المؤسسة والانتهاك – ج 6 …. سوق الفن كمحدد للعمل الفني


 

إن السوق الاقتصادية كمحدد للأعمال الفنية تلعب دورا فاعلا في التعريف وتعميم، بل وتمييع ما يبدو هجينا من منتوجات الفن المعاصر، ونشرها وفرضها كمنجزات ما بعد الحداثة، لدرجة أن أعمالا بيعت في السوق العالمية بأثمان جد خيالية، لم تصلها أعمال فنية تشكيلية من قبل. والسوق هي من كانت وراء الدفع بأشخاص غير معروفين ليصبحوا فنانين، متألقة أسماؤهم، تتداول أعمالهم في كل مكان. والسوق هي من دفعت ب “النقاد المأجورين” ليدعموا أولئك “الفنانين بكتاباتهم وحواراتهم ليغووا بها من كانت له مبادئ راسخة، أصيلة لا تتغير. يبقى التساؤل قائما: هل بالمال وحده يتوج الإبداع ويرقى ويخلد في سجلات التاريخ؟

يجب الاعتراف أن سوق الفن بقيمها البورصوية، وبنياتها التحتية وناس عالمها الفني مازالت غائبة عندنا في المغرب، فلا جدوى إذا من اعتبار السوق كمعيار نقيس به الأعمال الفنية المعاصرة، ويبدو أن سوقنا الفنية لا تهتم بما يروج له كفن معاصر. فما هو سوق عندنا يبقى عبارة عن مزادات صغيرة وموسمية تتقاذفها ثلة من المجمعين، ومنظمة من طرف أشخاص محدودي العدد. وما يروج عندنا لا يمكن اعتباره سوقا للفن، فهي عمليات تجارية ليس لها أي صدى على الصعيد العالمي والقاري، فلحد الآن لم نر “عملا معاصرا” دخل المزادات العلنية التي تنظم بالدار البيضاء، (السوق الوحيدة بالمغرب). فكما قلت في مقال سابق، إن الثقة في مثل هذه الأعمال غير متوفرة لدى المعجبين المحليين.

“ما يحدث للفن العربي اليوم، (ومنه الفن المغربي)، لا يحدث للفن في أيّ مكان آخر على الأرض. لا لأن قيم السوق هي التي صارت ميزاناً لقيمة العمل الفني، وهو أمر يمكن تداركه نقدياً، بل لأن السوق نفسها صارت تُدار على أيدي أناس لا علاقة لهم بالفن ولا بثقافة المنطقة، وقد تمكنوا من تعطيل سلطة النقد. هناك سياق مجنون يقع خارج أي منطق. المطلوب منا، بعدما تم تعطيل النقد في حياتنا الفنية، أن نصدّق كل ما يجري”. (1)

العمود الكهربائي بهيئته “الزنقاوية”، (من الزنقة، الشارع)، خال من كل شيء إلا من كونه حثالة تليق بالمزبلة. ومن العار أن تكون الحثالة من اللبنات التي سنبني بها تاريخنا الفني والجمالي والحضاري، لنتخلص من عقدة التبعية وسلطة الآخر وعنف حداثته وعدمية ما بعد حداثته لنتقدم خطوة إلى الأمام. “إن التاريخ يصبح ذا معنى إذا نظر إليه كتقدم مستمر” (كانط). فهل التاريخ الذي سنكتبه بمثل هذه الأشياء التافهة والدنيئة سيؤدي بنا إلى تقدم مستمر؟ أشك في ذلك.

أكد محمد عابد الجابري أن “الشرط الضروري لتجديد العقل العربي وتحديث الفكر العربي وتغيير الوضع العربي هو كسر قيود التقليد وقطع خيوط التبعية”(2).
أليس الفنان التشكيلي من العقل العربي؟
أليست التجربة التشكيلية المغربية من الفكر العربي؟
ألا تمثل فضاءات الفن التشكيلي بنيات تحتية يتموضع فيها واقع الوضع العربي؟

إذاً كيف ستتكسر قيود التقليد المرتبطة بتراثنا ونقطع خيوط التبعية التي تشدنا، إلى تراث الآخر بقوة، إلى درجة تمزيق وعينا، وتفكيك كياننا الوجودي؟ لنجدد العقل ونعمل على تحديث الفكر ونغير الوضع، يجب أن نضع بين أعيننا حقيقة أصبحت بديهية، مفادها أن “المركزية الأوروبية لها منهج تاريخ يمارس إمبريالية على التاريخ، يبرز ما يريد ويقمع ما لا يريد. فهي مرجعا لكل شيء قام خارج أوربا” (3)، وأن حداثة هذه “المركزية الأوروبية” نرجسية تحب ذاتها وشديدة العنف تجاه المثيل والمنافس الند لها، وكل معاييرها تكتفي بذاتها غير محتاجة لأن تستمدها من غيرها. فهي ليست في حاجة إلى قيم غير قيمها، القائمة في زمنها.

إن ما يجري حاليا على صعيد العالم العربي بتمويل من أهل المال والبيترو دولار وبتخطيط من أصحاب “المركزية الأوروبية” لا يعتبر حالة صحية للفن في البلاد العربية، بل سيزيد الفهم غموضا ويكرس حالة “الأمية الأيقونية” التي يعاني منها المتلقي العربي والتي تعود أسبابها أصلا إلى المستوى الدنيء للتعليم الفني وإلى “البشاعة الجمالية” التي تقصف بدون توقف أبصار ذاك المتلقي.

إن مؤسستنا المتحفية الحديثة مازالت في بدايتها الأولى تتلعثم، وقطارها لم يسر بعد على السكة الصحيحة. فهذا “العمل الفني المعاصر”(العمود الكهربائي)، تطوع لاختياره شخص واحد أو شخصين على الأكثر، يحاولان “معرفة ما معنى متحف”(4)، كما صرح بذلك مدير إدارة المتاحف نفسه. فعوض أن تقدم للجمهور المغربي “حثالات” كأشياء فنية، كان من المفروض أن تعمل المؤسسة المتحفية على تربية عين هذا المتلقي جماليا وفنيا باستضافتها مثلا لنماذج من الأعمال الفنية العالمية الراقية، كلاسيكية أو حداثوية أو ما بعد حداثوية، تشخيصية أو تجريدية أو مركبة. فالمتلقي عندنا مازال في حاجة إلى تثقيف فني/جمالي وليس إلى تعتيم أيقوني، نحن بحاجة إلى التعريف بفنانينا المغاربة، والعرب عامة، الأحياء منهم والأموات، بتنظيم معارض استذكارية/استعراضية تنعش ذاكرتنا الفنية وتعيد الاعتبار إلى التشكيليين المحليين والقطريين الذين بدأ النسيان يطوي صفحاتهم: الغرباوي والشرقاوي والقاسمي وميلود لبيض والإدريسي وشبعة وبن علال والشعيبية ومريم مزيان ومغارة ومورسيا، ومن العرب: إتيل عدنان ورافع الناصري ونجا مهداوي ورشيد قريشي وأدم حنين وضياء العزاوي وصالح الجميعي وقويدر التريكي والطاهر الأمين المغربي ومحمد خدة، والائحة طويلة…أسماء شكلت تاريخ الحركة التشكيلية العربية الحديثة…أسماء يجهلها جل الفنانين الشباب لأن التعتيم الإعلامي مع الأسف، يسدل عليها ستائره. لقد أصبحنا نجهلهم بسبب تشتتهم والدمار الذي لحق بدورهم وورشاتهم خلال العقود القليلة الماضية. فالمسؤولية تقع على عاتق المتحف ليقوم بهذه المهمة التاريخية، عوض استجلاب أعمال فنانين غربيين الجميع يعرفهم.

لاأتحدث عن الأروقة الخاصة التي همها الوحيد وشغلها الشاغل هو الجري وراء الكسب والاسترزاق على “ظهر الفنانين”.

في غياب كل هذه البنيات التحتية/ الفوقية، الثقافية والاقتصادية والجمالية، هل يجوز اعتبار شيء من الأشياء العادية منجزا فنيا، خاصة وأن يد الفنان لم تساهم ولو بقليل في بنائه؟ هل من المشروع اعتباره عملا فنيا، يستحق احتضان متحف وطني له؟هنا التألق يستبق المعايير، إذ أنالوصول إلى المتحف يجب، حسب ما تمليه عالميا، قوانين الشهرة، المرور باعتراف الوسط الفني القريب ثم البعيد، ثماعتراف صالات العرض والمراكز الثقافية، ثم المزادات وأصحاب المال. نرى أن عمودنا الكهربائي حرق كل هاته المحطات ليسترق منذ بدايته بفضاء المتحف؟‼

ترى كيف سيتعامل المتحف مع العمود الكهربائي المعوج بعد نهاية المعرض؟ أخشى أن يمر أصحاب النظافة يوما ويلتقطونه معتبرين إياه “قذارة”، وإذا حدث هذا، فسيكون لهذا العمود شأن آخر في مجال الفن الراهن. إذ ذاك سنعمل على تحديد ماهية العمل الفني وهويته الفلسفية والجمالية، ومدى ارتباطه ثقافيا بمحيطه. ومن المعلوم أن تاريخ الفن الأوربي شهد طرائف من هذا النوع، مبولة مارسيل دوشان التي ضاعت بعد عرضها، وعمل تنصيبي Installation للفنان الألماني المعاصر جوزيف بويز Joseph Beuys (1921-1986)، الذي جمعت أشلاءه عاملة النظافة بالمتحف الذي عرض به، ظانة أن تلك الأشياء من الأزبال التي ينبغي التخلص منها. وحبذا لو مر عمال النظافة ليلا من باب متحفنا واراحونا من تلك المزبلة الحديدية.

هوامش:
1- فاروق يوسف – – تعاسة الفنّان العربي الرافض الوصاية – جريدة النهار، 13 أيلول 2014
2- محمد عابد الجابري-التراث والحداثة، دراسات…ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، ط. الأولى، بيروت 1991.
3- نفس المصدر.
4- Les débuts ratés du musée d’art contemporain de Rabat – Le Monde, 19/6/2015

لا تعليقات

اترك رد