هكذا تكلم بوذا

 

حكاية بوذا هي حكاية المعاناة الإنسانية والوجع والألم النبيل . وحيث أن الحياة مرتبطة بالبشر فإنها تعاني من القهر والظلم والمرض والبؤس والقلق والموت . وعلى الإنسان إن كان غنيا أو فقيرا أن يعاني شيئا من شظف العيش والألم والقسوة وكأن الحياة تريد أن تقول للإنسان أنا بعيدة جدا عن الكمال والكمال حلم يصعب الوصول إليه . لهذا السبب تتكرر العبارة الشهيرة على ألسنة الأغنياء والفقراء ونسمعها جيلا بعد جيل ” تلك هي الحياة ” . البوذية طريق للحكمة يتم تعليمها وممارستها من أجل تحسين نوعية الحياة من خلال إزالة منابع المعاناة . هي في تفاصيلها ظاهرة معقدة تتضمن تغيرات تاريخية عظيمة ومتعددة . غير أنها في محتواها وجوهرها تعاليم بسيطة يسهل استيعابها عن طريق اتباع طريق الحكمة والانضباط والسيطرة على النفس والتمييز بين إتباع طريق الحكمة والحديث عنه .
من هو بوذا ؟
وُلد سيداهارثا غوتاما المعروف ببوذا عام 567 قبل الميلاد، في مملكةٍ صغيرة تقعُ تحت جبال الهمالايا ، كان أبوه قائداً عسكرياً في العشيرة الشاكية ، و قبل ميلاده بحوالي اثنتي عشرة سنة ، توقع البراهمة (وهم طائفة هندوسية) بأن بوذا سيُصبح إما إمبراطورا عالمياً أو حكيماً عظيماً ، ولكي يمنعه والده من أن يعيش حياة زهد ، قام بتربيته في القصر الملكي ، فعاش بوذا حياةً مترفة ، معزولاً عن العالم الخارجي ، حيث تعلم الرقص مع الفتيات ، وتربى على يد البراهمة وتعلم المبارزة والرماية والسباحة والجري. وعندما نضج بوذا، تزوج من (جوبا) التي أنجبت له طفلا و بكل بساطة، يمكننا أن نقول بأن بوذا امتلك كل شيء.
ومع ذلك ، لم يكن هذا كافياً لبوذا. هناك شيء جذبه بشدة إلى خارج أسوار هذه القلعة، شيئ جذبه إلى شوارع كابيلافاستو، وهناك ، قابل ثلاثة أشخاص ؛ رجلٌ مريض ورجلٌ مُسن وجثة يحملها الناس ويتوجهون بها إلى المحرقة ، وعندما أخبره سائق العربة بأن جميع الكائنات مُعرضة للمرض والشيخوخة والموت أيضاً، لم يستطع بوذا أن يرتاح بعدها.
في طريق عودته إلى القصر، مرّ بوذا بجانب أحد الزهاد المتجولين ، يرتدي عباءةً وبيده وعاءً خالياً ، وعندها قرر بوذا أن يغادر القصر، ويبحث عن إجاباتٍ لتساؤلاته التي تسببت في معاناته ، وبعد توديعه لزوجته وابنه توديعاً صامتاً حيث لم يقم بإيقاظهما ، اتجه بوذا نحو الغابات ، وقام بقص شعره الطويل باستخدام سيفه، ثم استبدل ملابسه الفاخرة بثوب الراهب البسيط الرديء .
بعد تركه القصر، انضم جواتما (بوذا) إلى فئة كبيرة من الهنود الذين تركوا مجتمعهم للعثور على الحرية ، فقد كان هناك العديد من وسائل التعلم ، والمعلمين أيضاً. ولقد قام بوذا بمناظرة ومناقشة العديد من الملحدين والماديين والمثاليين والجدليين. تلك الغابات البعيدة وهذه الأسواق المزدحمة كانت مليئة بآلاف النقاشات والآراء المختلفة على عكس ما نعيشه حالياً من انقطاع في التواصل.
استقر بوذا أخيراً، وقرر العمل مع معلمين اثنين، الأول كان ” أرادا كالاما”، الذي كان يقوم بتعليم ما يقارب 300 تلميذ، وقد علم بوذا كيف يسيطر على عقله. طلب ”أرادا“ لاحقاً من بوذا أن يبقى معه، وأن يقوم بمشاركته في تعليم التلاميذ، ولكن بوذا رفض بعد أن اقتنع بأنه ليس إنسانا تحريرياً، وبعد ذلك قام بوذا بتعلم كيفية التحكم بتركيز عقله، وهي حالة تقع بين الوعي واللاوعي و من علمه ذلك كان ”أودراكا رامبوترا“، ولكن حتى هذا لم يعجب بوذا، حيث لم يرَ بوذا أي فائدة تساعده على أن يصبح تحريرياً.
ولمدة ستة سنوات، قام بوذا برفقة خمسة من رفقائه بتعلم التقشف والتركيز. قسى بوذا على نفسه بقوة. كان يأكل حبة أرزٍ واحدة يومياً ثم دخل بوذا في صراعٍ بين العقل والجسد. كانت ضلوعه تظهر بوضوح في جلده المتهالك، وفي تلك الفترة بدا بوذا ميتاً أكثر مما هو حيا.
قام زملاء بوذا الخمسة بتركه، وذلك بعدما قرر الابتعاد عن الزهد والبدء بأكل الطعام بكميات أكبر، بعد ذلك ذهب بوذا إلى قريةٍ صغيرة باحثاً عن الطعام، وهناك قابل امرأةً تُدعى (سوجاتا) وقدمت له كوباً من الحليب ووعاء من العسل، استعاد بوذا قواه بعد ذلك، وقام بالاغتسال في نهر نايرانجانا- نهر ليلاجان حالياً- ، وقام بالتوجه بعدها إلى شجرةٍ بوذية- تعرف أيضاً بشجرة فيكس لسان العصفور- ، وقام بالاسترخاء تحت ظلها هناك.
هناك تحت ظل هذه الشجرة، جلس بوذا وحيداً يفكر فيما تعلمه من جميع المعلمين، وبكل ما هو مقدسٌ من الكتب، وبكل محاولاته وطرقه التي حاول إيجاد التحرر الذاتي عن طريقها.
جلس هناك، عازماً ومصراً كما كان في يومه الأول، وأخيراً، وبعد ستة أيام، استيقظ بوذا على نجمةٍ في السماء، في صباحٍ باكر، وعندها فقط، أدرك أن ما يبحث عنه غير مفقود من الأساس، غير مفقود له ولا لأي شخصٍ آخر وبذلك لم يعد هناك هدف لتحقيقه. وبالتالي، ليس هناك أي حاجة للمرور بمزيدٍ من الآلام .
قال بوذا: “ومن العجب العجاب أن هذا التنوير الذي أبحث عنه تحديداً موجود في طبيعة كل كائنٍ حي، ومع ذلك جميع الكائنات غير سعيدة لعدم وجوده”. في هذا الوقت استفاق سيدهارثا جاوتاما من غيبوبته، وأصبح (بوذا)، المستيقظ ، بوذا… حكيم قبيلة شاكيا.
ولمدة سبعة أسابيع، تمتع بوذا بالحرية والطمأنينة الذاتية، في البداية لم يرغب بوذا في الحديث عن استنتاجاته في البحث عن الحرية لأنه شعر أن الناس سيواجهون صعوبةً كبيرة في فهمها ولكن وفقاً لما تقوله الأساطير طلب منه براهما، خالق الثلاثة آلاف عالَم أن يقوم بتعليم الناس، فوافق بوذا من فوره.
بداية الطريق:
لاحظ بوذا من بداية حياته حقائق الكون ومجراها ومسيرتها وتأمل فيها طويلا وخلص إلى حكمة مفادها أن :
الإنسان سيشيخ ويتقدم في السن ويدرج نحو الوراء ويبتعد عن الشباب وأنه هو سيشيخ أيضا ولا منجاة من الشيخوخة .
الإنسان سيمرض وأنه قد لا يشفى من المرض وأنه هو نفسه سيمرض و قد لا يشفى وليس هناك منجاة من المرض.
الإنسان سيموت في النهاية وأن الموت نهاية طبيعية للحياة وأنه هو نفسه سيموت ويحرق ولا منجاة لأي إنسان من الموت مهما كان مركزة في الحياة.
الإنسان قد يمضي قدما في المعرفة وقد يتميز عن جميع الناس ويتفوق عليهم فيصبح رجل معرفة ولاهوت ويحلق رأسه بطريقة مختلفة ويربي ذقنه بطريقة مختلفة ويصبح ضليعا في الحكمة وأمور الحياة والأعمال الطيبة والسلوك الجدير بالتقدير والرأفة والشفقة على كل الكائنات وأنه هو نفسه يمكن أن يسير في نفس الطريق ويتميز عن الناس ويتعمق في الفلسفة .
التجربة الأخيرة غيرت بوذا كثيرا فحلق رأسه وارتدى الثوب الأصفر وبدأ يتعمق في فهم الحياة والحكمة وبدأ طريقا جديدا في حياته يعتمد على النسك والتشرد .

الجانب الأخلاقي في فلسفة بوذا الجديدة :
في تعاليم بوذا دعوة إلى المحبة والتسامح والتعامل بالحسنى والتصدق على الفقراء وترك الغنى والترف وحمل النفس على التقشف والخشونة وفيها تحذير من الجنس الغير منضبط والمال وترغيب في البعد عن الزواج.
يجب على البوذيِّ التقيد بثمانية مفاهيم وقيم حتى يتمكن من الانتصار على نفسه وشهواته:
الاتجاه الصحيح المستقيم الخالي من سلطان الشهوة واللذة وذلك عند الإقدام على أي عمل.
التفكير الصحيح المستقيم الذي لا يتأثر بالأهواء.
الإشراق الصحيح المستقيم.
الاعتقاد المستقيم الذي يصاحبه ارتياح واطمئنان إلى ما يقوم به.
مطابقة اللسان لما في القلب.
مطابقة السلوك للقلب واللسان.
الحياة الصحيحة التي يكون قوامها هجر اللذات.
الجهد الصحيح المتجه نحو استقامة الحياة على العلم والحق وترك الملاذ.
في تعاليم بوذا أن الرذائل ترجع إلى أصول ثلاثة:
الاستسلام للملذات والشهوات.
سوء النية في طلب الأشياء.
الغباء وعدم إدراك الأمور على وجهها الصحيح.
ومن وصايا بوذا:
لا تقض على حياة حي
لا تسرق ولا تغتصب
لا تكذب
لا تتناول مسكراً
لا تزن
لا تأكل طعاماً نضج في غير أوانه
لا ترقص ولا تحضر مرقصاً ولا حفل غناء
لا تتخذ طبيباً
لا تقتن فراشاً وثيراً
لا تأخذ ذهباً ولا فضة.
تعاليم بوذا الأساسية
كانت التعاليم التي خلفها بوذا لأتباعه شفوية . لم يترك وراءه أي مصنف أو كتاب يعبر فيه عن معتقداته وآرائه . وبعد وفاته قام أتباعه بتجميع هذه التعاليم ثم كتابتها، وشرحها. من بين آلاف المواعظ الواردة في كتابات السوترا والتي تنسبها الآثار الهندية إلى بوذا ، يصعب التفريق بين المواعظ التي ترجع إليه وتلك التي وضعها أتباعه ومُرِيديه بعد وفاته ، على أنها تسمح لنا باستخلاص الخطوط العريضة التي قامت عليها العقيدة البوذية.
تقوم العقيدة الأصلية على مبدأين أساسيين :
يتنقل الأحياء أثناء دورة كينونتهم من حياة إلى أخرى، ومن هيئة إلى أخرى: إنسان ، إله ، حيوان ، شخص منبوذ وقد يتحول إلى حشرات وينحدر حتى يصبح نوعا من العدم .
تتحدد طبيعة الحياة المقبلة تبعا للأعمال التي أنجزها الكائن الحي في حياته السابقة ، وينبعث الذين أدوا أعمال جليلة إلى حياة أفضل ، فيما يعيش الذين أدوا أعمال خبيثة حياة بائسة وشاقة .
عُرف المبدأ الأول بين الهنود حتى قبل مقدم بوذا ، فيما يُرجح أن يكون هو من قام بوضع المبدأ الثاني.
ويمكن تلخيص تعاليم بوذا بالحقائق النبيلة الأربع التالية:
الحقيقة الأولى هي أن الحياة معاناة وهي لا تخلو من المعاناة التي يسببها الشقاء ومصادر الشقاء في العالم سبعة : الولادة – الشيخوخة- المرض- الموت- مصاحبة العدو- مفارقة الصديق- الإخفاق في التماس ما تطلبه النفس ، وفي هذا المجال يقول بوذا:” إن سر هذه المتاعب هو رغبتنا في الحياة وسر الراحة هو قتل تلك الرغبة”.
الحقيقة الثانية هي الأصل في منشأ المعاناة وعدم وجود السعادة وهي ناجمة عن التمسك بالحياة ويقول بوذا:” إن منشأ هذه المعاناة الحتمية يرجع إلى الرغبات التي تمتلئ بها نفوسنا للحصول على أشياء خاصة لنا أننا نرغب دائما في شيء ما مثل: السعادة أو الأمان أو القوة أو الجمال أو الثراء” . أي أن سبب الشقاء وعدم السعادة هو الأنانية الإنسانية وحب الشهوات والرغبات
الحقيقة الثالثة هي حقيقة التخلص من المعاناة ولا يتم إلا بالكف عن التعلق بالحياة والتخلص من الأنانية وحب الشهوات في نفوسنا وتسمى هذه الحالة (النيرفانا ” أو الصفاء الروحي”
الحقيقة الرابعة هي أن طريق التخلص من الأنانية والشهوات ومتاع الدنيا يوجب على الإنسان إتباع الطريق النبيل ذي الفروع الثمانية وهي:
الإدراك السليم للحقائق الأربع النبيلة .
التفكير السليم الخالي من كل نزعة هوى أو جموح شهوة أو اضطراب في الأماني والأحلام .
الفعل السليم الذي يسلكه الإنسان في سبيل حياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك والعلم والحق .
الكلام السليم أي قول الصدق بدون زور أو بهتان .
المعيشة السليمة القائمة على هجر اللذات تماما والمتطابقة مع السلوك القويم والعلم السليم .
السلوك السليم.
الملاحظة السليمة .
التركيز السليم.
حقائق الكون النبيلة
أثناء مرحلة تبشيره الأولى ، قام بوذا بتعليم أتباعه الحقائق الأربع النبيلة. وتختزل هذه الحقائق تعاليم العقيدة الأصلية حيث تقوم على المعارف التالية :
المُعاناة: الحياة الإنسانية في أساسها معاناة متواصلة، منذ لحظات الولادة الأولى وحتى الممات. كل الموجودات (الكائنات الحية والجمادات) تتكون من عناصر لها دورة حياة مُنتهية، من خصائص هذه العناصر أنها مُجردة من مفهومي الأنا الذاتي والأزلية، كما أن اتحادها الظرفي وحده فقط يمكن أن يُوحي بكينونة موحدة. تتولد الآلام والمعاناة من غياب الأنا وعدم استمرارية الأشياء، لذا فهذه – المعاناة – ملازمة لكل دورةِ حياة، حتى حياة الآلهة (لم تتعارض البوذية الأولى مع الهندوسية وتعدد الآلهة) نفسها والمليئة بالسعادة، لابد لها أن تنتهي. بالنسبة لبوذا والذي كان يؤمن بالتصور الهندوسي لدورة الخلق والتناسخ والبعث ، لا يشكل موت الإنسان راحة له وخلاصا من هذه الدورة.
أصل المعاناة الإنسانية: إن الانسياق وراء الشهوات ، والرغبة في تلبيتها هي أصل المعاناة ، تؤدي هذه الرغبات إلى الانبعاث من جديد لتذوق ملذات الدنيا مرة أخرى. تولدت هذه الرغبة نتيجة عدة عوامل إلا أن الجهل هو أصلها جميعا. إن الجهل بالطبيعية الحقيقة للأشياء ثم الانسياق وراء الملذات يُوّلِدان الجذور الثلاثة لطبيعة الشّر، وهي: الشهوانية والحِقد والوَهم وتنشأ من هذه الأصول كل أنواع الرذائل والأفكار الخاطئة . تدفع هذه الأحاسيس بالإنسان إلى التفاعل معها ، فيقحم نفسه بالتالي في نظام دورة الخلق والتناسخ .
إيقاف المعاناة: وتقول بأن الجهل والتعلق بالأشياء المادية يمكن التغلب والقضاء عليهما. يتحقق ذلك عن طريق كبح الشهوات ومن ثم القضاء الكلي (نيرفانا) على ثمار هذه الأعمال )كارما ) ، والناتجة عن الأصول الثلاثة لطبيعة الشر. وحتى تتحقق العملية لا بد من الاستعانة بالقديسين البوذيين من الدرجات العليا، وحتى ببوذا نفسه، والذي يواصل العيش في حالة من السكينة التي لا يعكر صفوها طارئ.
الطريق الذي يؤدي إلى إيقاف المعاناة: ويتألف الطريق من ثمان مراحل ، ويسمى بالدَرْب النبيل ، تمتد على طول هذا الطريق ثمان فضائل :
الفهم المستقيم
التفكير المستقيم
القول المستقيم
الفعل المستقيم
الارتزاق المستقيم
الجهد المستقيم
الانتباه المستقيم
التركيز المستقيم
توزع هذه الفضائل إلى ثلاث أقسام:
الفضيلة.
الحكمة.
التأمل.
ويتم الوصول إلى كل واحدة منها عن طريق وسائل مختلفة. أول هذه الوسائل هي إتباع سلوكيات أخلاقية صارمة، والامتناع عن العديد من الملذات . تهدف الوسائل الأخرى إلى التغلب على الجهل ، عن طريق التمعن الدقيق في حقيقة الأشياء ، ثم إزالة الرغبات عن طريق تهدئة النفس وكبح الشهوات، وهي – أي الوسائل- تشتمل على عدة تمارين نفسانية ، من أهمها ممارسة التأمل )ذيانا( ، لفترة طويلة كل يوم. عن طريق إعمال العقل في جملة من الأفكار أو الصور ، وتثبيتها في الذهن ، يمكن شيئا فشيئا أن يتحول العقل ويقتنع بحقيقة العقائد المختلفة للبوذية، فيتخلص من الشوائب، والأفكار الخاطئة ، والمناهج السيئة في التفكير، فتتطور بالتالي الفضائل التي تؤدي إلى الخلاص ، وتتبد العادات السيئة المتولدة عن الشهوة . عن طريق إتباع هذه التمارين والتزام الأخلاق النبيلة يمكن للراهب البوذي أن يصل وفي ظرف زمني قصير (فترة حياته) إلى الخلاص.
المفاهيم الأساسية في الفكر البوذي:
الكارْما
يطلق لفظ كارما على الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، والعواقب الأخلاقية الناتجة عنها. إن أي عملٍ خيِّرا كان أو شّريرا وأيا كان مصدره فعل أو قول أو مجرد إعمال فكرة ، لا بد أن تترتب عنه عواقب ، ما دام قد نَتَج عن وعي وإدراك مسبوق ، وتأخذ هذه العواقب شكل ثمارٍ تنمو وبمجرد أن تنضج تسقط على صاحبها، فيكون جزائُه إما الثواب أو العِقاب. قد تطول أو تقصر المدة التي تتطلبها عملية نضوج الثمار أو عواقب الأعمال غير أنها تتجاوز في الأغلب فترة حياة الإنسان فيتحتم على صاحبها الانبعاث مرة أخرى لينال الجزاء الذي يستحقه.
لا يمكن لكائن من كان أن ينال جزاء لا يستحقه، نظرا لأن الكارما تقوم على عدالة شاملة. يعمل نظام الكارما وفق قانون أخلاقي طبيعي قائم بذاته وليس كما في الأديان الأخرى تحت سلطة الأحكام الإلهية. تتحدد وفقا للكارما عوامل مثل المظهر الخارجي و الجمال و الذكاء و العمر و الثراء والمركز الاجتماعي. حسب هذه الفلسفة يمكن أن لكارماتٍ مختلفة ومتفاوتة أن تؤدي في النهاية إلى أن يتقمص الكائن الحي شكل إنسان أو حيوان أو شبح أو حتى إحدى شخصيات الآلهة الهندوسية.
الآلهة
جردت البوذية الموجودات من مفهوم الأنا كما جردت الكون من مفهوم الخالق الأزلي -مصدر خلاص الجميع-. لا تعارض في البوذية مع فكرة وجود آلهة عديدة، إلا أنها رفضت أن تخصص لها مكانة في عقيدتها. تعيش الآلهة حياةً طويلة وسعيدة في الفردوس ومع هذا فهي معرضة للمواقف الصعبة على غرار ما يحصل للكائنات الأخرى. يمكن لها أن تخوض تجربة الممات ثم الانبعاث من جديد في كينونة أقل شأنا. ليس للآلهة يدٌ في خلق الكون، كما لا يمكنها التحكم في مصير الكائنات الحية. ترفض البوذية الصلوات والأضاحي التي تخصص لها. من بين الأشكال التي يمكن تقمُصها بعد الانبعاث ترى البوذية أن الحياة الإنسانية أفضلها على الإطلاق، رغم أنها من درجة أعلى إلا أن انشغال الآلهة بملذاتها الشخصية يشغلها عن طلب التحرر. فقط الكائنات الإنسانية تتوفر فيها المزايا التي تؤهلها إلى بلوغ التيقظ (الاستنارة) ومن ثمة التحرر.
النيرفانا
الهدف الأسمى حسب البوذية هو التحرر التام عبر كَسر دورة الحياة والانبعاث والتخلص من الآلام والمعاناة التي تحملها خلال حياته. وبما أن الكارما هي عواقب الأفعال التي يقوم الأشخاص، فلا خلاص للكائن ما دامت الكارما موجودة.
يستعمل لفظ “نيرفانا” لوصف حالة التيقظ التي تخمُد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام (الشهوة، الحقد والجهل). لا يحدُث التبدد الكلي للكارما عند بلوغ النيرفانا، يمكن وصف هذه الحالة بأنها بداية النهاية في طريق الخلاص. النيرفانا حالة من الوعي والإدراك لا يمكن تعريفها ولا حتى فهمها، بعد أن يصلها الكائن الحي، ويُصبح متيقظا، يستمر في العيش ومع الوقت يقوم بتبديد كل الكارما الخاصة به، حتى يبلغ عند مماتِه “النيرفانا الكاملة” التبدد الكُلي للكارما”. عندما يموت هؤلاء الأشخاص فإنهم لا يُبعثون لأن الكارما قد استنفذت، ولا يمكن لأيٍ كان أن يستوعب حالة الطوبى الأزلية التي يبلغونها حسب أقوال بوذا نفسه.
يمكن لأي كان من الناحية النظرية على الأقل أن يبلغ حالة النيرفانا إلا أن تحقيقها يبقى مقصورا على أفراد طائفة الرهبان . بعد أن يمر الشخص على كل المراحل في الدرب الثماني النبيل ، ويتوصل إلى حالة اليقظة ( الاستنارة ) و يحظى بمكانة رفيعة بين قومه ويطلق عليه في التقاليد البوذية – للتيرافادا- لقب “أرهانت” .
بالنسبة للأشخاص الآخرين والغير قادرين على بلوغ الغاية النبيلة، عليهم بالاكتفاء بتحسين الكارما الخاصة بهم، علهم يحظون بحياة أفضل بعد الانبعاث. عادة ما يكون هذا مطلب أفراد الطائفة البوذية من غير الرهبان (العلمانيين أو الناس العاديين)، يأمل هؤلاء أن يصبحوا يوما من أفراد “السانغا” (مجتمع الرهبان البوذيون)، وأن يعيشوا حياة تؤهلهم للوصول إلى حالة التيقظ. للوصول إلى النيرفانا، يجب إتباع سلوكيات أخلاقية هي خليط من حياة العزلة وانطواء على الذات. تتطلب هذه الأخيرة ممارسة أربع فضائل ، والتي تسمى “قصر البراهما”: الإحسان و الإشفاق و التفكير الإيجابي و والرزانة. تساعد هذه الممارسات على انبعاث إيجابي وحياة أفضل . يتوجب على الأشخاص القيام بأعمال اجتماعية جليلة وبالأخص تجاه الرهبان البوذيين مثل تقديم الصدقات بالإضافة إلى الالتزام بالقواعد الخمس التي تشكل أساس الممارسات الأخلاقية للبوذية:
التوقف عن القتل.
التوقف عن أخذ ما لم يُعطى له.
التوقف عن الكلام السيئ .
التوقف عن السلوكيات الحِسية المُشينة .
التوقف عن تناول المشروبات المُسْكِرة والمخدرات.
وعند إتباع هذه التعاليم يمكن القضاء على الأصول الثلاثة للشرور: الشهوانية ، الحِقد والوَهم.
الجواهر الثلاث:
عندما يعتنق شخص ما الدين البوذي عليه أن يعلن أنه يلتمس لنفسه الملاذ ويتعوذ بالجواهر الثلاث ويتم ذلك أمام جمع من الرهبان البوذيين (سانغا)، وفق مراسيم وطقوس خاصة وهي التالية :
بوذا: والمقصود هنا الشخصية التاريخية المعروفة باسم ” غاوتاما “، إلا أن هذا المفهوم يتسِع – حسب مذهب ماهايانا – ليشمل بوذاتٍ (جمع بوذا) آخرين يمكن التعوذ بهم.
الدارما: وهي التعاليم التي تركها بوذا -الشخصية التاريخية-، وتتلخص حسب ماهايانا في نصوص الـسوترا.
السانغا: وهي طائفة الرهبان والراهبات، والمقصود هنا بعض الرهبان ممن نَذر نفسه لمساعدة الآخرين، ويٌطلق على بعضهم لقب “بوديساتفا”.
طلب الملاذ يعني التخفيف من العواقب والمعاناة التي تسببها الكارما، وهذا ما يطمح إليه عامة الناس ، إلا أن الهدف الأسمى هو الوصول إلى حالة الاستنارة أو التيقظ والتحرر الكُلي من الكارما ، وهذه حالة الرهبان والراهبات.

عقيدة اللا أنا عند بوذا :
تنقسم الكائنات إلى خمس مفاهيم أساسية وفق البوذية:
الهيئة (الجسمانية).
الحواس.
الإدراك.
الكارما.
الضمير.
الإنسان هو مجرد اتحاد زمني طارئ لهذه المفاهيم وهو معرض بالتالي للزوال وعدم الاستمرار ، يبقى الإنسان يتحول مع كل لحظة جديدة رغم اعتقاده أنه لا يزال كما هو. ترفض البوذية الفكرة القائلة بأن هذه الأقسام أو المفاهيم يمكن اعتبارها كيانا موحدا وروحا قائمة بذاتها (أتمان) وتعتبر أنه من الخطأ الاعتقاد بوجود “أنا ذاتية” وجعلها أساس جميع الموجودات التي تؤلف الكون . يعتقد بوذا أن عقيدة كهذه يمكن أن تؤدي إلى الأنانية ، فتنجم عنها الرغبة التي تولد الآلام. وعليه فقد قام بتعليم عقيدة ” الـلا أنا) ” أناتمان). يقول بوذا أن الكينونة تحددها ثلاثة عناصر: “الـلا أنا” (أناتمان) وهي الديمومة العارِضة سريعة الزوال (أنيتيا) والآلام )دوكا).
أوجبت عقيدة “الـلا أنا” على بوذا أن يعيد شرح التصور الهندوسي لدورة الحياة والتناسخ (عجلة الحياة)  والمسماة “سامسارا” فكانت عقيدة “التوالُد المُحدَد” (المشروط) ، وتتلخص الفكرة في أن مجموعة من الأحداث الدورية تكرر مع كل دورة جديدة وهي اثني عشر عاملا يرتبط كل منها بالآخر هي التي تساهم في الظروف التي تولد الآلام وليس “الأنا الذاتية” بما أنه نفى وجودها. إن تسلسل هذه الأحداث يُبيّن كيف تنشأ انطلاقا من الجهلِ تركيباتٌ نَفسانية والتي تصبح بدورها المُسببات التي تؤدي إلى تشغيل الحواس والوظائف العقلية. ومن هنا يتولد الإحساس المسئول عن الشعور بالرغبة والتعلق بالحياة. تقوم هذا السلسلة بتفعيل وتشغيل عملية التناسخ، فتنطلق دورة تتجدد باستمرار، حياة فشيخوخة فموت. عن طريق هذه السلسلة من الأسباب تنشأ علاقة بين الكينونة الآنية والكينونة الآتية (إن تصور البوذية للحياة على أنها فيضٌ طارِئ تَشَكَل بعد اجتماع عدة عوامل، يتعارض مع فكرة انبعاث نفسِ الكائن الحي في كل مرة!). عن طريق ممارسة التأمل يتم إجهاد هذه المفاهيم النفسانية ومن ثم إيقاف مسببات الآلام والوصول إلى الخلاص والتحرر (الخروج من دورة التناسخ). كما جردت البوذية الموجودات من مفهوم الأنا فقد جردت الكون من مفهوم الخالق الأزلي كمصدر خلاص الجميع.
الأخلاق عند بوذا :
في تعاليم بوذا دعوة إلى المحبة والتسامح والتعامل بالحسنى والتصدق على الفقراء وترك الغنى والترف وحمل النفس على التقشف والخشونة وفيها تحذير من الجنس الغير منضبط والمال وترغيب في البعد عن الزواج.
يجب على البوذيِّ التقيد بثمانية أمور حتى يتمكن من الانتصار على نفسه وشهواته:
الاتجاه الصحيح المستقيم الخالي من سلطان الشهوة واللذة وذلك عند الإقدام على أي عمل.
التفكير الصحيح المستقيم الذي لا يتأثر بالأهواء.
الإشراق الصحيح المستقيم.
الاعتقاد المستقيم الذي يصاحبه ارتياح واطمئنان إلى ما يقوم به.
مطابقة اللسان لما في القلب.
مطابقة السلوك للقلب واللسان
الحياة الصحيحة التي يكون قوامها هجر اللذات
الجهد الصحيح المتجه نحو استقامة الحياة على العلم والحق وترك الملاذ.
في تعاليم بوذا أن الرذائل ترجع إلى أصول ثلاثة:
الاستسلام للملذات والشهوات.
سوء النية في طلب الأشياء.
الغباء وعدم إدراك الأمور على وجهها الصحيح.
من وصايا بوذا: لا تقض على حياة حي و لا تسرق ولا تغتصب و لا تكذب و لا تتناول مسكراً ولا تزن و لا تأكل طعاماً نضج في غير أوانه و لا ترقص ولا تحضر مرقصاً ولا حفل غناء ولا تتخذ طبيباً و لا تقتن فراشاً وثيراً و لا تأخذ ذهباً ولا فضة.

مراجع
تعريف و معنى بوذية بالعربي في معجم المعاني الجامع، المعجم الوسيط ،اللغة العربية المعاصر – معجم عربي عربي – صفحة 1
البد هو الصنم واللفظ معرب بت
ابن النديم. الفهرست. قلم الصين. ص. 345
بوذا الأكبر؛ د. حامد عبد القادر
قراءة في كتابات هيرمان هيسي
وذا الأكبر؛ د. حامد عبد القادر، ص 40.
أعلام الفلاسفة: كيف نفهمهم؟ ص 33؛ د. هنري توماس.
أديان الهند الكبرى؛ د. أحمد شلبي، ص 142.
الديانات القديمة؛ الشيخ: محمد أبو زهرة
مقارنات بين الأديان، الديانات القديمة، ص99
الموسوعة العربية العالمية، ص224
الزعيم الروحي لإقليم التبت، شبكة أخبار المستقبل نسخة محفوظة 06 سبتمبر 2017.
الفيلم الوثائقي حياة بوذا على يوتيوب تاريخ الوصول31 مارس 2013.
الديانات القديمة؛ الشيخ: محمد أبو زهرة، ص 47
كتاب والبولاراهولا بوذا، ترجمة يوسف شلب الشام
قصة حياة بوذا كما رويت في النصوص المقدسة في اللغة البالية ألكسندر بيرزين، أغسطس 2010 م
الهند- شعبها وأرضها، ص87
أعلام الفلاسفة: كيف نفهمهم؟ ص 38.
نبذة عن تاريخ بوذا، مفكرة الإسلام، تاريخ الولوج 31 مارس 2013نسخة محفوظة 09 يوليو 2017 على موقع
Gyatso، Geshe Kelsang (2007). Introduction to Buddhism An Explanation of the Buddhist Way of Life. Tharpa. صفحات 8–9. ISBN 978-0-9789067-7-1.
“The Basic Teaching of Buddha”. Online.sfsu.edu. اطلع عليه بتاريخ 25 ديسمبر 2012.
الهند القديمة: حضارتها وديانتها، ص 146
فلسفة الشرق، ص 119
بوذا الأكبر، ص 82
“Buddhanet.net Ven. Elgiriye Indaratana Maha Thera, Vandana: The Album of Pali Devotional Chanting and Hymns, 2002, pp. 49-52, retrieved 2007-11-08” (PDF). اطلع عليه بتاريخ 25 ديسمبر 2012.
مقارنة الأديان، أديان الهند – أحمد الشلبي – الصفحة 156
كتاب أديان الهند الكبرى، ص 154
أديان الهند الكبرى، ص 175.
الإسلام والأديان: دراسة مقارنة؛ د. مصطفى حلمي
^ Bareau, André, La composition et les étapes de la formation progressive du Mahaparinirvanasutra ancien, BEFEO, t. LXVI, Paris, 1979, pp. 45-103.
^ Shimoda, Masahiro, How has the Lotus Sutra Created Social Movements: The Relationship of the Lotus Sutra to the Mahāparinirvāṇa-sūtra, in A Buddhist Kaleidoscope, (pp320-22) Ed Gene Reves, Kosei 2002

لا تعليقات

اترك رد