التخصيص في الملك العمومي في تونس


 

بالرغم من تكريس التفريق صلب النصوص القانونيّة وفقه القضاء بين الملك العمومي والملك الخاص فإنّه لا يوجد تعريف للملك العام في النصوص القانونيّة وحتى أمر 24 سبتمبر 1885 فقد أقتصر على تعداد الأموال والأملاك التي تندرج ضمن الملك العمومي على سبيل الذكر مثل ضفاف البحر والبحيرات ومجاري المياه والأراضي الداخلة في ضفافها والعيون وقنوات المياه ولآبار والموانئ… وقد ختم الفصل الأول من أمر 1885 بعبارات تذكر بالفصل 538 من المجلّة المدنيّة الفرنسيّة وهي الآتية “الأملاك العموميّة تشمل:… الأراضي والأبنية التي لا يصحّ أن تكون ملكا خصوصيا” وغياب التعريف صلب هذا النّص لا يعد أمرا غريبا بالنظر إلى ظروف سنّه فهو موضوع في عهد الحماية من قبل الباي (شكلا) ويترجم عن إرادة فرنسا التي خلا قانونها في ذلك الوقت من تعريف عام ومجرّد للملك العمومي لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنّه رغم ما تكتسي عناصر الملك العمومي في أهمّيته ورغم ضرورة وجود مثل ذلك التعريف خاصّة في ظلّ نظام قضائي مزدوج (عدلي وإداري) فلا يوجد تعريف تشريعي إلى حدّ الآن وشرط ملكية المال من قبل شخص عمومي كمعيار أوّل ضروري لوصفه بالملك العمومي، فهذا المعيار البديهي (العفوي) يمكّن من التمييز بين الأموال العموميّة والأموال الخاصّة لذلك يعتبر معيار التخصيص المعيار الأساسي والحاسم في التمييز الداخلي صلب الأموال العموميّة بين ملك عام وملك خاص (وهو تميز مهم باعتبار ما ينجرّ عنه في نتائج على مستوى القانون المنطبق والقاضي المختصّ بالنزاعات). فما هو التخصيص في الملك العمومي ؟ ولتبيان ذلك ارتأينا ضرورة التعرض في فقرة أولى إلى I/ التخصيص لاستعمال العموم وفي فقرة ثانية إلى II/التخصيص في المرفق العام.

/I التخصيص لاستعمال العموم: ولتبيان ذلك ارتأينا ضرورة التعرض في فرع أول إلى أ/الاستعمال المباشر وفي فرع ثاني إلى ب/ الاستعمال للعموم.

أ/الاستعمال المباشر: يعتبر هذا المعيار أقدم من حيث التكريس إذ كان هذا المعيار في نهاية ق (19) وبداية القرن (20) المعيار الوحيد للملك العمومي ويقصد بهذا المعيار الاستعمال المباشر ودون أيّة وساطة للملك العام من قبل فئة غير محدّدة من المستعملين

ومثال ذلك الطرقات، ضفاف البحر (استعمال جماعي) كما يقصد باستعمال الملك العام الاستعمال الخاص والفردي ومثال ذلك المقابر، هذا المعيار ورد صلب الفصل 538 من المجلّة المدنيّة الفرنسيّة ونفس الفكرة نجدها تقريبا صلب أمر 24 سبتمبر 1885 في جعل قانون الأملاك العموميّة “الذي ينصّ على عدم إمكانيّة التملّك الخاص” في مناسبتين: نجدها في الفصل الأول فقرة أخيرة” والترع التي تسلكها السفن وترع السقي التي تحفر لتنشيف الأراضي بقصد منفعة عامّة والأراضي والأبنية التي لا يصحّ أن تكون ملكا خصوصيا” وفي الفصل (2) من هذا الأمر نجد أيضا صدى لهذه الفكرة “للأملاك العموميّة لا يصحّ تفويتها ولا ملكها بطول مدّة الحوز”، هذا المعيار كرسه فقه قضاء مجلس الدولة الفرنسي 28 جوان 1935 إذ إعتبر مجلس الدولة الفرنسي في هذا القرار أنّ الاستعمال من قبل العموم يكون كافيا لاعتباره الملك ملك عمومي (في هذا القرار يتعلق بمقبر: le cimetière est affecté à l’usage du public…
Il doit dès lors être compris parmi les dépendances du domaine public »

ب/ الاستعمال للعموم: إنّ التخصيص لاستعمال العموم لا يعتبر متوفّرا إذا كانت غاية المستعملين ليست استعمال المال في حدّ ذاته ولكن استعمال المرفق العام الذي يستخدم ذلك المال. فمستعمل السكك الحديدية إنّما يقصد استعمال مرفق عام لا سكّة الحديد أو الرصيف أو بناية المحطّة،كذلك الشأن بالنسبة للمعالم الأثريّة أو المتاحف وما يضمه من منقولات هي عبارة عن قطع فنيّة وتاريخيّة وتماثيل، والتي لا يكون استعمالها من قبل العموم بالمشاهدة والزيارة غاية في حدّ ذاته فالاستعمال هنا هو استعمال لمرفق عام الثقافة، أمّا القاضي الإداري في تونس فهو يرتكز على الاستعمال المباشر من قبل العموم كمعيار للملك العمومي دون أن ينظر في وجود تهيئة خصوصيّة أوّلا لذلك وهو ما أوردته المحكمة الإداريّة في قرارها الصادر في (17-6-1996) عدد 1425/1464 قرار وزارة التجهيز، وحيث خلافا لما تقدّم وبالرجوع إلى الوثائق المضروفة بالملف يتبيّن أنّ الطريق المعنية بالنزاع إنّما تندرج ضمن الملك العمومي للطرقات التابع للدولة بإعتبارها تربط مدينة الحمامات ومدينة نابل وهي مفتوحة ومخصّصة لمرور العموم طبق مفهوم ملك الدولة العمومي المحدّد

بالأحكام المنصوص عليها بالقانون عدد 17 المؤرّخ في 7 مارس 1986” ويلعب هذا الشرط الإضافي في تحديد الملك العمومي دورا كبيرا خاصّة في الملك العمومي الإصطناعي (الطرقات مثلا) ويتواجد هذا المعيار كذلك بالقانون المقارن مثل القانون المصري الصادر في 16/7/1948 والمنقح بالقانون عدد 331 لسنة 1954 بالفصل (87) منه “تعتبر أموال عموميّة العقارات والمنقولات التي للدولة أو الأشخاص المعنويّة العامّة والتي تكون مخصّصة لمنفعة عامّة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم أو قرار من الوزير المختصّ”.

II /التخصيص في المرفق العام: ولتبيان ذلك ارتأينا ضرورة التعرض في فرع أول إلى أ/تعريف المرفق العام وفي فرع ثاني إلى ب/آثار التخصيص في المرفق العام.

أ/تعريف المرفق العام: يمكن تعريف المرفق العام بأنّه نشاط يسعى إلى تحقيق مصلحة عامّة ويسيّر من قبل شخص عمومي سواء مباشرة أو بصفة غير مباشرة وقد وقع إعتماد هذا المعيار من قبل الفقيه Léon duguit (مؤسّس مدرسة المرفق العام) هذا وقد إعتمد مجلس الدولة الفرنسي هذا المعيار لأوّل مرّة في قرار Soc le bétonصادر في 19 أكتوبر 1956 إعتبر مجلس الدولة أنّ المستودع الموضوع على ذمة حرفاء شركة السكك الحديديّة الفرنسيّة SNCF والموجود تحت نزل hôtel terminus التابع لمحطة القطارات يساهم في تحسين جودة مرفق نقل المسافرين ويعتبر تبعا لذلك مخصّصا لمرفق عام السكك الحديديّة وهو مرفق عام صناعي وتجاري (CE 5 février 1965 société Lyonnaise de transport ) وكذلك محكمة التعقيب الفرنسيّة التي إعتمدته في قرار montagne (2-4-1963) هذا المعيار كرّسه القضاء الفرنسي تحت تأثير مدرسة Bordeau وعلى رأسها Léon duguit وكذلك تحت تأثير أعمال لجنة تنقيح المجلّة المدنيّة الفرنسيّة 1946/1947 التي تضمّنت تعريفا للملك العمومي على النحو التالي: “في غياب نصّ مخالف فإنّ أموال الجماعات الإداريّة والمؤسّسات العموميّة لا تندرج ضمن الملك العمومي إلاّ شريطة أن تكون قد وضعت أو تركت على ذمّة الاستعمال المباشر لعموم المنتفعين أو أن تكون قد خصّصت لمرفق عام على أنّه يجب في هذه الصورة أن تكون تلك الأموال إمّا بطبيعتها أو بموجب تهيئة خاصّة ملائمة بشكل تام أو أساسا للغرض من ذلك المرفق”

ب/آثار التخصيص في المرفق العام: إنّ إعتماد شرط التخصيص في المرفق العام من قبل القاضي الإداري نتج عنه توسيعا هائلا لطائفة الأموال المنتمية للملك العمومي لذلك لاقى نقدا شديدا من قبل الفقهاء الذين إعتبروا أنّ إعتماد شرط التخصيص للمرفق العام سيفضي إلى تطبيق النظام الصارم للملكيّة العموميّة على جلّ الأموال العموميّة ذلك أنّه قلّما نجد مالا من أموال أشخاص القانون العام غير مخصّص بشكل مباشر أو غير مباشر للمرفق العام خاصّة وأنّ مفهوم المرفق العام في حدّ ذاته مفهوم واسع ومطاطي الحدود لذلك وجب وضع شروط لاستعماله وبالفعل فقد تفطّن القاضي الإداري إلى الأثر التوسيعي لشرط التخصيص للمرفق العام، فتولّى إضافة شرط معدّل أو مقلّص يتمثّل في وجوب توفّر التهيئة الخصوصيّة وهو شرط إستلهمه من أعمال لجنة تنقيح المجلّة المدنيّة المذكورة سابقا، ويقصد بالتهيئة الخاصّة كلّ عمل يقوم به الشخص العمومي إزاء أمواله المخصّصة للمرفق العام بقطع النظر عن الأهميّة الماديّة أو حجم ذلك العمل ففي قرار CE 11 mai 1959 إعتبر مجلس الدولة أنّ ممرّ (الأليسكان) L’allée des Alyscans والذي على ملك البلديّة والذي يشقّ منطقة أثريّة يعتبر مخصّصا لمرفق عام ثقافي وسياحي وأن شرط التهيئة الخصوصيّة متوفّر فيه ضرورة أنّ البلديّة قد قامت بتثبيت سلسلة حديديّة مشدودة إلى عمودين بمدخل ذلك الممرّ كما إعتبر القاضي الإداري في قرارات أخرى أنّ مجرّد زرع ورود أو مجرّد تنظيف الشواطئ يعتبر من قبل التهيئة الخصوصيّة)، أمّا القضاء الإداري التونسي فقد إعتمد بدوره معيار التخصيص لمرفق عام في تعريفه للملك العمومي فقد جاء بقرار المحكمة الإداريّة الإستئنافي الصادر في 21/12/1992 المكلّف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة التجهيز والإسكان ضدّ ورثة نصر الدين الغزواني، “وحيث نصّت أحكام أمر 24 سبتمبر 1885 المتعلّق بالملك العمومي على أنّ الأراضي والمنشآت المعدّة لاستغلال مرور المياه تعتبر أملاك عموميّة لذلك فإنّ الجسر سبب الحادث يعدّ ملكا عامّا وإن كان تحت تصرّف الشركة القوميّة لإستغلال وتوزيع المياه فذلك لا يغيّر من طبيعته طالما أنّه من المسلم به فقها وقضاء أنّ الملك العمومي يخصّص للإستعمال من طرف مرفق عام مثلما هو الشأن بالنسبة لقضيّة الحال”، ويبدو من خلال هذه الحيثيّة تبنى القاضي الإداري لمعيار التخصيص للمرفق العام كما كرّسه الفقه وفقه القضاء الفرنسي (أي متبوعا بشرط التهيئة الخصوصيّة)، إنّ تبني

معيار التخصيص للمرفق العام يتماشى مع النصوص التشريعيّة في تونس التي يبدو أنّها تكرّس هذا المعيار من ذلك قانون 19-8-1998 المتعلّق بالسكك الحديديّة فالفصل (2) من هذا القانون ينصّ على ما يلي: “يشتمل الملك العمومي للسكك الحديدية على السكة وملحقاتها وتوابعها وخاصّة المحطّات والمستودعات والورشات بما في ذلك الأراضي المقامة عليها…”وبالتالي فإنّ الملك العمومي للسكك الحديديّة يضمّ عقارات ومنقولات غير مخصّصة لاستعمال العموم وإنّما مخصّصة للمرفق العام، كما أنّ القاضي الإداري التونسي يسعى أحيانا إلى التوسيع في الملك العمومي بالإعتماد على نظريّة توابع الملك وهي نظرية تؤدّي إلى التوسيع في الأملاك العموميّة وهو ما نستنتجه من خلال قرار ليليا ضدّ المكلّف العام بزاعات الدولة في حق وزارة التجهيز والإسكان قضيّة عدد 11238 مؤرّخة في 12-4-2002 إذ إعتبر القاضي أنّ بطاح حلق الوادي/رادس يربط بين قطعتين من الملك العمومي للطرقات وتتمثل مهمته الأساسيّة في نقل البضائع والعربات والأشخاص من ضفّة ميناء رادس مجّانا ودون تغيير وجهته إلى منحى آخر يشكّل جزء من الملك العمومي للطرقات ويخضع تبعا لذلك لنفس النظام القانوني للملك العمومي للطرقات وترجع نزاعاته إلى المحكمة الإداريّة وهي نزاعات إداريّة أصيلة (تخصّ الملك العام) (وجود رابطة ووظيفيّة بين البطاح والملك العام ، ملك عمومي) وهو تكريس لنظريّة توابع الملك في الفصل 2 من قانون 7 مارس 1986 المتعلّق بملك الدولة العمومي للطرقات (وجود رابط مادي أو وظيفي بين الملك العام وأحد المنقولات والعقارات).

لا تعليقات

اترك رد