فكر الحداثة بين الغرب والشرق


 

إن مصطلح الحداثة Modernism من أكثر المصطلحات التي يدور حولها الجدل، بالنظر إلى تعدد تعاريفها ، وارتباط عشرات المفاهيم بها ، والقضايا والإشكاليات فيها. فكثيرون يرون الحداثة بأنها تلك النقلة النوعية المرتبطة بالقرون : الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر للميلاد ، وما تلاها بعد ذلك عندما بدأت ملامح تيار العقلانية الذي بدأ في الظهور بشكل جلي في القارة الأوروبية حين شملت كل مظاهر الحياة الفكرية والاجتماعية والعلمية والدينية .

ولو نظرنا إلى الحداثة بوصفها ، حلقة من حلقات تطور الفكر الغربي ، سنجد أنها : محاولة للتجديد والإبداع وتجاوز التقليد والتخلف كما أنها تعكس بأكملها التحول الهائل الذي غزا مجالات الفكر والتقنية والمعرفة بصفة عامة .

وقد استند التنوير الغربي ، و الحداثة معه أيضا ، إلى العقل الفلسفي ، الذي هو بطبيعته يسعى إلى صياغة التفكير المفهومي ، وإنشاء أنساق فكرية متسقة ، والتي ستسقط بالضرورة – بعد ذلك – في النسق المغلق ، أي ستتجمد وتدور في دائرة واحدة ، وهذا شأن الفكر عندما يتكلس ولا يتجدد .

فمن المهم ، ربط الحداثة بتيار التنوير الغربي ، الذي نشأ كاتجاه عام في دول أوروبية عديدة خاصة بريطانيا وفرنسا ، مع الأخذ في الحسبان أن التنوير متنوع جدا بين البلدان الأوروبية وأيضا في الولايات المتحدة الأمريكية ،وقد نُظِر إلى الثورة الفرنسية على أنها بداية العالم الحديث.

فالحداثة بوصفها فكرا وتوجهات ، لا يمكن فصلها عن تطور الفكر الغربي ، بل هي حلقة من حلقات تشكيل العقل الغربي الحديث ، المستند إلى العلمانية Secularism التي هي في الواقع متتالية مركبة ، تظهر حلقاتها في عمليات ظاهرة وكامنة ، واعية وغير واعية ، متصاعدة وآخذة في الاتساع ، وتأخذ أشكالا مختلفة في الزمان والمكان ، وهذا يعني أهمية قراءة الحداثة في بنيتها الفكرية والاجتماعية الغربية ، التي نشأت فيها ، وظهرت تجلياتها خلالها .

انطلق التنوير الغربي في الأساس من أسس علمانية مالت تدريجيا – وليس كليا – إلى فصل الكنيسة ثم الدين نفسه عن الدولة والحياة الدنيا ، فهذا الفيلسوف “آدم سميث ” في القرن السابع عشر الميلادي يرى أوجه قصور كثيرة في الديانة المسيحية وفي وظيفة رجال الدين الكنسيين ، إلا أنه يشدد على دور الكنيسة بوصفها حارسة للأخلاق الفردية والاجتماعية ، وأداة قيمة للنظام العام والاستقرار، وهو موقف متسامح من ” سميث ” وغيره من المفكرين الذين مجّدوا الإرادة الحرة والتسامح الديني، واعترفوا بدور الكنيسة ، أما التيار المتشدد الذي ظهر تاليا ، فقد طبّق العقل العلماني والنقدي على النصوص والإشكاليات الدينية .

في بدايات عصر التنوير ، سعت العلمانية إلى تقديم إطار كلي للمفاهيم والقيم والتصورات ، مستندا إلى العقيدة المسيحية ، مع نزعة إنسانية ، مكنته من إدارة حياته الشخصية والاجتماعية بمزيج من الأخلاق والقيم الدينية ، بجانب أفكار فلسفية، مكنت الفرد من تكوين تصور عن الحياة والكون دون اصطدام مع المسيحية، ولكن الأمور توالت سريعا ، مع توغل الدولة ، وزيادة سيطرة مؤسساتها العلمانية على الجوانب القانونية والتربوية والإعلامية ، ضد ما هو كنسي، لتصل بالقيم إلى درجة كبيرة من النسبية والتشكك والتمرد.

فلابد من الانتباه إلى أن المصطلح العلماني ، يختلط بما يسمّى ” الحداثة العلمانية ” ، والتي هي ليست فكرة واحدة وإنما أفكار متعددة ، قد تكون كل منها بمعزل عن غيرها ، فهناك : الاستنارة والعقلانية ، وكلتاهما منعزلة عن سلوكيات الامبريالية والعنصرية الغربية تجاه شعوب العالم ؛ وهناك الديمقراطية والاشتراكية الاجتماعية كمبادئ حكم في دول غربية تؤازر دولا قمعية فاشية ، وتمدّ يد العون لها، بجانب وجود نزعات كثيرة مثل : ضمور الحس الخلقي، وتفشي النسبية المعيارية والأخلاقية، وتآكل الأسرة ، والتفكك الإنساني ، وكلها تُدرس بجهود فردية تارة ، وجماعية تارة أخرى ، دون قراءة فكرية شاملة .

والقاسم المشترك في كل الطروحات العلمانية ؛ والتي كلما تطورت حملت مصطلح ” أكثر حداثة ” -كما تجلّى أكثر في التنوير الفرنسي – الذي اتخذ العقل سلطة وإيديولوجيا ، فتحدى الدين والكنيسة وكل المؤسسات التي تعتمد عليهما ،

وأسس لمبدأ الحداثة الأساسي وهو ” العقل الهدّام بصورة متأصلة ، فقد تطلع لمستقبل مثالي، وازدرى نقائض الحاضر وعيوبه، إضافة إلى الماضي ، كما أنه ازدرى اعتقادات وممارسات الجاهل وضيع المولد .

ولابد أن يكون هناك عقل ناقد يصاحب مسيرتها ، يقاوم سقوطها في الانغلاق ، ويعاند رغبتها في الاحتواء والاستيعاب ومن واجبات الفيلسوف أن يكون ملما بالأدب والفن والموسيقى والعلوم التجريبية التي تساعده في صياغة النسق الفلسفي الخاص به .

إن ما تقدم محاولة لفهم الحداثة ، بعيدا عن القراءات المبتسرة ، التي روّج لها بعض الحداثيين العرب مثّل : الشاعر السوري علي أحمد سعيد المعروف بأدونيس ، وجماعة مجلة ” شعر ” الصادرة في سنوات الخمسينيات في بيروت، وجماعة إضاءة 77 الشعرية المصرية وغيرها ، ومجموعات السيريالية في الفن التشكيلي ، وإيديولوجيات الأحزاب القومية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي ،وغيرهم ، فكلها نادت بالتمرد على ما هو سائد ، وهدم الأنساق اللغوية والفكرية والجمالية ، حينما قدّموها بوصفها حركة فكرية وفنية جديدة ، دون النظر إلى منشئها الغربي الذي أنتجها.

وعلى الجانب الآخر ، ومن المهم أن ندرك أن الحداثة ابتدعت مناهج بحثية ، على أصعدة مختلفة في العلوم الإنسانية ، وهي مناهج ذات صبغة علمية وأدوات بحثية جادة، مثل مناهج الألسنية ( الأسلوبية والبنيوية والتناص والسرد ) والتأويل والسيمياء وغيرها في الدراسات الأدبية ، وأيضا مناهج عديدة في النقد النفسي والاجتماعي والموضوعي ..، وكلها مناهج يمكن الاستفادة منها ، لأنها ذات روح علمية أصيلة ، وإن اختلفت منطلقاتها ، فلا بأس من الاستعانة بطرائقها وأدواتها ، خصوصا أنها باتت مستقرة في البحوث الأكاديمية . ونفس الأمر مع التيارات الأدبية المختلفة التي واكبت فكر الحداثة وانبثقت منه ، فهي قد ابتدعت جماليات جديدة ، وغزت مجاهل في الفكر والنفس ، فلا بأس من الاستفادة منها ، دون النقل المباشر ، فالحفاظ على الخصوصية الثقافية أمر مهم للغاية .

لا تعليقات

اترك رد