هل العلاقات السعودية الخليجية لها تأثير على رسم خريطة الجغرافيا السياسية العالمية ؟

 

شكل التوجه الجديد للسعودية شرقا بالانفتاح على الصين الرد الأبرز على قانون جاستا الأمريكي الذي وجه ضربة موجعة للعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لتجد السعودية ضالتها وفرصتها في العملاق الآسيوي عبر توقيع اتفاقيات ضخمة تخدم خطط السعودية قبل أن تقر رؤية المملكة 2030.
انزعجت الولايات المتحدة من توقيع السعودية مع الصين لشراء طائرات وينج لونج دون طيار القادرة على حمل صواريخ وقنابل موجهة بالليزر والتي استخدمت ضد الحوثيين في اليمن.
ترى الصين أن السعودية وبقية دول الخليج المنصة الرئيسية التي تسعى الصين من خلالها لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط، وتعتبر العلاقات التكنولوجية العسكرية بين الصين والسعودية قد يكون لها تأثير كبير على الجغرافيا السياسية العالمية وقد تقلق الولايات المتحدة التي كانت تستخدم الورقة الإيرانية في زمن أوباما لضرب السعودية.
ما يزعج الولايات المتحدة دخول الصين بجانب السعودية مثل جيبوتي، حيث أنشأت هناك قاعدة عسكرية بالقرب من القاعدة العسكرية الأمريكية، ومنذ مجئ ترمب صنفت أمريكا بأنه رمز نهاية القرن الأمريكي وتمكين الصين من تأدية دور قيادي عالمي، وهو باعتراف أتى من خلال تصريح تيريزا ماي الذي قالت في دافوس من أن أمريكا وبريطانيا لن تنتهكا بعد اليوم حرمة الدول ذات السيادة، ولن تعملا على تشكيل العالم على صورتهما، وهذا لا يعني انتهاء قرن من الهيمنة الأميركية فحسب، بل نهاية نصف ألفية من التفوق الغربي.
لذلك نجد أن هناك تزامن بين دعوة الرئيس شي جين بينغ لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، تتزامن مع إطلاق البيت الأبيض في عهد ترمب صفقة القرن بإعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو رفض على وجود الصين الدبلوماسي والجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.
بدأت الصين بنفوذ استراتيجي ففي العامين 2008و2009 أرسلت بكين سفنا بحرية إلى المنطقة، وصفت بأكبر بعثة بحرية منذ القرن الخامس عشر، كما بادرت إلى عقد شراكات استراتيجية مع السعودية أكبر شريك للولايات المتحدة، وأقنعت بكين السعودية بالمشاركة في مبادرة حزام واحد طريق واحد وشجعتها على الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
أتى الدور الصيني بعد الإرهاق الذي سيطر على الرأي العام الغربي نتيجة التدخلات والحرب المستمرة لأكثر من عقد من الزمن في الشرق الأوسط وحتى الجمهوريين الذين كانوا يؤيدون هذه التدخلات أعلنوا أنهم لن يعملوا مع ترمب، أي أن هناك تراجع نسبي لسلطة أمريكا وبريطانيا في المنطقة، خصوصا مع تراجع أمريكا في اعتمادها على نفط المنطقة بعد ثورة النفط الصخري لديها الذي هدى من روعها.
تلك فرصة السعودية وبقية دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية في عالم بات ينحو بشكل متزايد إلى التعددية القطبية، خصوصا وأن الصين تؤمن على عكس الولايات المتحدة والغرب في أن شعوب المنطقة يجب أن تمتلك حرية اختيار طريقها نحو التنمية حسب ظروفها الوطنية.
وأعلنت الصين موافقتها ودعمها للتدخل الروسي في سوريا، ورغم أن هناك مخاوف الهند من الطوق الذي يفرضه خيط اللؤلؤ الصيني فإن السعودية أقامت شراكة استراتيجية مع الهند لتبديد هذا التخوف.
الصين تعطي أولوية للاستقرار في المنطقة أكثر من الولايات المتحدة، خصوصا ويعتبر الشرق الأوسط حلبة رئيسية للتنافس بين القوى العظمى، فالصين تضيف في المنطقة المصير الحتمي التي ليس لها ماض استعماري في المنطقة عنصرا جديدا يمكنه أن يسهم في حل القضايا التي تبدو مستعصية والذي يمكن أن يدق في نعش التدخل الغربي.
السعودية تعمق التقارب مع الصين لتنويع قاعدتها الاقتصادية ولكسب الموقف السياسي الصيني المهم في التحولات الإقليمية، خصوصا بعدما وجدت في الفترة الماضية استجابة ضعيفة لاحتياجاتها الأمنية والعسكرية في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها، مما يفتح الباب أمام الصين وروسيا لنشر ثقلهما في المنطقة وتنسيق مواقفهما ليس شرطا ضد الولايات المتحدة ولكن تماشيا مع التحولات الجديدة.
خصوصا وأن الصين لا ترغب في أي اصطدام مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بل تستفيد من الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث أنها تؤمن أنه لا بديل في ظل الصراع السعودي الإيراني عن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة للحد من النفوذ الإيراني أو لتأمين الملاحة ووصول الصادرات النفطية آمنة إلى الصين، وتبقى القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج فاعل عسكري مهيمن في الخليج وستبقى العلاقات السعودية الأمريكية خصوصا في زمن ترمب في أفضل حالاتها وعلى الأرجح أن الصين والسعودية والولايات المتحدة سيقومون بعمل توازن ثلاثي للقوة في الخليج يصب في خانة مصالحهم المشتركة دون أن يقوم طرف بتهميش الأطراف الأخرى أو إزاحتها من المشهد.
رؤية المملكة 2030 تستقطب اهتماما دوليا متزايدا، لأنها تؤسس للسعودية الجديدة التي ستعمق دورها ولترقية دورها في مجموعة ال20، والولايات المتحدة في عهد ترمب تنظر إلى السعودية جزءا جوهريا ومحوريا في منطقة الشرق الأوسط والخليج، ودولة مهمة لها دورها الحاسم على المستويين الإقليمي والدولي.
بدأت الكويت تتطلع هي الأخرى لمشروع مدينة الحرير للتحول إلى وجهة استثمارية عالمية ومن المتوقع أن يستغرق إنشاؤها نحو 25 سنة بتكلفة تقدر ب86 مليار دولار، كما وقعت دولة الإمارات شراكة استراتيجية شاملة خصوصا وأنها تمثل ربع إجمالي حجم التجارة العربية التي بلغت عام 2017 نحو 54.4 مليار دولار ونحو مليون سائح صيني لدولة الإمارات، وهناك مجلسين تنسيقيين بين الكويت ودولة الإمارات من جهة والسعودية الدولة الخليجية الكبرى من جهة أخرى.
الحزام والطريق مبادرة تنطوي على إمكانيات غير مسبوقة للنجاح وهي تذكر بزمن نهضة الحضارتين العربية والصينية، لذلك عقد منتدى التعاون العربي الصيني وقفز حجم التبادل التجاري بين الجانبين العربي والصيني من 36.4 مليار دولار عند تأسيس المنتدى عام 2004 إلى 191 مليار دولار في عام 2017.
تعتبر الصين ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية ويتطلع الجانبان إلى رفع التبادل التجاري إلى 600 مليار دولار خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق التي تحتل الدول العربية مكانة بارزة في إطارها بحكم الموقع الاستراتيجي والإمكانات الاقتصادية والموارد الطبيعية والبشرية.

لا تعليقات

اترك رد