يسارعون في الخيبات


 

متفقون منذ بدء الخليقة إلى عصرنا هذا، عصر التكنولوجيا والعلوم والمعرفة؛ بأن الحاكم والملك والسلطان وصاحب الجاه والبرجوازي والإقطاعي والسياسي كل الذي يعنيهم أن يحققوا المكاسب والبقاء على العرش والمنصب وجمع الأموال الهائلة حتى ولو اضطروا إلى أن يتآمروا مع الشياطين، وبأن هموم الرعية ومن يعملون تحت ظلهم وسلطانهم لا تعنيهم مطلقاً وليس لها أيّ وجود في اجندتهم وأولياتهم وبأنهم يتغذون من دمائهم وحجم بطونهم وثراءهم وسلطانهم كلها تتكّون وتتنامى من مآسي البسطاء والمساكين والمتواكلين على قدرة وقوة السماء لا على عقولهم ووعيهم؛ ولهذا فقد تمادى الحاكم الجائر والملك المعتوه والبرجوازي الأناني والإقطاعي الجلف على هؤلاء الجهلة والمغلوب على أمرهم؛ فقد باتوا يعرفون حق المعرفة إلى درجة اليقين بأنهم لن يرفعوا أيديهم وجل الذي يستطيعون فعله هو الصراخ والعويل والثرثرة في المقاهي والحانات وخلف الجدران وأن يمدوا أيديهم نحو السماء لتنتقم لهم ولا غرابة من الملك والحاكم وكل الذين تم ذكرهم في مقدمة النص لو سارعوا في صنع الخيبات لأن استمرارية وجودهم ومكاسبهم تكون أعظم في وجود الخيبات.
لكن علينا اليوم أن نجلس سوية أمام محراب الحقيقة ونوقد حطب المنطق ونلتف على شكل دائرة لنتفق بأننا نحن شعوب العالم المتأخر والمتردية حالته منذ القدم إلى هذا اليوم ونحن نحمل على ظهورنا حطب الخيبة ليسجر الطغاة تنورهم ويأكلون من لحومنا طبقاً شهياً يتقاسموننا مع الآغراب أصحاب البشرة البيضاء والشعر الأشقر الناعم.
فلو قعدنا بشكل عدل وتساءلنا في ما بيننا ما الذي فعلناه وما الذي قدمناه وما الذي انجزناه لننته ونتعافى من مرض الخيبة المزمن؟
لا أريد أن أعيد شريط التاريخ العربي وخلفاته وعصوره المتقلبة وتناقضاته والأكاذيب الملفقة والتزوير الذي قام به المندسون وأصحاب النظرة بعيدة المدى. والذين كانوا منذ ذاك الزمان يعلمون بدهائهم وفطنتهم بأن التزوير الذي يفعلونه اليوم في كتب التاريخ سوف يعين ويسهل الأمر في الغد البعيد لطوائفهم ومذاهبهم ومن يعتنق نهجهم ويحذوا حذوهم. وبالفعل فقد نجحوا في مسعاهم وفي ما خططوا له منذ عقود وما نعيشه اليوم من مذابح وتناحر هي حصاد ما زرعه المزورين والمندسين كالدود ما بين سطور التاريخ.
لكنني أود أن أخوض في حديث الساعة واللحظة الراهنة وما نعيشه من مآس فكرية واجتماعية وأخلاقية وأوجه خطابي إلى الشعوب لا إلى الحكام والملوك والساسة الفاسدة فهم لا يقرأون ولا ينشغلون بما أهذي به.
في العراق:
من هو الذي يمضي العام كله في التباكي وجلد الذات بالملامة وبالسلاسل الحديدية وينشغل ويغض النظر عن السياسين الفاسدين ويعطيهم المجال ليسرقوا وينهبوا في وضح النهار دون خوف من رقيب أو حسيب فالرقيب والحسيب منشغل في طقوس الحداد والحج والطواف وطوال العام لا وقت لديه ليراقب أو يوقف السياسي الفاسد عند حده؛ اليسوا هم عامة الشعب؟ اليسوا هم أنفسهم الذين يعيشون اليوم بلا كهرباء وبلا أمان وبلا أدنى احترام لحقوقهم؟
أليسوا هم أنفسهم الذين يصنعون خيباتهم بسذاجتهم وبساطة عقولهم وعواطفهم الجياشة تلك العاطفة التي يسجر لها المستفيدون من سجرها بذريعة الولاء للمقدسات والوفاء لمن هم تحت القبور؟ فهل رأيتم واحد من أصحاب العمامات الثقيلة بلا كهرباء أو يعيش في كبد؟ أم أنهم يعيشون في قصور ولهم فيها الجواري والخدم والحشم والدروايش يقبلون أيديهم ويتمسحون بثيابهم. فهل أشعلت احدى العمامتين البيضاء والسوداء كهرباء بيت إنسان فقير؟
في سوريا:
من هو الذي انقسم إلى نصفين وكل نصف انقسم إلى أجزاء وكل جزء إلى شرذمة وكل شرذمة إلى جزء من الشرذمة وكل جزء متناحر مع الآخر أليسوا هم الشعب؟
أليسوا هم الذين زادوا الطين بلة بانقسامهم وتشرذمهم وهم من صنع خيبة النزوح واللجوء والتشرد حين لم يتفقوا على صيغة واحدة وحين تناحروا في ما بينهم كل حزب بما لديه فرح. فرح الموالي تحول إلى معيشة صعبة وحياته كلها فوضى ما كان يشتريه بعشر ليرات اليوم يشتريه بآلاف الليرات ومئات الآلاف من الليرات. وفرح المعارض تحول إلى نزوح ولجوء لدى الجوار يعاني من القهر والجوع والتنقل من بلد إلى بلد وكل بلد يعيش به يعاني منه الأمرين.
هل وصلت آثار الخيبة إلى قصر الحاكم وهل تضرر وهل عاش الجوع كما عاشوه وهل تضرر بغلاء الأسعار كما تضرروا هم؟
في اليمن:
من هم الذين ذبحوا بعضهم البعض وشردوا بعضهم ونكلوا ببعضهم أليسوا هم عامة الشعب من الفريقين المتناحرين؟
هل تفشت الأمراض والأوبئة في بيت من بيوت التحالف الذين يحومون بطائراتهم، وهل جاع السعوديون جراء تلك الحرب الطاحنة؟ وهل تضرر إيراني أو قيادي حوثي أو قيادي يمني سنى جراء هذه الحرب؟
في السعودية:
من هو الذي تفكك بنيانه واختل توازنه وتهاوت عقائده كما يتهاوى الصخر من قمة حبل؟ من الذي صار يعيش في تناقضات كبيرة وانفصام فكري حاد ومن الذي قفز قفزة الضفدع من شعب محافظ ومتمسك بالعقيدة والسنة النبوية والمتشدد إلى درجة التزمت إلى شعب متحرر يؤيد الرقص والطرب ويشجع على الفوضى أو ما يسمونه بالفوضى الخلاقة اليسوا هم القبائل السعودية؟ فهل تضرر الأمراء من هذه القفزة الطويلة بالطبع لا لأنهم منذ الأزل وهم يعيشون في تحرر إلى حد الفحش والجنون فلم تضفي عليهم قفزة الضفدع أي شيء جديد ففي قصورهم وفي دهاليزهم السرية وفي زمن التشدد كانوا يعيشون ما هو أعظم وأغرب مما يعيشه الشعب السعودي اليوم. ومن هو الذي سوف يدفع ضريبة تلك القفزة وهذ التحول بالطبع وبالتأكيد المواطن السعودي البسيط والمحافظ والمتمسك بمبادئه وقيمه التي ولد عليها.
نحن الشعوب مثل العنكبوت ننسج على عقولنا الأعشاش والخيطان المعقدة لنواري بها سواءات الطغاة نحن بجهلنا بحقيقة ما يحاك لنا وبغبائنا بما يدور خلف الكواليس نسارع في الخيبات، ننشغل بساسف الأمور والسخيف منها ونترك القيم والعميق لا ننشغل به. ننشغل بأخبار الراقصات والفنانين ولا ننشغل بما يدور في العتمة حول صفقة القرن التي سوف تغير كل شيء وتمحو ذاكرة كل شيء حين تعلن نتائج الصفقة لا تدعو إنكم اصبتم بالدهشة والذهول وجميعكم يعلم تمام العلم بأنكم سوف ترضخون لنتائج الصفقة وسوف تتعايشون معها ولن تقدموا ولن تأخروا بندا من بنود الصفقة التي يجتمع لإعلان نتائجها نعاج الأمة يترأسهم الذئب الأشقر المجنون.
من النعاج العربية السمراء، تحية إكبار وإجلال للثعالب الإسرائيلية واللوبي الصهيوني التي تعمل بمكر ودهاء وللذئاب الامريكية المتوالية الذئب تلو الآخر من أسمر إلى اشقر
سلام عليكم أيها الشعوب المتهالكة يوم ولدتم مساكين ومغلوب على أمركم وسلام عليكم يوم تموتون بصمت لا صرير لموتكم. أجمل ما فينا نحن شعوب العربية أننا بارعون في صياغة خيباتنا وبارعون في التباكي على ما صنعته أيدينا نسارع في الخيبات أكثر ما نسارع في المعرفة والتنوير. نسارع في زيادة العتمة أكثر ما نسارع في اشعال القناديل وإنارة الطرق المظلمة.
من السهل على الإنسان أن يبني من جماجم جهله ومن أشلاء غبائه صرح خيباته الكبرى، لينفرد بهذا الصرح دون غيره ويتوجه التاريخ ملكاً للخيبة والغباء وتتداول الأجيال والأمم عصر خيباته المتوالية.

المقال السابقالانتخابات وصوت الاقلية !
المقال التالىهل أصبح الشاهد حصان طروادة النهضة ؟
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد