هل أصبح الشاهد حصان طروادة النهضة ؟


 

تعيش تونس خلال هذه الفترة أزمة سياسية خانقة , حيث التوترات الآخذة بالتصاعد ستضفي تداعيات خطيرة على المشهد السياسي وستزيد من تعقيداته , قد تقود البلاد ٍالى ما لاتحمد عقباه . ولاشك أن هذا المشهد السياسي بات متأزما وتسوده خلافات وصراعات بين الفرقاء السياسيين وحتى داخل الأحزاب الحاكمة في تونس , لتضارب المصالح وسعي كل طرف لٍاضعاف الآخر والٍاطاحة به والحصول على مزيد من المكاسب السياسية , ولاسيما مع اقتراب الانتخابات المقررة في نهاية 2019 . فجميع الساسة اليوم وخاصة المعنيين بشؤون الدولة وبدون استثناء يفكرون في هذه الانتخابات , وكل أعناقهم موجهة صوب قصر قرطاج , بداية من رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد وكذلك رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وبقية القيادات الحزبية الأخرى . وأصبحوا مهووسين بهذا الاستحقاق المقبل , مما أجج الصراعات السياسية في صفوف حزب “نداء تونس ” والٍائتلاف الحاكم , والتي انعكست سلباعلى مؤسسات الدولة.
ولعل المعركة التي نشاهدها اليوم داخل حزب نداء تونس بين شقي حافظ قائد السبسي ويوسف الشاهد , تبدو لكل متابع ومتمعن في المشهد السياسي قد وقع نسج خيوطها بصفة محكبة ومدروسة ربما من طرف راشد الغنوشي وحركته , حيث وجدوا في مرحلة أولى ضالتهم المنشودة لفرقعة نداء تونس من الداخل واستغلوا حافظ السبسي بعدما أوهموه بأنه مرشحهم ووريث والده , وفي مرحلة ثانية وجدوا في يوسف الشاهد الطموح والذي أعتبره البعض “المراهق السياسي ” , الحل الأمثل لتمكينهم من الحكم بطريقة ناعمة ومن السيطرة على دواليب الدولة . فكانت الٍانتخابات البلدية التي فازت فيها النهضة وتمكنت من الحكم المحلي , واليوم تراهن أكثر على الشاهد من أجل تمرير مشروعها والفوز بالحكم في الاقتراع المقبل , فأزاح بغريمهم السيد لطفي براهم وزير الداخلية السابق وبعد ذلك سيعملون من خلاله , حتى لايدخلون مباشرة في صراع مع منظمة حشاد , على شيطنة الاتحاد العام التونسي للشغل وعلى تشويهه واضعافه بتعلة محاربة الفساد وتقديم ملفات فساد تجاه بعض النقابيين لكسر شوكته , باعتبار هذا الأخير يعد عائقا لتمرير اصلاحات صندوق النقد الدولي في تونس والتي يبدو قد قبلها الشاهد وحركة النهضة .
ومن هنا يمكن تفسير هذا التناغم الذي نشهده اليوم بين حركة النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد وسبب احتضانه ومساندته , بعدما تخلى عنه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس وأغلب المنظمات الوطنية في البلاد , والذين جميعا طلبوا بتنحيته وبرحيل حكومته ما عدا حركة النهضة , ٍالا بصفقة ربما من خلالها ارتضى الرجل أن يكون بيدقا في يد الغنوشي وحركته من أجل الاستمرار في منصب الحكم وتحقيق طموحه السياسي , تحت ستار كثيف من دخان التصريحات والشعارات الاصلاحية بتعلة الاستقرار السياسي داخل البلاد وهو لامحالة الخادع والمخادع ! ومن ثم السؤال الذي يطرح نفسه هل أصبح الشاهد حصان طروادة النهضة الذي سيمكن النهضة من الحكم المركزي في 2019 على شاكلة حكم أردوغان في تركيا , بعدما تمكنت من الحكم المحلي ؟؟
وفي خضم هذا الصراع السياسي وحمى التكالب على السلطة , نسي الجميع تدهور حالة البلاد والعباد ٍاجتماعيا واقتصاديا وجعلوا من الوطن جسدا مريضا طريحا تتنازعه أطماعهم وأهوائهم الضيقة . و ٍالا بماذا تفسر هذا الكرم الحاتمي الذي يبديه الغنوشي وحركته تجاه الشاهد وحكومته التي أعتبرها أغلب الفاعلين السياسيين وكذلك المنظمات الوطنية فاشلة بكل المقاييس , بل حتى هناك من أعتبرها خطرا على أمن البلاد؟!!
والأنكى من ذلك أن كل الأضواء الحمراء في البلاد مشتعلة وتدق نواقيس الخطر, بسبب ارتفاع نسبة التضخم وحجم المديونية وضعف مخزون الدولة من العملة الصعبة وانهيار الدينار التونسي بصفة مهولة , اضافة الى تدهور المقدرة الشرائية للمواطن التونسي الذي أصبح الآن في مهب الريح لا يعرف ما هو المصير وأين السبيل ! , فلم يعد بٍامكان السواد الأعظم من المواطنين القدرة على توفير الحد الأدنى من قوتهم وقوت أطفالهم اليومي , بسبب غلاء الأسعار وارتفاع الضرائب الى حد غير مسبوق . لقد أصبح اليوم التونسي يعاني الأمرين وهذا من شأنه أن ينذر بانفجار شعبي قريبا , لاسيما مع وضعية المتقاعدين الذين خدموا الوطن وأعطوه زهرة العمر الندي وتأخير صرف جراياتهم ومع تدني الخدمات الصحية وفقدان الأدوية الضرورية في البلاد وقطع الماء الصالح للشرب .
وفي هذه الفترة العصيبة التي تمر بها البلاد , يتساءل العاقل عن السر الحقيقي لمساندة حركة النهضة ليوسف الشاهد وحكومته , والحال أن كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تبين فشل الرجل في ايجاد الحلول لٍانقاذ البلاد من أزمتها الخانقة , بل أضحت على حافة الٍافلاس وعلى كف عفريت مما ينذر بغضب شعبي قد يزج بالبلاد الى المجهول لاقدر الله ؟ فمن المستفيد في النهاية من هذه الأزمة السياسية واستمرارها ؟ وهل يعتقد يوسف الشاهد أن النهضة المهووسة بالانقلاب ستثق في رجل تمرد على حزبه وعلى صاحب الفضل عليه “الأب ” الباجي القائد السبسي ؟
واهم من يرى عكس ذلك لأن النهضة ستكون أول المنقضين عليه بعدما تحقق مبتغاها بطريقة ناعمة وهي التخلص من أكبر حزب ينافسها في البلاد , الأمر الذي يجعل حظوظها في الفوز في الانتخابات القادمة أكثر من أي وقت مضى . ما يعني حتمية أكثر سيطرة على الانتخابات الرئاسية وأكثر حصدا للمقاعد في البرلمان القادم !! وهكذا بحصان طروادة النهضة كل الطرق ستؤدي الى حكم الغنوشي ! فهل اليوم يوسف الشاهد “واقف” فعلا من أجل مصلحة الوطن أم من أجل ” أسلمة ” المجتمع ؟

لا تعليقات

اترك رد