هل الحرب الايرانية – الامريكية امر محتمل ج 2 ؟


 

قد يكون من المفيد التعرف على حجم العداء الفعلي الذي تضمنته العلاقات الامريكية – الايرانية وطبيعته خلال العقود الاخيرة نظراً لان الانطباع العام السائد لدى اوساط كثيرة ان هذه العلاقات كانت عبارة عن سلسلة متواصلة من الاعمال العدائية المتبادلة بين الطرفين منذ قيام نظام الجمهورية الاسلامية في طهران عام ١٩٧٩ ، مقابل تصور مغاير عن حقبة الشاه تفترض ان ايران كانت خاتماً في إصبع صانعي القرار في الولايات المتحدة واداة طيعة في أيديهم .

نذكر ان الطلبة الايرانيين قاموا باقتحام السفارة الامريكية في طهران في الرابع من شهر نوڤمبر / ت ٢ عام ١٩٧٩ على خلفية قيام الولايات المتحدة بإيواء شاه ايران السابق محمد رضا پهلوان . قام الطلبة باحتجاز ٥٢ موظفاً من أعضاء السفارة لمدة ٤٤٤ يوماً . لقد جرت مفاوضات عديدة لإطلاق سراحهم دون نجاح كما حاولت الولايات المتحدة انقاذٍ الرهائن بواسطة عملية عسكرية خاصة في الرابع والعشرين من شهر اپريل / نيسان عام ١٩٨٠ انتهت بالفشل مع مقتل ثمانية من جنود المارينز المكلفين بالمهمة . خلفت العملية قدراً كبيراً من المرارة في الرأي العام الامريكي لما تضمنته من تحد لقوة الولايات المتحدة من قبل حكومة إيرانية كانت بلادهم قبل بضعة اشهر احد اكثر الحلفاء أهمية في منطقة الشرق الاوسط ، رغم ان الحقائق تقول قصة اخرى !!

لقد بدات العلاقات تسوء بشكل ملحوظ كما تظهره الدراسات الحديثة منذ السبعينات ؛ جاء الاتفاق العراقي الايراني في الجزائر حول شط العرب عام ١٩٧٥ وانهاء نزاع طويل بين الطرفين بالضد من رؤيا امريكية على قدر كبير من الأهمية اجرت حساباتها على اساس إنهاك النظام القومي الصاعد انذاك في العراق والذي بدأ في اولى سنوات حكمه بتأميم النفط ، كما كان يشتبك في حرب دامية مع تمرد كردي واسع النطاق ؛ كان هذا التمرد يحظى بدعم اسرائيلي – امريكي واسع وكانت ايران تقدم المحطة الجغرافية التي يتدفق هذا الدعم من خلالها . لقد تم انهاء هذا التمرد بموجب الاتفاق الامر الذي دفع الدكتور هنري كيسنجر لاعتبار ان الشاه لم يعد موضع ثقة وتعززت في هذا الصدد أفكار مماثلة بعد الدور الذي لعبته ايران خلال حرب عام ١٩٧٣ بين العرب واسرائيل واتخذت خلالها ايران بعض الخطوات العملية التي اعتبرت انحيازاً للجانب العربي ، كما كان الشاه قد اتخذ موقفاً ثابتاً يتعلق بوجوب انهاء اسرائيل احتلالها للأراضي العربية التي احتلت عام ١٩٦٧ . تبنى الشاه ستراتيجية جديدة في منطقة الخليج العربي تتضمن احترام بلاده لسيادة دوله العربية متخلياً بذلك عن الخطاب القديم الخاص باعتبار بلاده صاحبة حقوق تاريخية في المنطقة ، واتخذ سياسات جديدة تقوم على اساس بناء قوة ايران العسكرية والستراتيجية باتجاه حوض المحيط الهندي ؛ في هذا السياق بدأ ببناء قوة بحرية كبيرة وتقدم بطلب شراء حاملات طائرات وقطع بحرية ثقيلة من الولايات المتحدة فضلاً عن شروعه في برنامج نووي طموح . في ذات الوقت واصل الشاه عمليات تحديث البنى الاجتماعية والاقتصادية لبلاده بالشكل الذي بدأ يثير قلق الولايات المتحدة واسرائيل التي ظل يرفض منح بعثتها الفنية – العسكرية في طهران صفة سفارة ومنعها من الاتصال بوزارة الخارجية الايرانية وحصر اتصالاتها بجهاز المخابرات السافاك رغم قيام موشيه دايان بزيارة طهران بنفسه لتقديم الطلب بهذا الخصوص ، الا ان الشاه رفض ذلك بإصرار مما استدعى وصفه بالخائن من قبل اعلى القيادات الاسرائيلية ، وقد انعكس ذلك على علاقاته الامريكية ؛ رغم ماكان يبدو على السطح علاقات وثيقة بين الطرفين الا ان موجة عارمة من النقد لسجل ايران في حقوق الانسان بدأ يظهر في الاعلام الامريكي والتقارير الدورية التي تصدرها الهيئات الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة . ان ما أبقى العلاقات تبدو بحالة طيبة في شكلها العام هي شركات السلاح ولوبياتها جراء الأرباح التي كانت تحققها من صفقات السلاح الهائلة التي شرع بها الشاه بعد تدفق اموال الهبّة النفطية اثر اعلان المقاطعة النفطية العربية عام ١٩٧٣ ، رغم ان الضغوط الإعلامية وحتى الصهيونية بدات تظهر اثارها في تلكؤ موافقة بعض الجهات الامريكية على تجهيزات السلاح للشاه الامر الذي دفعه الى الالتفات صوب الاتحاد السوفيتي ، وكانت اولى بوادر ذلك عقد صفقة سلاح كبرى اواخر عهده تتضمن تجهيز الجيش الايراني بألف دبابة سوڤيتية حديثة مع مئات من قطع المدفعية وأسلحة متنوعة اخرى ؛ كان لذلك معناه خلال ايام الحرب الباردة .

اذن لم تكن العلاقات مع الولايات المتحد خلال الفترة الاخيرة من عهد الشاه في احسن حالاتها او هي ” سمنة على عسل ” كما يقول المثل ، وهذا يصح على المستويين السياسي والستراتيجي ؛ والحافز الوحيد الذي تضمنته ديناميات تلك العلاقات كان رغبة الولايات المتحدة في امتصاص الدولارات النفطية من بلدان الاوپك بمختلف الوسائل ، وان ايران الشاه اصبحت عبئاً معنوياً وستراتيجياً من وجوه عديدة ، ولعل هذا مايفسر حيرة السفير الامريكي في طهران عام ١٩٧٩ الذي لم يفهم الموقف الملتبس لادارة كارتر من احداث ايران انذاك وإصرارها على عدم السماح للشاه لاستخدام قواته العسكرية والحرس الإمبراطوري لمعالجة الفوضى التي عمت الشارع ، مع الدهشة التي أثارتها لدى اوساط عديدة كمية الموارد والتسهيلات التي توفرت للمعارضة بقيادة الخميني وفي مقدمتها ملايين الاشرطة المسجلة بصوت الخميني والتي كانت تدخل ايران يومياً وتبث في الشارع بواسطة الالاف من مكبرات الصوت .

جاءت الثورة الايرانية لتغير توجهات البلاد السياسية المعلنة بشكل كامل رغم ان فريقاً مهماً من خبراء الستراتيجية في اسرائيل والولايات المتحدة كانوا يعتبرون ان مايجري في ايران مد ثوري شعبوي سرعان مايخبو لصالح اعتبارات الجيوپوليتيك رغم ما اثارته أعلانات الثورة الاولى من هواجس وقلق في الاقليم . لقد جاءت أزمة الرهائن واقتحام السفارة والغاء مكتب البعثة الاسرائيلية الذي تم الترويج له خطأً على انه سحب للاعتراف بإسرائيل وإغلاق لسفارتها وايران لم تكن قد اعترفت بإسرائيل ولم تمنح تلك البعثة صفة سفارة بل كان موقفها الرسمي المسجل مايزال هو الاعتراض على قيام اسرائيل وتقسيم فلسطين ، وهو موقفها داخل لجنة التسعة التي شكلتها الامم المتحدة حول القضية الفلسطينية والتي اوصت بالتقسيم عام ١٩٤٧ وكانت ايران عضواً فيها .

لم يخطئ خبراء الستراتيجيا هؤلاء بل ربما كان سقف توقعاتهم اقل من أمنياتهم ؛ لقد اعادت ايران الثورية جبهة مواجهاتها الخارجية لتضع في مقدمة أولوياتها اسقاط الأنظمة السياسية في المنطقة وكان النظام البعثي في العراق في مقدمتها رغم انه كان الاكثر خطراً على اسرائيل كما اثبتت تجربة حرب عام ١٩٧٣ . في تلك الحرب زج العراق وبسرعة قياسية قوات عسكرية ادت الى تغيير مجرى المعركة في الجولان وحولت اندفاع القوات الاسرائيلية نحو دمشق الى موقف دفاعي بحت ، وفي الوقت الذي كانت تتكبد فيه القوات الاسرائيلية الخسائر تلو الخسائر كانت القوات العراقية تجلب المزيد من التعزيزات واتخذت كامل الاستعدادات لهجوم شامل وكاسح لاستعادة هضبة الجولان لولا وقف إطلاق النار الذي أعلنته القيادة السورية دون استشارة العراق .. هذه التجربة ستظل هاجساً ستراتيجياً يقلق اسرائيل حتى بعد حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١ وتدمير جزء مهم من قوة العراق العسكرية ، ولم يبتعد عن حسابات الاسرائيليين الا بعد الاحتلال الامريكي للعراق وتفكيك قوته العسكرية ( وفق نصيحة إسرائيلية وإيرانية كما اثبتت الوثائق فيما بعد ) .

من اجل ان نقدر حجم العداء المتبادل بين الولايات المتحدة وايران الجمهورية الثورية يتعين اجراء جرد عاجل لمعرفة المواضع التي شهدت احتكاكات وصدامات وتلك التي شهدت تعاوناً ، ومن المناسب ان نفهم أولوياتها في الرؤية الستراتيجية العامة للطرفين لكي نقدر قيمة العداء وقيمة التعاون ونضعهما في الميزان لنرى اي الكفتين هي الأرجح .

بدات اولى اختبارات طبيعة التوجهات التي ستأخذها العلاقات خلال الحرب العراقية الايرانية والمفاوضات الامريكية الايرانية لتحرير رهائن السفارة .

يتردد حديث كثير حول موقف امريكي مزعوم داعم للعراق خلال حرب الثمان سنوات ٨٠ – ١٩٨٨ ، وهذا غير دقيق . لقد كانت هنالك اتصالات عراقية امريكية قبل الحرب من اجل استئناف العلاقات الدبلوماسية منذ عام ١٩٦٧ ، وقد كان الرئيس صدام حسين واضحاً وصريحاً بهذا الشأن فقد أعلن غير مرة انه من غير الطبيعي ان تكون العلاقات مقطوعة مع قوة عظمى كما اكد مراراً اهتمام العراق بالتكنولوجيا الامريكية وازداد عدد طلاب البعثات العلمية الى الجامعات الامريكية عدة اضعاف كما تم منح رئيس شعبة رعاية المصالح الامريكية في بغداد صفة رئيس بعثة رسمية مستقلة ممثلة لبلاده . كل ذلك تم قبل الحرب وقبل قيام نظام ولاية الفقيه مما يفند المزاعم السخيفة بان الحرب قامت لإحباط ثورة إسلامية سنرى تفاصيل افعالها التي لم تخدم سوى أعداء المنطقة وخاصة الصهيونية من خلال بث النعرات الطائفية ونشر عدم الاستقرار .

جاءت الحرب الايرانية على العراق في السادس من أيلول عام ١٩٨٠ لإحباط مشروع تنموي نهضوي هو الاكبر في المنطقة وفي العالم الثالث طوال تاريخهما ، ولم تُبْد الولايات المتحدة حماساً لاستخدام نفوذها الدولي لتأييد موقف العراق الداعي لاحلال وقف لإطلاق النار وعودة القوات الى الحدود الدولية بإشراف اممي كما قبل بمبدأ قيام هيئة دولية محايدة للتحقيق في المسؤولية عن الحرب … جاء اعلان هذا الموقف منذ وقت مبكّر من بدء الحرب وظل العراق متمسكاً به وكرر إعلانات وقف إطلاق النار من جانب واحد اكثر من ثلاث عشرة مرة ..

لم يتلق العراق خلال الحرب آية معونات عسكرية امريكية ولم يعقد آية صفقات سلاح علنية او سرية ذات طابع مؤثر في مجرى المعارك مع الولايات المتحدة باستثناء عدد محدود من طائرات الهليوكوپتر في فترة متأخرة لم يكن لها اي دور في نتائج الحرب . اما ماتم أشاعته من ان رامسفيلد قام خلال زيارته للعراق خلال الحرب بعقد صفقات سلاح كيمياوي فهو خبر غير صحيح وكانت زيارته ذات طابع استطلاعي في محاولة لمقايضة موقف عراقي مغاير لمواقفه المعلنة ازاء اسرائيل لقاء أسلحة امريكية نوعية ورفع لمستوى العلاقات الاقتصادية وتسهيلات ائتمانية تسدد بالنفط وفق أسعاره العالمية ، لكن القيادة العراقية كانت ثابتة على موقفها المعلن من القضية الفلسطينية ، ومصادر التسلّح العراقي الاساسية معروفة وليس من بينها امريكا ، كما ان العراق قد دخل الحرب وترسانته من العلماء والخبراء والباحثين تصنفه ضمن دول العالم المتقدم ، الامر الذي ساعده على تجاوز عقبات كثيرة وضعت في وجهه حيازته على أسلحة نوعية تعوض الفارق قي الحجم والسكان في مواجهة ايران .

لقد اشيع الكثير عن تعاون استخباري امريكي يتعلق بمعلومات عن تحركات القطعات العسكرية الايرانية تحصل عليها القيادة العسكرية الامريكية بواسطة الأقمار الاصطناعية وطائرات الأواكس فهي معلومات مبالغ فيها رغم انها صحيحة جزئياً وفي سياق مفهوم . لقد بات واضحاً بعد معارك ” الحصاد الاكبر ” ، التي تعرف شعبياً بمعارك نهر جاسم وبحيرة الأسماك ، ان ايران قد فقدت خيرة قواتها العسكرية خلال تلك المعارك وقد اصيبت بالعجز عن شن اي هجوم كبير بعدها حتى نهاية الحرب كما كانت علاقاتها قد وصلت الى اسوأ حالاتها مع الولايات المتحدة حين بدأت وبروح يائسة بالتعرض للملاحة النفطية التي تبحر في الخليج العربي تحت العلم الامريكي وهو امر قاد الى صدام مسلح بين بحريتي البلدين انتهت بعد ساعة من بدئها بتدمير البحرية الايرانية بعد معركة دامت حوالى أربعين دقيقة ،

وهذا السياق العام للموقف شجع الامريكان على السعي لتوثيق العلاقات مع الطرف الذي بدا لهم انه سيكسب الحرب ، وهو ذات السياق الذي سيسود عند بحث موضوع الحرب ، في اطار بحث عام للموقف العالمي في اجتماع ريكاڤيك بين ريغان وغورباتشوف والذي لم يثمر اي شيء في حينه بشأن خفض التسلّح الستراتيجي بين القطبين الدوليين ، لكن اتفاقاً تم حول خفض التوتر في نقاط الاحتكاك المُحتملة ومنها حرب الخليج ….. لكن ازاء ذلك كانت الولايات المتحدة قد زودت ايران بمئات من الصواريخ المضادة للدروع من نوع ( تاو ) وقطع غيار للطائرات والدبابات الايرانية امريكية الصنع وكانت هذه الاسلحة تلعب دوراً كبيراً وخطراً في المواجهات العسكرية وفي تعزيز القدرات الهجومية والدفاعية للقوات الايرانية ونتذكر هنا ( ايران غيت ) واكتفي بإحالة من يريد التعرف على مزيد من تفاصيل العلاقات التي ربطت بعض اوساط الملالي بالإسرائيليين والامريكان الى مذكرات ابو الحسن بني صدر اول رئيس لجمهورية ايران الاسلامية والتي يعبر فيها عن دهشته من حجم العلاقات التي اكتشف انها تربط الملالي بهذه الاطراف وكانت تتم من خلف ظهره .

لقد غضت الادارة الامريكية الطرف عن قيام اسرائيل بمد جسر جوي بين اسرائيل وايران نقلت عبره أسلحة وقطع غيار وإطارات الطائرات ذات المنشأ الامريكي التي يحظر على اسرائيل نقلها الى طرف ثالث ؛ ناهيك عن الدعم الإعلامي الذي اتخذته منصات الاعلام الامريكية وتضخيمها للانتصارات المزعومة للقوات الايرانية وخاصة في الصفحات الاولى من عمليات الهجوم الكبيرة التي كانت تقوم بها والتي كانت تنتهي عادة بكوارث على هذه القوات ؛ لقد لعبت إعلانات المصادر الرسمية الامريكية بشأن استخدام القوات العراقية للاسلحة الكيمياوية دورها في ترسيخ صورة العراق كدولة تُمارس عمليات القتل بدون تمييز باستخدام الاسلحة المحرمة في الوقت الذي تشير فيه الوقائع الى ان اول استخدام للسلاح الكيمياوي خلال الحرب كان من الجانب الايراني ، تماماً كما كان الحال مع الصواريخ . هذه الإعلانات الرسمية الامريكية وفرت لماكنة الاعلام الصهيونية المادة التي تريدها فتقوم لتضخيمها والمبالغة في نشر من تصفهم بأنهم ضحايا السلاح الكيمياوي العراقي .

كان لهذه المساعدات وعدم اتخاذ موقف امريكي حاسم في اطار الامم المتحدة او في اي اطار دولي اخر دوره الحاسم في اطالة امد الحرب تحت تأثير صهيوني واضح تراجع لصالح اللوبي الصناعي الذي كانت لديه برامج عمل مختلفة حول العالم مع بدء الانفراج الدولي نتيجة التغيرات التي بدات بوادرها داخل المعسكر الاشتراكي خلال النصف الثاني من عقد الثمانينات في القرن الماضي، وكان امر اطالة الحرب يقع في قلب الستراتيجية التي تبنتها جمهورية ولاية الفقيه المصدر للثورة الاسلامية ، يحدوها الأمل في ان طول الحرب من شانه زعزعة النظام السياسي واستنزاف قدرات العراق ؛ في غضون تلك الحرب استثمرت اسرائيل في الفرص التي توفرت وفي مقدمتها احتلال لبنان وترحيل قوات الثورة الفلسطينية الى المنافي بعيداً عن خطوط المواجهة مع اسرائيل الامر الذي اضطرهم في النهاية للبدء في اولى اتصالاتهم غير المباشرة مع العدو من خلال الوسيط الروماني شاوشيسكو قبل سقوطه ، ثم التحول الى النرويج واوسلو ، وكان كل ذلك دليل على ماتعلمناه من دروس في علم العلاقات الدولية : في العلاقات بين الدول قد تتباين السياسات وقد تصطدم ، لكن ذلك لايتعارض مع تلاقٍ في الستراتيجيات بعيدة المدى وهي التي تشكل الخط العميق في مجرى العلاقات ، لان هذه الستراتيجيات هي حصيلة حتمية للجغرافيا والتاريخ وعقيدة النظام السياسي على اختلاف مسمياته ومعطيات متراكمة على مستوى الاقليم والعالم .

بعد أزمة الكويت حصل تحول ستراتيجي كبير على المستويين الدولي والاقليمي . لقد انقلبت موازين القوى الاقليمية وتصدرت المشهد الاقليمي ثلاث قوى محلية هي مجموعة مجلس التعاون بقيادة السعودية ، وايران بعد ان تم تقييد خصمها الوحيد القادر على مواجهتها لاعتبارات عملية واستراتيجية ، واسرائيل . في هذه الأثناء برزت ايضاً ظاهرة القوى الاقليمية من غير الدول والمتمثلة بالمليشيات المسلحة التي تحظى برعاية الدول في بعض الاحيان مثل حزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية والبيشمرگة الكردية بفرعيها وحركة طالبان التي استولت على السلطة في أفغانستان وأمنت الحماية والمأوى لتنظيم القاعدة بزعامة بن لادن . ..

في ذات الوقت فقد انهار المعسكر الشيوعي وبدأت الأنظمة الشيوعية في شرقي اوروپا بالتفكك وانحل الاتحاد السوڤيتي وحلف وارشو واصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة . كانت اعادة ترتيب العالم من اولى المهمات التي واجهتها ادارةٍ كلنتون بعد سنتين من بدء حصول هذه التحولات الكبرى في العالم وفي منطقة الشرق الاوسط .

بدات اولى الخطوات بتوجيه ضربة عسكرية للعراق على خلفية مزاعم تتعلق باكتشاف محاولة اغتيال للرئيس السابق جورج بوش الأب خلال زيارة قام بها للكويت ، لكن التطور الأهم هو اعلان سياسة الاحتواء المزدوج كما أسلفنا في الحلقة السابقة وتبدت اولى معالمها بعد اعتمادها مباشرة حيث قام رئيس الولايات المتحدة بإصدار قرار تنفيذي خفف بموجبه العقوبات التجارية ضد ايران ، وتم استثناء بعض المنتجات الايرانية من قرارات حظر التعامل التجاري الذي فرض على خلفية أزمة الرهائن ، كما تم لاول مرة افتتاح قنوات رسمية للتواصل المباشر بين الطرفين وتم اعتماد ممثليات الطرفين في الامم المتحدة في نيويورك وجنيڤ ، لقد تطور هذا الانفتاح بعد تقييم شامل تقدم به كولن پاول الى مجلس الامن القومي الامريكي دعا فيه الى إيجاد مساحات للتعاون الستراتيجي مع ايران بدءاً بالساحة الافغانية اثر هجمات القاعدة في سبتمبر في الولايات المتحدة كما سنفصله لاحقاً .

لقد تطور التعاون المشترك الى القيام بتنظيم محاولة لإقامة حكومة عراقية بديلة من منشقين عراقيين في اقليم الحكم الذاتي شمالي العراق . كانت المخابرات الايرانية قد أقامت محطة كبيرة لها في السليمانية بتسهيلات قدمها جلال الطالباني ومجموعته وفي المقابل قامت المخابرات الامريكية بتاسيس محطة لها في أربيل وامتدت نشاطاتها حتى السليمانية ، وكان احمد الچلبي يقوم بمهمة التنسيق بين الطرفين ؛ كما تولى الجانب الامريكي الانفاق على هذه العملية ووصل التعاون حد تغطية تكاليف ايجار المنشآت التي اشعلتها عناصر المخابرات الايرانية من الاموال التي خصصتها المخابرات الامريكية للعملية ؛ زعمت المخابرات الامريكية ان الاتصالات بالجانب الايراني والانفاق المالي كانت عملاً منفرداً قام به الچلبي ثم انتهت العملية بكارثة وفشل ذريع ؛ وربما يفسر ذلك قضية تنصل الامخابرات الامريكية من المسؤولية عن الأخطاء بضمنها التعاون مع الايرانيين على كاهل احمد الچلبي ، ولكن لم يفسر لنا احد لماذا ظل الچلبي يحظى بثقة الجانب الامريكي رغم ذلك ، ولماذا كانت المخابرات وحدها من بين مؤسسات الدولة الامريكية هي الوحيدة التي تتخذ موقفاً متحفظاً منه حتى النهاية ؟! من الواضح انها ارادت الإصرار على التنصل من المسؤولية عن فشل العملية في ذروة عهد الصعود الامريكي ووقفت القوة العظمى عاجزة عن عمل شيء عندما قام الجيش العراقي باجتياح المنطقة الشمالية في عملية سريعة مباغتة انتهت بتدمير كامل المخطط . تم تحميل احمد الچلبي كامل المسؤولية دون اجراءات عملية بحقه لانه من الواضح ان جوهر العملية وماتلاه من تعاون مع المخابرات الايرانية كان قراراً سياسياً من اعلى المستويات لم يرغب احد في الجانب الامريكي تحمله امام الرأي العام الذي مازال يعاني من مرارة ذكريات أزمة الرهائن !!

قبل ذلك كان المجلس الأعلى للثورة الاسلامية بزعامة الحكيم في طهران قد بعث عام ١٩٩٢ برسالة الى مجلس الامن الدولي زاعماً فيها ان القوات العراقية قامت باستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد الشيعة في جنوب العراق ومنطقة الأهوار ؛ رغم عدم ثبوت ذلك وفقاً لتقارير فرق التحقيق الدولية الا ان الولايات المتحدة سرعان ماقامت بإعلان مناطق جنوب العراق مناطق حظر للطيران في شهر اغسطس / آب عام ١٩٩٢ واذا عرفنا ان المجلس لم يكن سوى اداة إيرانية نستطيع فهم درجة التنسيق والتعاون الايراني الامريكي فيما يخص العراق .

لقد جاءت احداث سبتمبر عام ٢٠٠١ لتضيف فصلاً نوعياً جديداً من ” التعاون الستراتيجي ” هذه المرة بين ايران والولايات المتحدة .

لقد اتخذت ادارةٍ بوش قرارها باسقاط نظام طالبان من خلال عملية دعم جوي واسع النطاق لما كان يعرف بتحالف الشمال الافغاني المناهض لحكومة طالبان في كابل . كانت ايران قبل ذلك بوقت قصير على وشك القيام بعملية عسكرية ضد طالبان على خلفية مقتل عدد من دبلوماسييها في أفغانستان على يد عناصر طالبان ثم تراجعت لاسباب غير مفهومة . لقد جاءت العملية الامريكية متوافقة مع النوايا والسياسة الايرانية في أفغانستان حيث تبنت ايران بدورها تحالف الشمال وكانت تقدم له الدعم العسكري فضلاً عن تحالف أقلية قبائل الهزارة الشيعية التي تعيش بالقرب من اقليم خرسان الايراني مع هذا التحالف . لقد تم اسقاط نظام طالبان بفعل الضربات الجوية الهائلة التي نفذها سلاح الجو الامريكي مما أتاح المجال امام تحالف الشمال للتقدم نحو كابل وإقامة مايمكن تسميته ” تحالف الأقليات الطائفية والعرقية ” ضد حكم طالبان ذات الأغلبية البشتونية وهي السياسة التي تمثل القاسم المشترك بين اسرائيل والولايات المتحدة وايران في منطقة الشرق الاوسط ، وهي جوهر السياسة الخارجية الايرانية في المشرق والخليج العربيين وافلحت من خلالها ، بإغراءات المال والمعتقد ، في توريط قطاع مهم من ابناء الطائفة الشيعية في المنطقة ووضعتهم في مواجهة اوطانهم وشركائهم فيها .

لعل الصفحة الأهم في عملية أفغانستان هي التي اعقبت اسقاط نظام طالبان ، وستكون ايران في قلب المفاوضات التي تمت برعاية امريكية – ألمانية ولولاها لما أمكن إنجاز الترتيبات لإقامة نظام موال للغرب في كابل ، وفقاً لمصادر امريكية .. دور سيتكرر في العراق .

( يتبع )

لا تعليقات

اترك رد