القفز من سفينة النظام

 

لا يستوي وضوح المشهد بين أن تراقب ابحار سفينة في عرض البحر عن طريق اقمار صناعية تنقل الحدث الى شاشة منزلك وبين ان تكون احد ركابها  ، بل لا يستوي ان تكون راكبا عاديا أو بحارا يمسك بدفة السفينة ، أنت أقرب الى حقيقة الوضع كلما كنت أقرب الى الدفة  لذلك فإن مشاهدة راكب عادي يقفز من سطح السفينة الى أمواج البحر المتلاطمة  قد يعني أنه  أصيب بدوار البحر و سقط قضاء و قدرا أو أنه تعرض الى خيانة من رفيقته فقرر الانتحار لكن مشاهدة أحد بحارة السفينة يقفز منها يخلق شكوكا بأن السفينة قد تكون مثقوبة و حان وقت مغادرتها و يعطينا تصورا واضحا عن مدى خطورة الوضع لأن البحّار يعرف مدى سلامة السفينة أكثر من الآخرين ويقدر بدقة توقيت الهروب .

القفز من سفينة النظام عنوان أستعيره من زميل صحفي يمني كان يراقب أحداث بلاده في بدايات الثورة اليمنية في مثل هذه الأيام قبل سبع سنين اثر توالي استقالات مسؤولين كبار من الحكومة اليمنية و انضمامهم الى الثوار انطلاقا من حقيقة ان عدد البحارة المتبقين الى جانب القبطان قياسا بالهاربين وَضْعٌ عوّل عليه المراقبون كثيرا لأنه وصف لهم بدقة الحجم المتبقي من السفينة فوق الماء  ، السفينة سالمة بقدر الامتار المكعبة المتبقية منها فوق سطح الماء و في مياهنا الدافئة ، هنا في شرق العالم دائما هناك بحارة يهتفون بحياة القبطان ما دام مفتاح قبو الطعام و النبيذ بيده لهذا فإن السؤال الاهم في كل هذا يتعلق بمدى مبدئية المغادرين للسفينة نظرا لتوقيت المغادرة ، هل يغادرون لفساد القبطان أم لتضرر مصالحهم ، بعبارة اوضح : لماذا لم يغادر هؤلاء المسؤولون قبل الآن  اذا كانوا يعتقدون بفساد النظام و هم يسكنون جيوبه منذ قيامه بل لماذا لم يبادروا هم بالتحرك لإسقاط النظام الفاسد بدل انتظار قيام ثورة و الالتحاق بها عندما يجدون أن كفة الثورة رجحت على كفة النظام

هذه الملاحظة يجب أن تكون تحت انظار الثوار اينما كانوا للحيلولة دون عودة الوجوه القديمة بأقنعة جديدة ( أقول الثوار و أعني بهم تلك الشريحة من أبناء الوطن التي انتفضت ضد كل أشكال الفساد انطلاقا من مصلحة وطنية لا بتحريض خارجي) ، للثورة ساعة صفر على الجميع ان يقرر قبلها لا بعدها و لا أثناءها إن كانوا معها ام ضدها  و الحديث هنا رغم أنه موجه للمتظاهرين في مدن العراق و هم يواجهون أعتى وحوش الفساد التي عرفها العالم بلا أدنى مبالغة إلا أنه درس يصلح للآخرين أيضاً فنحن أمام تجارب ثورات حدثت على مر التاريخ في أماكن متعددة من العالم و خاصة في عالمنا العربي و اصبحت فيما بعد ضحية لإنتهازيين و وصوليين امتهنوا تقمص الادوار و ركوب الموجة خاصة و ان هؤلاء يمتلكون من الدهاء و المكر السياسي الذي اكتسبوه خلال عقود عشعشوا فيها في مواقعهم ما يجعلهم يسرقون بسهولة الكحل من عيون شباب مفعمين بروح الثورة لكنهم يفتقدون الى الخبرة اللازمة لوضعها على مسارها الصحيح والحفاظ عليها من هؤلاء و من غيرهم من عصابات خطف الثورات

المقال السابقهل الاحتجاجات في العراق ترسم ملامح مستقبل الحكم؟
المقال التالىاكلمك عن الحرية لا عن الجنس
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد