أوضاع حرية الإعلام و الصحافة في العراق و حول العالم


 

يوما بعد آخر، بات العالم الغربي الحر، قبل العالم الثالث و المتخلف و المتأخر، باتوا يضيقون ذرعا ببدعة إبتدعوها لغايات معينة، لكنها أصبحت قيدا على حرية الساسة و الحكومات الغربية في تعاملها مع الأحداث و المواطنين و العالم و الإعلام و الصحافة، سواء أكانت ذلك داخل البلاد أو خارجها ..

أم الحرية و الديموقراطية و الرأسمالية، أميركا، كما يتوقعها الكثيرون، باتت و على لسان رئيسها الجديد المجنون ترامب، تطلق ألقابا و أوصافا و تهما مختلفة على الإعلام الحر و غير الحر، داخل البلاد و خارجه، و شيئا فشيئا أصبحت الهوة كبيرة و عميقة ما بين الكثير من مؤسسات الحكومة الأمريكية و الرئاسة بشكل خاص، و بين هذه الأجهزة و الوكالات الإعلامية و الإخبارية ..

منظمة مراسلاون بدون حدود الدولية، أصدرت تقريرها السنوي لعام ٢٠١٨ قبل أشهر قليلة، و هو يتعلق بحريات الصحافة و الإعلام حول العالم، و تضمن التقرير تقييما تفصيليا معمقا لتعامل ١٨٠ دولة مع الإعلام و الصحافة حول العالم، و كان بعض ما تضمنه التقرير مفاجئا ربما و محبطا للآمال و الطموحات، حيث تبين أن ما عرف بإنعدام الحريات الصحفية و الإعلامية في دول العالم الثالث و الدول العربية و الأنظمة الديكتاوتورية، لم يعد حصرا بها، فكثير من الدول المتطورة و الحرة و الديموقراطية و الكبرى باتت تحذو حذوها، و لأسباب شتى، و لم تعد تطيق التعامل مع الإعلام الحر كما يبدو ..

كشف التقرير أن التحريض ضد الصحفيين يسمم المناخ السياسي في أوربا بشكل متزايد، و حذرت المنظمة من أن حرية الصحافة باتت مهددة في مناطق أخرى في العالم من قبل قادة دول على غرار ترامب و بوتين ..

و يضيف التقرير الذي نشر في ٢٥ نيسان ٢٠١٨، أن وضع الحريات الصحافية لم يترد بهذا الشكل في أي منطقة أخرى حول العالم عام ٢٠١٧ كما حدث في أوربا، و أن هذه الأجواء العدائية تهئ غالبا تربة خصبة للعنف ضد العاملين بالإعلام أو لظهور قمع حكومي ..

تربعت النرويج على قمة الدول الأفضل في مجال الحريات الصحفية في العالم، تليها السويد و من ثم هولندا و فنلندا و سويسرا، و بعدها جامايكا و بلجيكا، و جاءت نيوزيلاند في المرتبة ٨ ، و الدانمارك في المرتبة ٩ ، و كوستا ريكا في المرتبة ١٠ ..

في الجانب الآخر المعاكس، جاءت كوريا الشمالية في المرتبة الأخيرة و بتسلسل ١٨٠ من بين ١٨٠ دولة، تسبقها أرتيريا، و قبلها تركمستان، و قبلها سوريا في المرتبة ١٧٧ ، و قبلها الصين، و قبلهم فيتنام ، و السودان، و من ثم جيبوتي، و إستحوذت كوبا على المرتبة ١٧٢، و غينيا الإستوائية ١٧١ ، و لاوس في المرتبة ١٧٠، و هذه الدول العشرة هي التي تربعت علي ذيل الترتيب العالمي للحريات الصحافي في العالم لعام ٢٠١٨، و ربما لا نتفاجأ كثيرا من ورود الكثير منها في هذا الموقع المتخلف المتأخر ..

اهم الدول الأخرى التي وردت في التقرير، ، نجد المانيا في الترتيب ١٥، كندا و أستراليا في الترتيبين ١٨ و ١٩ على التوالي، في حين جاءت أسبانيا و فرنسا في موقعين متأخرين نسبيا هما ٣١ و ٣٣ على التوالي، أما بريطانيا فجاءت في الترتيب ٤٠ ، و أميركا في الترتيب ٤٥، أما اليابان فجاءت في الترتيب ٦٧ و هو منخفض و متأخر بوضوح بالنسبة لدولة آمنة مسالمة مستقرة كاليابان، و في منتصف ترتيبات الجدول تقريبا جاءت إسرائيل دلوعة العالم الغربي و نجم الحرية و الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط كما تدعي هي و في الترتيب ٨٧ ، و في موقع متخلف جدا جاءت روسيا في الترتيب ١٤٨ عالميا، و كذلك جاءت تركيا في الترتيب ١٥٧، و إيران ١٦٤ ..

للأسف و لكن كما هو معروف جيدا للجميع، جاءت بلادنا العربية بالكامل في النصف الثاني المتخلف المتأخر من الجدول، حيث تبوأت تونس قمة الترتيب العربي، و جاءت في الترتيب ٩٧ عالميا، تليها لبنان في الترتيب ١٠٠، الكويت ١٠٥، قطر ١٢٥، عمان ١٢٧، الإمارات ١٢٨، الأردن ١٣٢، فلسطين ١٣٤، المغرب ١٣٥، الجزائر ١٣٦، العراق ١٦٠ و ضمن آخر ٢٠ دولة عالميا لكن بدون إستغراب و لا تعجب بالتأكيد، مصر ١٦١، ليبيا ١٦٢ ، البحرين ١٦٦، و اليمن ١٦٧، الصومال ١٦٨، و السعودية ١٦٩، و كما أشرنا جيبوتي ١٧٣، و السودان ١٧٤، و سورياالأخيرة عربيا و في الترتيب ١٧٧ ..

في العراق مثلا، و مما يثير الحنق و الحزن و الأسى و الضحك معا، أن نجد السفير الأمريكي هناك يقيم إحتفالا للإعلان عن هذا التقرير و نتائجه، و ” الإفتخار ” بالديموقراطية و الحرية التي جلبتها و زرعتها أميركا في أرض العراق، علما بأن العراق يقبع في قعر الترتيب عالميا، و ضمن آخر ٢١ دولة، و أية مهزلة و إستهزاء هذا من قبل المحتل و أعوانه الذين يديرون الأمور في البلد بعد الإحتلال ..

و في هذا الحفل ” البهي “، يشير نقيب الصحفيين العراقيين و غيره من المعنيين بالموضوع، أن العراق فقد ٤٧٠ صحفيا و إعلاميا منذ الإحتلال عام ٢٠٠٣ و حتى يومنا هذا، و هذا الرقم يتجاوز الأرقام للقتلى و الخسائر من الصحفيين و الإعلاميين في الحربين العالميتين أو في الحرب الأمريكية الفيتنامية، و يشير أحد المسؤولين العراقيين أن التطورات الجديدة في تدهور الحريات الإعلامية و الصحفية في عراق اليوم بات يظهر من خلال التهديدات العشائرية و القبلية و الميليشياوية و الحكومية التي توجه للصحفيين و الإعلاميين و تمنعهم من أداء مهامهم و واجباتهم بالشكل المقبول ..

و من ضمن آخر المستجدات في العراق، و كما يبدو خلال التظاهرات و الإعتصامات و الإضطرابات الأخيرة هناك، فقد نال الصحفيين و الإعلاميين العراقيين حصتهم من أعمال العنف في المواجهات، فأحد التقارير تشير إلى تعرض مجموعة من الإعلاميين للإعتداء بالضرب و مصادرة أجهزة التصوير من قبل قوة أمنية في مدينة البصرة، و كما يبدو تعددت و تنوعت المواجهات في الفترة الأخيرة مع الإعلاميين العراقيين للحد من تواجدهم و متابعتهم و دورهم في تغطية المظاهرات و المصادمات، و كشف التجاوزات التي ترتكبها الجهات و الأجهزة الحكومية المختلفة هناك ..

نعود لتقرير المنظمة العالمية، الذي يشير بشكل خاص إلى تدهور الأحوال في أوربا بشكل خاص، لكن ذلك طبعا لا يصل إلى الأوضاع المتردية في بقاع مختلفة من العالم، و بشكل خاص الدول النامية و الدول العربية التي كما يبدو باتت تتسابق فيما بينها للحصول على الترتيبات الضعيفة و المتخلفة في كثير من الدراسات و الإحصاءات الدولية من هذه الشاكلة ..

يشير التقرير مثلا إلى ظهور رئيس دولة التشيك في مؤتمر صحفي و هو يحمل سلاح كلاشينكوف زائف غير حقيقي، كتب عليه ” للصحافيين ” و كما يبدو هو تهديد مباشر لهم، كما وصف زعيم سلوفاكيا السابق روبرت فيكو الصحافيين و الصحافيات ب ” العاهرات القذرات المعاديات لسلوفاكيا ” و ” الضباع الأغبياء ” ..

و قال رئيس منظمة مراسلون بدون حدود كريستوفر دلوار أن القادة السياسيين الذي يزكون و يروجون لإحتقار الصحافة و الصحافيين يقوضون مبدأ النقاش العام القائم على الحقائق بدلا من الدعاية و التزوير، و أن الطعن في شرعية الصحافة اليوم بمثابة اللعب بنار سياسة خطيرة جدا لا تعرف أبعادها و مدياتها ..

و يشير التقرير إلى أن دول أخرى مثل أميركا و الهند و الفيليبين، أهان فيها سياسيون بارزون، من بينهم رؤساء هذه الدول ذاتهم، أهانوا الصحافة و الإعلام و الصحفيين، و وصفوهم بصفات شنيعة منها الخيانة، و يمكن إضافة دول أخرى لهذه القائمة منها مثلا العراق و مصر و عدد من دول الخليج العربي ..

و يضيف التقرير أن خارطة المنظمة للعالم التي تستند الى تصنيفها للدول في مجال حرية الصحافة ، و كما بينا ، تشير الى أن ٢١ بلدا في وضع “خطير جدا” و هو رقم قياسي ، بعد انضمام العراق الى هذه الفئة التي شملت أيضا مصر ( المرتبة ١٦١ ) و الصين ( ١٧٦ ) و كوريا الشمالية التي لا تزال أكثر دولة قمعا للصحافة على وجه الأرض تليها اريتريا و تركمانستان و سوريا و الصين ..

و يشير التقرير العالمي بشكل خاص لمنطقة الشرق الأوسط حيث يعتبرها المنطقة الأكثر صعوبة و خطورة لممارسة مهنة الصحافة في العالم ، و يركز التقرير على الأوضاع في مصر التي جاءت في الترتيب ١٥٩، حيث يصفها التقرير بواحدة من أكبر السجون و المعتقلات بالنسبة للصحفيين على الصعيد العالمي، حيث لا يزال أكثر من ٢٠ إعلاميا قيد الإعتقال هناك بذرائع و حجج و تهم زائفة ..

في العالم الحر، و النظم الديموقراطية التي تهتم أولا بالحريات الشخصية و حرية الرأي و حرية الإعلام و الصحافة، و كما يظهر من هذا التقرير نشهد تراجعا واضحا و تغييرا في الأولويات، مما يبشر بمستقبل سئ و غير واضح بالنسبة لأجهزة الصحافة و الإعلام و كيفية أداءها مهامها و واجباتها في المجتمع لكشف و نقل الحقائق و الأخبار للجميع، و إذا كان هذا هو حالهم، فلا تسألون عن حال العراق و لا الدول العربية و لا الشرق الأوسط، فعلى الأغلب الأحوال مؤلمة و يندى لها الجبين، و قد يتصبب من جبيننا العرق خجلا و نحن نقارن و نتكلم عن الحريات و الإعلام هنا و هناك ..

و من الله العون ..

لا تعليقات

اترك رد