عوامل تفعيل حركة التذوق الفني التشكيلي ج1

 

يأتي تفعيل مرحلة التذوق الفني التشكيلي، عبر مشتركات لمصادر متنوعة بعاملين رئيسين هما:
.أنواع الفنون التشكيلية.
.عوامل تفعيل التذوق الفني.

من خلال إطلاعي على مصادر متعددة، تتناول عملية التذوق الفني التشكيلي. أتضح من خلال النتائج والاستنتاج، بأن الفنون التشكيلية تتنوع صيغ بنيتها التكوينية من خلال الشكل والخامات والمواد المستخدمة لأغراض وأهداف مجسدة، مادية، كالعمارات والخزف عبر التاريخ والفنية التطبيقية الصناعية، وأخرى جمالية تعبيرية فكرية، كالمنحوتات والرسوم التصويرية التي ترتبط بالفائدة وعوامل مرتبطة بدوافع الإنسان منذ العصور الحجرية وعصر الكهوف لرسم الحيوانات لتجسيد عملية الصراع والسيطرة عليها.

لذلك فإن الفنون التشكيلية لا تقتصر على الفنون الجميلة، وإنما مع الهندسة المعمارية والفنون التطبيقية والتصميم الصناعي، كم إن وسائل تنشيط وتفعيل باثاتها الإشارية لعملية التقبل البصري، ثم التذوقي، يعتمد على طرق أدائها ومعانيها، وطبيعة فن العمارة، ومعنى فن النحت والتصوير وطرق أدائه والمطبوعات والفن الصناعي والأسلوب الفردي، وأعمال فنانين تقليديين كبار مثل:ميكل أنجلو، ولوناردو دافنشي وفنانين معاصرين مثل بيكاسو وكاندنسكي وموندريان وغيرهم.

إن هذه التنوعات للفنون التشكيلية، تترابط في مابينها مشتركات موحدة وأساسية وهي:عناصر ألفن التشكيلي: النقطة، الخطوط، الشكل، المساحة (الفضاء)، الملمس، الألوان.أسس ألفن التشكيلي:الإيقاع، التوازن، الحركة، السيادة، الشكل والأرضية، الوحدة تتوافق جميع هذه المشتركات في جميع البنى التكوينية التشكيلية المعمارية والصناعية والنحتية والخزفية والرسم، ولكن يتوقف مستوى التقبل البصري للتذوق ( Appreciation ) ) من خلال مهارة الأداء والبنى الشكلية الجمالية والتوافق الفكري مع مراحلها الزمنية والتراثية التي تخضع إلى المتغيرات بين فترة وأخرى.

ان عناصر الفن (التشكيلي خصوصا) ليس في الفن الذي ينجز من الفنان فقط،وانما في مخلوقات الطبيعة التي لم يتدخل الانسان في صنعها كالمياه والسماء والاشجار والنبات والغيوم والمخلوقات الجميلة كالطيور والغزلان والكائنات المبهجة تحت المياه.

تلك المخلوقات التي في الطبيعة التي تمتلك التذوق الجمالي ( الميتفيزيقيا ) فيها عناصر الفن التشكيلي التي تبداء من النقطة .

وعندما تتكرر النقطة واحدة تلوى الاخرى ستتحول النقاط الى خط .. والخط فيه انواع : منها الخط الراسي، كالاشجار الطويلة المنتصبة والنخيل، وحتى رقبات الطيور والحيوانات العمودية الملفتة للنظر، توحي الخطوط الراسية بمدلولاتها السايكلوجية الى الشموخ والهيبة، ولكن في الوقت ذاته الى التعب والملل في التامل.

أما الخطوط الأفقية فتتمثل بالخط الأفقي الذي يفصل بين السماء والأرض، وكذلك أمتداد الأنهر وغيرها.. والتي توحي الى الأسترخاء والتلاشي والانهاية، وكذلك تمثل الحزن أحيانا.

أما أسس الفن التشكيلي أيضا تتوافر في منح ترتيب جمالية الطبيعة، على سبيل المثال الحركة: التي تتمثل بنمو محتويات الطبيعة التي تمثل ديمومة الحياة، أو حركة الاشجار وأنحنائاتها بفعل الهواء مما يسبب منح القيم الجمالية في التأمل، فضلا عن حركة تموجات المياه وحركة الكائنات الحية.

اما الأيقاعات في الطبيعة فأن اغلبها غير مرتب، أو عشوائي، وهذه من الأسباب التي يقوم الفنان التأثيري بتحوير التكوينات من مصادرها الأصلية، تبعا الى ترتيب بناءات تشكيلية على وفق مخيلته الخاصة، ولكن تبقى الطبيعة هي المصدر الملهم للفنان والمتلقي معا.

وعندما يتدخل الانسان في ترتيب زرع الاشجار والنخيل على وفق اصطفافات متتالية ومتماثلة، فانها تبقى ايقاعاتها غير رتيبة،لان الايقاع الرتيب: هوتماثل في الحجم والقياس بين التكوينات والمسافات، وكذلك تماثل بين التكوينات مع بعضها،والمسافات مع بعضها، في حين ان حجم الاشجار او النخيل لايتساوى مع حجم المسافات، ولكنه قريب الى الايقاع الرتيب، اما النباتات والزراعة والاشجار باوراقها المتناثرة فان ايقاعاتها حرة.

من ذلك نستنتج بان علم الجمال ( الأستاطيقيا ) يشمل الطبيعة والفن، في حين أن الفن يشمل مايتدخل به الأنسان في التحوير والبناء الشكلي لأصل التكوينات على وفق تذوقه الخاص، والذي غدا متبدلا ومتغيرا عبر الأزمنة بدءا من رسومات الكهوف والمنحوتات القديمة وكذلك الهندسة المعمارية التي تشترك فيها عناصر الفن التشكيلي الذي ذكرناه الى مراحل العمارات المعاصرة.

وكذلك يتجسد أستناجنا بأن التبادل الذي يمتله المنتج أو الفنان يتجه بثلاثة محاور :
اولهما التبادل البصري مع الطبيعة.
وثانيهما التبادل مع الرؤية التذوقية العامة للمجتمع.
وثالثهما الأنعكاس النفسي والأدراك الحسي والمعرفي الخاص للفنان.
تلك الرؤى والعوامل تفعل عملية التذوق الفني عبر مراحلها الزمنية، وانواع مواقع مكاناتها الاجتماعية.

بقي القول هنا إن موضوع التذوق الفني، الذي يتوقف عليه عوامل تفعيل حركة تذوقه التشكيلي، موضوع عائم وهلامي، من الصعب الإمساك بأطرافه، لأنه يتصل بمداخلات متشعبة تساهم في خلق مستوى الذائقة الفنية عند الفرد، منها فلسفة علم الجمال وتاريخ ألفن والمدارس والأساليب الفنية التي تتضمن أسباب نشوئها وتحولاتها وعلاقتها بالعقائد والتحولات السياسية والإجتماعية والاقتصادية، ومدى خضوع ألفن للذائقة الجمعية للمجتمع وطرق تقاليده على إختبار الفرد واستقلاليته في التذوق الفني، لذلك تتحكم في التذوق الفني جملة عوامل مؤثرة على تقبل العمل أو رفضه، وإن المقاييس والمعايير لاستساغة العمل الفني تتبدل بين حقبة تاريخية وأخرى، لذلك فإن الإعتماد على المقاييس الرئيسة لنجاح العمل الفني وتقبل تذوقه هي بمثابة العماد الأساسي للفن التشكيلي بمختلف العصور، هي عناصر ألفن التشكيلي وأسسه والنسب الذهبية لقياس الشكل واشتراطات المنظور وأنواعه في بيان العمق والقرب وإعتماد عملية توزيع الألوان وتفسير مدلولاتها الفنية والنفسية وهذا الأمر ينطبق على الجانب الأدائي والجانب الحسي والمهاري.

تأتي أهمية التأكيد والإهتمام بجانب تفعيل وتنمية التذوق الفني التشكيلي، بما تعانيه في معظم البلدان وخاصة في للبلدان العربية، حيث مرت في خطوات مفتعلة لا رابط بينهما. وظلت إلى فترة طويلة تعيش على هامش حياتنا، والأمر الطبيعي الذي لازم هذا الوضع المنحرف، أن حياتنا خلت من اللمسات الفنية ألاصيلة التي ترتبط إرتباطا مباشرا بالتقاليد والتراث وتذوقها بشكل عام، ولقد بدأت تتسرب التيارات الأجنبية إلى الحياة العامة ومرافقتها التعليمية، وهكذا ظل مجتمعنا عبر أجيال في وقتها المعاصر يمارس نشاطا وتذوقها فنيا مفروضا لاين أحاسيسه ولايخاطب مشاعره إلا بمجالات محدودة ومن طبقات خاصة تنوي الترفع عن المجتمع. فضلا عن إيجاد قيم جمالية تتطلب الإقتناء بها، إلا إن بداية نصف القرن العشرين بدأت روح جديده تدب في هذا المجتمع. روح بناءة تقوم على معرفة واعية في مختلف الفنون، ولقد ساهم في ذلك إنتشار ونمو المعرفة الفكرية والبحوث والدراسة، ومنها مايخص مصادر هذا الموضوع في تفعيل حيوية موضوع التذوق الفني التشكيلي وكيفية إدراكه ونموه من خلال مناهج عناصره وأسسه التشكيلية، والمرتبط بجذور الحضارات القديمة ونتاجاتها العالمية المعاصرة في مختلف مدارسها الفنية وتنوعات فروعها الجمالية والتطبيقية والمعمارية والتصميمية الهندسية والزخرفية والخزفية وأنواعها الأخرى.

لم يقتصر هذا الموضوع على جانب واحد تاريخي أو فلسفي، وإنما بحث يجمع بين للتاريخ والفلسفة والتحليل الفني وطرق تنفيذه مهاريا، والبحث مختصر لمساعي تهدف إلى فتح أبواب التذوق الفني والإدراك الجمالي. ويتم ذلك من خلال أحكامنا على ألفن من خلال تذوقنا الخاص ومعرفتنا بفنون الشعوب الأخرى. إنه بحث عن لغة ألفن ومشكلات التذوق الفني ومعايير القيم الجمالية. ويتم ذلك من خلال ألفن بين الخبرة الرمزية والفن بين البناء الفني والحقيقة الواقعية.

ومن الطبيعي أن يكون هذا حقيقيا بالنسبة إلى كل المجتمعات خلال العصور، إذ كانت استعمالاتهم اليومية، متأثرة مثلنا بجميع أنواع التعبير الفني، وأغتنت بها حياتهم كذلك حتى حتى عندما كانوا يجهلون، علاقتهم بها وأثرهم فيه. ومن العوامل التي تزود إستمتاعنا الشخصي بالفن واقتناءت شخصية. يمكن قياس قيمها وأهميتها من خلال رفد الفكر المعرفي عند قراءة الكتب والمجالات الفنية الأخرى، منها السمعية والمرئية كالموسيقى والفنون المسرحية. وتأتي هذه المقتنيات كاستجابات جسمية وعقلية وعاطفية لما قد يمارسه ألفنان وما يحاول أن يوصله إلى المتلقي. يترك ذلك الأثر والاستجابة والشعور بالعاطفة الجياشة بالرهبة والشفقة والإثارة والسرور الذي تثيره عدة أنواع مختلفة من الأعمال يترك ذلك الشعور بنفس الإمتلاء العاطفي والوجداني الذي تقدمه سيمفونية عظيمة أو تكوين موسيقي، أو مسرحية قد أحسن أداؤها، علما بأن أبعاد أثر ألفن تذهب إلى أبعاد أكثر، فقد تبرز في كل شكل رمزي وبطريق غير مباشر وحقائق شاملة للمضامين وأشكالها الجمالية.

التذوق الفني التشكيلي:
قبل البدء في توضيح هذا المصطلح لابد من الإشارة إلى أن هنالك فرق بين كلمة التذوق
(Appreciation) وكلمة ذوق (Taste) حيث أن التذوق هو: حكم، تقييم، معرفة القيمة (يدرك القيمة، إعطاء قيمة الشيء ” Hornby أما كلمة ( (Taste،فقد وردت بمعنى القدرة على الإستمتاع Hornby As . وردت الكلمتان في القاموس العصري ( 1986) كما يأتي Appreciation :”معرفة قدرة وقيمة الشيء. إعتبر، أعجب”،نخبة من أساتذة اللغتين الإنكليزية والعربية، 1986، أما كلمة Taste : فتعني “ذوق، طعم، حاسة الذوق، ذاق ، نخبة من أساتذة اللغتين الإنكليزية والعربية، 1986 “3 . وقد وردت الكلمتين في معجم الرافدين، كما يأتي : Appreciation : قدر الشيء حق قدره، بارك، أرتفع ( عسكر ،موفق اسعد,ص20 1986) يذوق، يكون ذا طعم معين، حاسة الذوق طعم نكهة.

مما تقدم أرى: إن كلمة تذوق أكثر ملائمة من كلمة ذوق في إعطاء معنى إدراك القيم الجمالية وتمييزها من خلال المقارنة والموازنة والتفصيل. ويرد مفهوم التذوق الفني في كتابات وطرحت فكرية مختلفة، فيأتي بمعنى الإستجابة الجمالية، والإدراك الجمالي، والتقدير الجمالي الفني، أو الإحساس بالجمال، أو الموقف الجمالي، أو الحكم الجمالي، ويفرق البعض بين هذه المفاهيم، فكل لفضة لها حالتها ومرتبتها في مراحل التذوق الفني، وهو ما أراه كذلك، فالاستجابة الجمالية تتم بدوافع منبعها الاستعدادات الداخلية للمتلقي بما فيها مستوى الثقافة والتعلم والمحيط والبيئة، وكذلك إكتساب العمل الفني الشروط الأساسية للقبول أو الرفض، لذلك العمل ومنها التناسق والإيقاع والوحدة، وهي مرحلة تسبق عملية التذوق الفني، وكذا الأمر ينطبق على الإحساس بالجمال. أما الإدراك الجمالي، فهو عملية نشاط ذهني تتم بعد تسلمها إشارات تنبعث من العمل الفني، عن طريق الحواس، ويتوقف مستوى ذلك الإدراك وتأويله على وفق عوامل ذاتية، الوعي والألفة، والميول النفسية، وحتى الغريزية والتطبع وعوامل موضوعية تتعلق بالشيء، وهي مرحلة تمهد لعملية التذوق الفني التشكيلي الاحقة.

أما الحكم الجمالي فهو مرحلة لاحقة عند المتلقي تحصل عندما يكون الفرد لديه تذوق عالي تؤهله لأن يصدر حكما جماليا للأثر الفني، فالتذوق قبل الحكم الجمالي، ولكنه مرحلة من مراحله المتقدمة، أي بعد عمليات إدراكية حسية معقدة، تتفاعل في الذهن بدءاً من الإنتباه ومرورا بعمليات نشاط ذهني لاحق يتم من خلال التجربة الجمالية الإدراكية، مدعمة بتراكم المشاهدات الصورية السابقة ثم تتفاعل مع عمليات الأنشطة الذهنية المتمثلة بالفهم والمقارنة والتمييز، ويرى أغلب المفكرين والمختصين في هذا المجال (إن عملية التذوق الفني، هي تعبير عن موقف الذات الإنسانية تجاه العمل الفني، وهو القدرة على الإحساس بالعمل الفني، أو أي إنتاج ذهني، وتبين أوجه الجمال والنقص فيه )، والتذوق سلوك يتضمن الأقدام والأحجام والإنسان عموما يتركب من مجموع الاستجابات لمواقف مختلفة، وكل موقف يعد ممارسة على قدرته على التذوق، لذلك نجد إن أولى وظائف التربية، تكوين المعايير السلمية للتذوق، وتدريب المتعلم على تطبيقها عمليا ليرضي بحياته وحياة المجتمع الذي يعيش فيه. وحينما تتدرب حواس الإنسان على وفق معايير سلمية للتذوق سنجده يطبقها في كل مغزى من مغازي الحياة وليس المحسوسات وحدها، فالتذوق يرتبط بالسلوك العام للإنسان في الحياة العامة، والتذوق يمثل مؤشر عن طريق الحواس والذي بدوره يحقق المتعة واللذة الجمالية، والتي بدورها تؤكد حيوية الإنسان.

المقال السابقو ….. ماذا لو ؟
المقال التالىقُوَّةُ الرَّقْصِ
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد