول الترجمة وهو يرى نه لا يوجد مادة غير قابلة للترجمة، لكن نسبة الصدق والاتقان في المادة المنقولة إلى العربية يتوقف على مدى إخلاص المترجم وشغفه وحبه للنص الأصلي..تطرقنا لقضايا عديدة ومهمة وإليكم التفاصيل.

* كيف ترى وتصف المشهد الأدبي اليمني بالداخل في ظل حرب تدمر الأخضر واليابس وأزمات وصراعات لا تنتهي؟
ـ المشهد الأدبي اليمني كان قبل الحرب ضعيفاً على مستوى الإصدارات، وإن كان هناك فعاليات ثقافية وفنية أسبوعية تنظمها المراكز والمؤسسات غير الرسمية بشكل رئيسي. حراك شكلي ليس له مردود إيجابي سوى اجتماع الكُتاب وتبادل عبارات الثناء والمجاملات. أغلب هذه الفعاليات توقفت كما أُغلقت الجهات التي كانت تنظمها لأسباب مختلفة. على مستوى إصدارات الكتب المفترض أن تقل إصدارات الكتب خلال الحرب، لكن على ما يبدو عدد الإصدارات زاد أو أنه لم يتأثر سلباً بالحرب الدائرة منذ 2015. أغلب هذه الإصدارات تصدر في الخارج، وهذا أمر طبيعي ليس بسبب الحرب فقط ولكن لعدم وجود ناشرين يمنيين في الداخل. زيادة عدد الإصدارات له سببين برأيي: نزوح أغلب الكُتاب خارج اليمن أسهم في منحهم فرصة للالتقاء بناشرين، والسبب الثاني أن النشر أصبح بمثابة نافذة يتنفس من خلالها الكُتاب بعيداً عن مآسي الحرب اليومية.

*خرج مع بداية الحرب الكثير من الكتاب والأدباء اليمنيين ومع ذلك نادرا ما نسمع صوت لهم.. برأيك لماذا يصمت أغلبهم ولا يشكلون مشهدا يعبر عن معاناة بلادهم؟
ـ هذا المشهد الذي تتحدث عنه كان غائباً قبل الحرب وفي الداخل، كان هناك شِلل وجماعات، كحال المشهد الأدبي والثقافي العربي، وكل جماعة أو شلة تخدم مصالح أتباعها. لم يكن هناك حراك ثقافي وأدبي وفني حقيقي يُسهم في تغيير المجتمع ويخدم الثقافة والأدب والفن. تشتتت هذه الجماعات بفعل الحرب فكان من الطبيعي أن لا يلتقي هؤلاء في البلدان العديدة التي نزحوا إليها. هناك سبب آخر لغياب تشكيل مشهد أدبي وثقافي يُعبر عن معاناة اليمن وهو نرجسية الكُتاب والمثقفين اليمنيين بحيث يرى كل واحد منهم قُطباً على البقية أن يدوروا حوله أو منارة عليهم أن يهتدوا بها. الصراع هو ما يحكم الحراك الأدبي اليمني وتشكيل مشهد أدبي حقيقي يحتاج إلى الانسجام والتعاون وقبلها إلى عشق للأدب وللدور الذي يقومون به. الكاتب اليمني في الخارج سلبي ولا يحرص على المشاركة في الفعاليات غالباً لأن اسمه لن يكون في المقدمة.

*أنت مقيم بالقاهرة.. هل تتفاعل بالمشهد الأدبي المصري؟ برأيك ما أهم ملامحه؟
ـ أحرص قدر المستطاع على حضور الفعاليات الثقافية والسينمائية على وجه الخصوص. القاهرة مدينة حية تقام فيها أسبوعياً الكثير من الفعاليات الأدبية والسينمائية وملاحقة كل هذه الفعاليات أمر شاق لكني أحضر بعضها. المشهد الأدبي القاهري من حيث المضمون لا يختلف كثيراً عن المشهد الأدبي العربي إلا في عدد الفعاليات، أما الجوهر الفارغ من أي مضمون فلا يختلف.

*رياض حمادي مترجم أدبي ..ما الدافع لهذا التوجه؟ وكيف تشكلت تجربتك كمترجم؟
ـ بدأت أُترجم قبل سنوات كهاوٍ ولم يكن يهمني أمر ما أنشر في كتاب. دافعي الأول هو الشغف، ومحبة ما أقرأه. لدي شرط وضعته لنفسي وهو أن لا أترجم نصاً لا أحبه، بدون الحب لا يمكن أن تنقل روح النص إلى لغتك الأم. تالياً أصبح دافعي الكسب المادي وإن كنت لم أتخل عن شرطي الأول. تجربتي محدودة وفي بدايتها وما أزال أتلمس طريقي، لكني واعٍ بما أقوم به ومن هنا وضعت لنفسي مزيداً من الشروط أهمها التخلص من الصيغ القديمة في الترجمة والعبارات الجاهزة وأن أراعي مستوى القارئ الجديد الذي يطلب لغة سهلة وبسيطة دون الإضرار بروح النص الأصلي.

*هل من شروط يجب أن تتوفر في المادة الأدبية لتكون صالحة للترجمة؟ أنت هل لك شروط ما بالمادة؟ إلى أي جنس أدبي تميل؟
ـ لا يوجد مادة غير قابلة للترجمة، لكن نسبة الصدق والاتقان في المادة المنقولة إلى العربية يتوقف على مدى إخلاص المترجم وشغفه وحبه للنص الأصلي، بدون روح وحب يتحول النص المترجَم إلى كلمات لا حياة فيها. شَرطي في هذا السياق هو الأمانة وقدرتي على نقل روح النص الأصلي. هناك نصوص جميلة في لغتها الأم لكنها تفقد الكثير عند نقلها إلى العربية لسببين: سياق ثقافي مختلف وله علاقة بالتلقي، وعدم التشبع بروح النص الأصلي أو الاستعجال.

حركة الترجمة نشطة جداً لكنها فوضوية
*كيف تنظر لحركة الترجمة بعالمنا العربي وهل من سوق نشطة؟
ـ بالذات في سوق الرواية التي تلقى رواجاً واسعاً. يلزم هذه الحركة لكي تكتمل تنظيم الجهود خصوصاً بين مراكز ومؤسسات الترجمة. يلزمها أيضاً
الشفافية والموضوعية والابتعاد عن العلاقات الشخصية. حركة النشر في المنطقة العربية تحكمها العلاقات والأسماء الكبيرة، بينما تحل الموهبة رتبة ثانوية.

*يقال إن الشعر لا يترجم، ما رأيك في هذه المقولة؟
ـ قائل هذه العبارة يشبه الكلاب التي تنبح على قافلة تسير منذ زمن. لو أن هذا صحيح لما استمتعنا بقراءة مئات الأعمال الشعرية من حول العالم. لكن لأن ترجمة الشعر صعبة، ولأنه ليس كل الشعر قابل للترجمة، أو لوجود أعمال شعرية مترجمة فاقدة للروح، من هنا تكتسب هذه المقولة قيمتها.

*نود التوقف مع الأعمال الأدبية التي ترجمتها وهل من قاسم مشترك يربط بينها؟
ـ ترجمت حتى الآن أربعة أعمال أدبية، نشر منها عملين شعريين هما: (يراعات طاغور – شذرات شعرية صوفية) عن دار نهضة مصر، و (حياة جديرة بالركض) إصدار النادي الأدبي الثقافي بنجران ومؤسسة أروقة للدراسات والنشر والترجمة. هناك مجموعة شعرية جاهزة للنشر منذ سنة تقريباً بعنوان (صلاة لأجل مارلين مونرو وقصائد أخرى) ورواية لإسماعيل كاداريه. صعوبة النشر والعائد المادي القليل يثبط حماس المترجم وهذه واحدة من مشكلات الترجمة وهمومها. أغلب دور النشر أشبه بدكاكين همها الأول الربح ولو على حساب المترجم والكاتب.

*ما هي الخطوات المهمة قبل بداية ترجمة العمل الأدبي؟
ـقراءة العمل أولاً والنظر في مدى إمكانية وصوله للقارئ العربي بالقدر نفسه من الصدق في لغته الأُم. على المترجم أن يسأل: لماذا أُترجم؟ وهل لهذا العمل علاقة بالسياق العربي أم لا؟

*ما الصعوبات التي قد تواجهك عند ترجمة عمل أدبي ما؟
ـ اختلاف التعبيرات اللغوية من لغة إلى أخرى واحدة من مشكلات الترجمة، هناك مستويات للغة المتهكمة أو الساخرة يصعب نقلها أحياناً إلى العربية. الجمع والمثنى قد لا يكون واضحاً في الأصل حتى من خلال السياق. لكن هذه مشكلات ثانوية يمكن التغلب عليها دون الإضرار بروح النص.

*رياض حمادي صاحب تجربة أدبية أيضا.. نود التعرف عليها؟ وأهم المنابع الفكرية والفلسفية؟
ـ أول إصدار لي كان في مجال نقد الفكر الديني، كتاب (إصلاح الإسلام) صدر باللغة الإنجليزية في ديسمبر 2014 في أمريكا بمشاركة نخبة من الكتاب العرب. ثاني إصدار مجموعة نصوص جديدة مفتوحة، تقترب من عالم القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر، بعنوان (يوم ننادي كل رصاصة باسمها) صدر في أبريل 2016 عن مقام للنشر والتوزيع بالقاهرة. ثالث إصدار أدبي بالعربية بعنوان (خطوات في النهر نفسه) 2018 عن مؤسسة هنداوي للثقافة، ولدَي ستة أعمال أخرى جاهزة للنشر إضافة إلى مشاريع كُتب أخرى.

*يمتلك اليمن كنوز وثراء تراث أدبي وفكري ولكنها مدفونة وتتعرض للسرقة والتشويه .. كيف يمكن إنقاذ هذه الثروات؟ ولماذا تتجاهلها الهيئات العربية والدولية؟
ـ يفترض أن تكون وزارة الثقافة وصندوق التراث هما المؤسستان المسؤولتان عن حفظ الأعمال الفكرية والأدبية والفنية، لكن هاتان المؤسستان لا تقومان بدورهما كما يجب على الرغم من الميزانية الكبيرة المرصودة لهما. هناك فساد كبير داخل هاتين المؤسستين، وزير الثقافة مجرد موظف لا يهتم بحافظة الدوام فكيف سيهتم بالفكر والأدب، وكيف ستهتم الجهات العربية والدولية إذا كان أصحاب الشأن لا يهتمون، بل على العكس الجهات الدولية تبدي اهتماماً بحفظ التراث اليمني في الوقت الذي تعمل فيه جهات داخلية على بيعه والتفريط فيه. يمكن إنقاذ هذه الثروات بأرشفتها إلكترونياً على مواقع رسمية يسهل على المستخدم الوصول إليها، والتعريف بها، إلى غيرها من وسائل الحماية التي يمكن أن يبتكرها المختصون في حال توفرت النية وتولى مسؤولية الوزارة والصندوق أدباء ومثقفين حقيقيين لا موظفين همهم الأول صرف الميزانية على بدل السفر ومحاباة الأصدقاء.

* نحن في عصر تطورات تكنولوجية وهناك برامج ترجمة كثيرة ومحاولات لتطويرها…ما مدى فاعلية وصدق هذه البرامج وهل سيأتي اليوم الذي تكون بديلا للمترجم؟
ـ الترجمة موهبة وفن قبل أن تكون علم وقواعد وتكنولوجيا. الترجمة ليست عملية نقل آلي للكلمة ومعناها. ثمة اعتقاد أن إجادة لغة ما تجعل صاحبها قادر على ترجمة نص أدبي. قد يحصل الطالب على درجة الامتياز في قسم الترجمة لكن الميدان الحقيقي ليس الشهادة الجامعية.
ثمة معادلة صعبة على المترجم أن يحققها وهي الالتحام بالنص روحاً والانفصال عنه ذاتاً؛ بمعنى القبض على روح النص وإيصاله في الوقت الذي عليه أن يفصل ذاته عن النص ولا يدعها تتسرب إليه. ثمة مجال للتصرف يحسنه المترجم الموهوب والنص الأدبي قد يغوي ويغري ذات المترجم على الاسترسال والإضافة، مثلما قد يدفعه إلى الحذف والتحوير لدواعي أخلاقية ونفسية واجتماعية. عند هذه النقطة تكون برامج الترجمة أكثر أمانة من المترجم البشري. تتطور برامج الترجمة سنة بعد أخرى، وتزيد دقتها في الترجمة، على سبيل المثال دقة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية أعلى من دقتها من الإنجليزية إلى العربية، يرجع هذا إلى اهتمامهم باللغة الإنجليزية وإهمالنا للغة العربية. لكن مهما بلغ تطور برامج الترجمة فإنها لن تضاهي براعة وموهبة المترجم البشري للأسباب التي ذكرتها آنفاً.

مشكلة السينما العربية في السيناريو
* لديك كتابات نقد سينمائي.. برأيك ما الذي تفتقده السينما العربية؟
ـ مشكلة السينما العربية في النص أو في السيناريو. لا توجد مشكلة على مستوى التمثيل والإخراج والتقنيات الأخرى إلا في غياب تكاملها وانسجامها معاً. المشكلة الأساسية تكمن في غياب النص الجيد، وإن كان هناك استثناأت قليلة جداً. توجد أفكار جيدة لكن تنفيذها وتقنيات معالجتها يُصيبها في مقتل. لا تكمن المشكلة هنا في إبداع نص من الصفر بل حتى عند نقل نص من السينما العالمية إلى السينما العربية يضعف ويترهل. يتذرع البعض بضعف الإنتاج أو بسطوة الرقابة السياسية والدينية، لكن واقع السينما العالمية تكشف زيف هذه الذريعة، نظرة على السينما الإيرانية تكفي لدحض هذا الادعاء. في 2010 حُكم على جعفر بناهي بالسجن لستة أعوام ومنعته السلطات من السفر خارج إيران والتصوير داخلها لمدة عشرين عاماً، مع ذلك فقد تحايل على هذه القرارات وأنجز ثلاثة أفلام منذ ذلك الوقت. البُنية الأساسية لنجاح أي فيلم هو النص الجيد ثم تكامل بقية الأدوات وهذا لن يحدث بدون مخرج يعرف كيف يدير أدواته.

حاوره ـ حميد عقبي

المقال السابقالطاعون
المقال التالىالابتلاء .. تعددت الأزمات والرب واحد
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد