قُوَّةُ الرَّقْصِ


 

تصدير: ” لاَ يَفْنَى فِي اللَّهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قُوَّةَ الرَّقْصِ” جلال الدّين الرّوميّ.

لمّا كان لِلْعَيْنِ إِنْسَانُهَا الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ، وَلِلْعِقْدِ وَاسِطَتُهُ الَّتِي بِهَا يَجْمُلُ، وَلِلْقَصِيدِ بَيْتُهُ الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ أَضْعَافُهُ فلِلنَّصِّ نَوَاتُهَ الَّتِي إِلَيْهَا تَنْشَدُّ فِقَرُهُ وَتَؤُوبُ إِلَيْهَا مَعانِيهِ، وَالَّتِي هِيَ صَوْبُ الْعَقْلِ وَصَفْوُ الْقَرِيحَةِ.
وذي صورة من صُوَر اصطفيتُها من أحاديث أبي هريرة (حدّث أبو هريرة…قال لمحمود المسعديّ)؛ هي نُوى الأحاديث وصُورُها الجَوَامع منها نشأ النصُّ أو قاع المعنى الذي إليه استحال، وفيها تضافر الذّهنيّ والجماليّ. وهي بقوّة الإيحاء وبلاغة الرّمز فسحةُ القارئ ليملأ فراغات في النّصّ بما ينشأ في نفسه” من “الأفكار والمشاعر”.
نصّ الصّورة: “طَفِقْنَ جَمِيعًا يَرْقُصْنَ وَالغِنَاءُ مَعَهُنَّ كَأَنَّهُ دِمَاءٌ تَسِيلُ”. حديث القيامة
حركة في التّركيب لا تسكن فهو اسميّ قام على ناسخ فعليّ؛ فعلٍ من أفعال الشروع “طفق” ومعناه في اللّسان:” طَفَقَ يَفْعَلُ كذا طَفْقاً وطُفوقاً: إذا واصَلَ الفِعْلَ، خاصٌّ بالإِثْباتِ” وفي صيغة المضارع “يرقصن، تسيل” ما يدلّ على عدم انقضاء الحدث في الزّمان.
وحركة في المعجم فالرقص خبب واضطراب وغليان وجيشان وارتفاع وانخفاض، والسّيلان الجريان. أمّا في الصورة فحركة أيُّ حركة:
ما بدأ الرقصُ إلّا بعد أن تهيّأت أسبابُه: شموع تختلج في الظّلام لفّ الضّيعة، نار تتراقص ألسنتها يُطاف حولَها، جَوار متطايرات كالشعل. الرّقص طقس في معبد اللذّة تبدأه جاريتان طوافا فرقصا دافقا وينتهي جنونا ينفر فيه العضوُ أخاه.
الرقص مشهد يقدحه الغناءُ وجماعه صوت يُمدّ ويُرجّع “أسمع الأصوات وقد قامت ثانية بأساف ونائلة ذكّيا جذواتي”، وألحان يقيمها مزمار ومزاهر ودفوف، وجسد يوقّع حركاتِه وسكناتِه بمقتضى تلكم الألحان “وتطاير الجواري كالشعل من ورائها”. تلازم بين الغناء والرّقص أبانته حال النسبة” والغناء معهنّ”.
شبّه الغناء الذّي قامت به الأصوات ورقصت له الأجساد بالدّماء تسيل. تشبيه تمثيل؛ لبيان وجه الشّبه أو وجوهه وجبت العودة إلى سابق في النّصّ ولاحق.
صورة الدّماء السائلة مهّدت إليها صور هي على التّرتيب:
-“فلمّا زفر واحمرّ اندفعتا ترقصان كأنّما أخذهما دفق دافق. وكانتا ترقصان كألسنة النّار فهما خارجتان منها عائدتان إليها أشدّ حمرة منها”
عبر تقنيّة التّضادّ اللّونيّ (ظلام/ضوء) تبرز النّار بؤرة المشهد فهي الضّوء في العتمة، وهي المركز من الدّائرة مطوف بها وهي ألسنتُها بعضُ أجساد الرّاقصات، وأجسادهنّ بعضُ ألسنتها في حركات الخفق والتّعامد والذّهاب والإيّاب “لا اليد تنفصل عن النّار” فكانت أن متحت منها ضوءها ووهجها وصارت إليها “أشدّ حمرة منها” كذا اللّون جماع النّار والدّماء.
-“أرى النّار ذكرا به لوعة الصّادي”
ينشدّ هذا التّشبيه إلى مقام الحديث عامّة وهو الاحتفال بالجسد في معبد اللّذة تقام فيه الشّعائر صلاة للإلهين أساف ونائلة” أن يوقدا الجذوات قتؤكل الروحُ حسّا”. النّار معادل رمزيّ للشّهوة المستعرة حميما رفرف اللّحم عليه “لا النّهد يقرّ لي ولا اليد تنفصل عن النّار”. النّار الأنثى وقد تُذكّر وإنّها لذكر في انجذابها إلى المرأة كائنا ناريّا. كذا الشّهوة واقدة موقودة.
-“تطاير الجواري كالشّعل”
-صيغة تفاعل تفيد وقوع الفعل بصورة متتالية. من هنا كان تطايرُ الجواري على التّعاقب يرمن بالرقص الدّافق أسباب السّماء والنّيران المتّقدة عن كثب جَذوتُهنّ ذكت فكنّ أقباسا شُهُبا، فتتطايرن كالشّعل.
-نصّ النّشيد:
حميم وجذوة ولُهاث أذاب الأجساد العارية الرّاقصة، الملتهبة شبقا، حمّتها النّار، فكان (أي النّشيد) دماءً تسيل. كذا تحوّل الحرف المترع هوى “هذه الدنيا إناث *** كلّها تدعو الذّكور”
إلى جسد مترع بالحياة ” وعاود رقصَهنّ عارضُ جنونه وهم أزواج”
تحوّل النّار والنّشيد مجتمعيْن إلى دماء تسيل رمزا للحياة الدافقة إذ حلّ الجسد العابد في النّار المعبودة في حال من النّشوة القصوى انسال فيها النصّ المقدّس دماء” اندفعتا ترقصان كأنّما أخَذَهما دفَق دافق”.

ولكن أليست النّشوة الحاصلة إيذانا بموت الجسد، وصورةُ “الدماء تسيل” تصويرا فنيّا باذخا لتجربة الحسّ تبلغ أقصاها وتبشّر بنهايتها في آن؟ هذه الرّياح تنساب لها ألسنةُ النّيران على الأرض، وهذه ريحانة تذهب نارُها. أليست صورة الدّماء تسيل قربانا في معبد الآلهة تجسيدا لذهاب الرّعدات بالأرواح؟.
لقد تناظرت الصورة موضوعَ النّظر مع صورة آخرة، لها ما بعدها قيامة ورحيلا” لانوا حتّى كأنّ الماء يجري”.
تحضر النّار في نصّ المسعديّ بقاعها الدّينيّ والأسطوريّ: النّار سبيل الإنسان في مصارعة الوجود وظواهره؛ له من نورها ما يضيء حجب الكون يقهر الظّلمة، وله من وهجها ما يدفعه إلى إرادة الخلق والحياة، وله من سطوتها ما يهدّده بالفناء والدّمار. إنّها كالماء رمز وضديده وإنّهما الوجود حياة وموت.

لا تعليقات

اترك رد