ابن البصرة النجم محمود ابو العباس


 

لمن لا يعرف البصرة اقول هي قبلة العراق على الشط العرب ,وهي نبع الخير على العراق ,هي السياب والنخيل ,هي ام كل بصري كنيته البصري ,هي ام العراقيين جميعا ,حليبها نفط ,وتمر ,وثقافة ,هي الخليل بن احمد الفراهيدي وسعدي يوسف وطاهر سلمان واسماعيل فتاح الترك وفؤاد سالم ومحمود البريكان وعلي صبري وصباح عطوان ووارد بدر السالم وحميد صابر وكريم المبارك و رياض احمد ومحمد خضير ومحمود جنداري وكاظم الحجاج وومحمود عبد الوهاب وداود الغنام وذياب خليل وعزام صالح وتوفيق حميد كاطع والكثير الكثير ..

هي محمود ابو العباس .لم تبخل على العالم والعرب والعراقيين بالثقافة كما انها لم تبخل بالنفط ..غذاء العراقيين جميعا..شعرهم وغنائهم ورقصهم الفولكلوري وسردهم المميز ومحمودهم ابو العباس الذي صال وجال في محافظات العراق ,وصال وجال ,في الدول العربية ,الامارات العربية ,الشارقة .صال وجال ممثلا,مخرجا ,مؤلفا ,مربيا ,مبدعا حينما يتكلم تشعر انه شاعر ,وحينما يغني تجده مطربا ليس اقل من البصري رياض احمد ,وحينما يبكي تشعر انه يحمل كل ألم الدنيا والعراق والبصرة ,وحينما يضحك أو يبتسم يزيل الهم عن المكروب ,


وحينما يتحدث عن كونه اب فأنه الاب العراقي الذي يفتخر بابنه وهو الذي يحمل في احتدابه هموم السنين عراقيا بصريا يحاول ان ينتصب قامة فيجد في احتدابه تواضعا من العلو الذي قد يودي بهالى الطيران مع نسيم البصرة اللهّاب ,أو قد يلتصق (بعثك) الرطب البصري فتشغله الحلاوة التي يبحث عنها اينما حل فيلتصق في عنق النخلة, ولهذا احبّ الاحتداب, وينسى احيانا فيرفع من قمة ظهره ليجد حنكه وقد لاصق الارض كأنه محراثا ,فيتذكر انه الصرخة المدويّة (كل الدنا بنت صحرائها مدنا ,الاّ نحن صارت مدننا صحراء ) ,ويتذكر ان الجنة قد لاتفتح ابوابها ابدا لا متأخرة ,ولا متقدّمة ,وقد لايعود الجنود سوى جثث متشابهة الاجساد والجروح لأن من فرط حبّها قد تناسخت ومابقي ليس سوى بعض حب لتراب يحتظنها الىالابد .

كل اجزاء جسمه متناسقة بطريقة عجيبة وانتمائها لبعظها البعض يجعلك تشعر بالخوف والرهبة, حينما يتحرك على المسرح وكأنه مالكه وممثله ومخرجه الاوحد ..يديه تحاكي الله وتحاكي وجهه وتحاكي الارض وتحاكي الجمهور والنص الذي يتبناه فيصبح جزءا منه ,رسالة وتكوين .يمتلك قابلية على الاقناع لا مثيل لها .حينما تجالسه رفيق حديث وضحكة وذكريات تشعر انه لايصلح الاّ ان يكون محمود ابوالعباس الكيان البصري المرح الذي يشبعك ثقافة ومرح وذكريات انتجزءا منها رغم انك لم تكن رفيقه بها .وحينما تراه يمثّل تنسى انه انسان اسمه محمودا ,بل هو هذه الشخصية التي تتحرك امامك ,وانه لايصلح الاّ لها, ولا غيره يصلح لها, وأنه فشل كمحمود ابو العباس ,ونجح في هذه الشخصية .وحينما تتبدل الشخصيات بأسماء وصفات جديدة ستندم على ماقلت فتهز يدك وتغمض عينيك وتهزّ رأسك وتخرج بعض دموعك في لعبة المتعة التي لا مثيل لها .

البئر النفطي البصري محمود ابو العباس الذي رفض اعادة العقال على رأسه ذات دور في ذات فيلم تشعر ان العقال الذي رفض محمود اعادته الى قمة رأسه لأن الرأس ماعاد بذات القيمة والرفعة الاّ بعد ان يعيد مافقده ..كان وجه محمود بلون العقال واستداراته وكبرياءه ,ورفعته واعتراضه ,كان محمودا بصوت متهدج ينوح كل شيء فيه ,عيناه ووجنتاه ورداء الرأس(اليشماغ),والاحتداب التعبيري ,وحتى جلسته ,الى الامام ,أو الى الجانب ,المتحفزة للنهوض ,المهتزّة اعتراضا , أو الرافضة للحدث الكوني الذي هزّ وجدانه وغيرته العراقية .حينما تشاهد فيلم (صمت الراعي )ستجد ان حميد الصكر (ابو زهرة ) ليس سوى محمود ابوالعباس ولس هناك مجال للشك بانه هو .ويقال ان العربي الذي يلبس العقال ثنائي العطاء والانتماء للعقال فهو اما ان يسلبه قيمته ويمنحه العار وأما ان يعطي للعقال رفعته وقيمته المعروفة .محمود ابو العباس في هذا الفيلم منح العقال قيمة اضافية عظيمة فكان اعظم من تاج الملك لانه قوة ورفعة وكرامة وصدق وغيرة ,دلالات ومعان ,وعزّة وكرامة .

ابو العباس تبتدأ علاقاته مع الشخصية ابتداءا من الفكرة مرورا بكل المراحل الدرامية ,ولا تنتهي في حد أو صوب أو مرحلة فهو يعشق فكرتها وأفعالها وزمانها ومكانها الذي يكشف عن خصوصية الشخصية قبل الدخول الى عالمها الرحب .هو ليس حبيبا أو اب فقط ,بل هو (ستار كوسج ) في مسلسل ذئاب الليل ,وهو لا يترك اللقب دون محاكاة ,بل هو كوسجا يحمل نقاط قوته المؤقتة وضعفه الدرامي الذي سينتهي ذات زمن .وهو الذي هزّ المسرح في مسرحية دزدمونة ) اخراج ابراهيم جلال. لقد فعل محمود بعطيل ما لم يفعله احد به ,ياكوابو العباس اراد ان ينال دزدمونة وينهي عطيل وينتقم من الملك وتعود له المملكة والقيادة والحظ العظيم ,ياكو ابو العباس أراد اكثر مما منحه النص والمخرج لأنه يستقبل مفردات النص وأفكاره,ويستقبل كل مايبغي المخرج اظهاره ثم يجلس هو ليرسم مخططه الخاص ويبحث ويدرس فيضيف تفاصيل ادائية ,ليس حوارات أو خروج من النص بل هي مهارات ادائية واشارات ولعب بطريقة لفظ المفردة ,وخلق مخطط لنقاط قوة وضعف الشخصية ,

فالشخصية عنده في منتهى القوة لحظة قوتها ,وفي منتهى القوة لحظة ضعفها وهو يمنح الافعال ضرورة وسر احترافي يسرق من خلالها الالباب ضنعة وقوة .ياكو كان صادقا مع نفسه لحد الموت فأنتقم ابو العباس لنفسه وكسب النص والمعركة الاسطورية .وكان الزهاوي في مسلسل (سارة خاتون ) فنسينا كل مامضى وعشنا البلاغة في الشعر والاداء بمهاراته التي يجب انيستحضرها الممثل كي يؤدي شخصية شاعر كبير بطريقة تساند مامعروف عن الزهاوي وتضيف لها ما يجعلها تبقى في الذاكرة ضمن مجموعة كبيرة من الاحداث التي احتواها المسلسل .فكان ابوالعباس في هذه الشخصية يخاطب الوعي الذي يعلم مافي جعبة شخصية الزهاوي ,ويخاطب من لا يعرفه فيرسم له خطوط واضحة جميلة لهذه الشخصية .وتوالت الشخصيات التي اختلفت من حيث انتمائها لمدارس الاداء المعروفة اذ كان ابو العباس محترفا تجريبيا يتحدى النص والشخصية فيصنع منها شخصية لا تتخلىّ عن لباسها السردي ,ولا تلتزم التزاما مستنسخا حرفيا لما يريده النص بل كان يأخذ من هذا وذاك فيبني عمرانا خاصا واعيا فيه من الصدق بقدر مافيه من العلم والمهارة الشخصية .

تجلّ ذلك في المسرحيات التي كتبها الشاعر (يوسف الصائغ ) الباب والعودة والتي اخرجها (قاسم محمد ).وفي الكتابة كان ابو العباس شاعرا يفهم ماذا يكتب ولمن ,فاللغة الشعرية في المسرحيات التي كتبها للاطفال مثل مسرحية (ميراث القطط) ومسرحية (نور والبئر المسحور ) تنطق شعرا والنصوص التي كتبها للكبار تنطق شعرا, لكن الفرق هو مايميل اليه ابو العباس ,ويعشقه كي يبين حرفته ومهاراته المتعددة, تجلىّ ذلك في مسرحية (بقعة زيت )على سبيل المثل بالرغم من انها تناولت موضوع الاغتراب وبأسلوب كوميدي .وكان مخرجا ومعلّما في جل اعماله التي اخرجها في العراق وفي الامارات العربية كما في مسرحية (العارضة ), اذ يهتم ببنائها السينوغرافي بروحية المؤلف الذي يجيد كتابة ورسم وتجسيد منجزه الابداعي. تجلاّ ذلك في مسرحية (ياليل ماأطولك ) التي اخرجها وصمم لها السينوغرافيا ونالت جائزة مهرجان قرطاج الذهبية . ولد محمود ابو العباس في البصرة 27 مايو عام 1956 في العشار ,منطقة الخندق ,ام الدجاج وهو واحد من تفرعات شط العرب ,اكمل الابتدائية والثانوية في مدينة البصرة احب المسرح فكانت اولمشاركة له مع محمد وهيب في (اوديب انت الذي قتلت الوحش )وعمره لا يتجاوز 11 عام .وبعدها ساهم في تأسيس فرقة منتدى الغد وكتب للفرقة مسرحية (العهد البائد)وهو بعمر 14 عام


.ومن اعماله في مدينته البصرة اخراج مسرحية (سولارا ) للشاعر السوداني محمد الفيتوري.دخل كلية الفنون الجميلة في بغداد قسم المسرح , وشارك في اعمالاساتذته كومبارسا كما في مسرحية (دائرة الفحم البغدادية ) اخراج ابراهيم جلال ,وشارك كذلك في اعمال تلفزيونية تاريخية مع المخرج علي الانصاري كومبارسا .ثم شارك بأدوار رئيسية في مسرحية (نديمكم هذا المساء )اخراج رياض شهيد وحصل عنها على جائزة افضل,ومسرحية (مقامات ابي الورد)اخراج ابراهيم جلال.شارك في تأسيس فرقة ابراهيم جلال ,حاصل على شهادة الماجستير ثم دخل الدكتوراه وتركها وغادر العراق الى الامارات لاسباب سياسية .في الامارات عمل في مركز اطفال الشارقة ومراكز اخرى وساهم في تربية جيل مسرحي مهم .

من المسرحيات المهمة التي ساهمت في هربه من العراق مسرحية (ياطيور ) عن هارب من الحرب اصيب بالجنون .من اعماله المهمة مسرحية (الرحلة )عن رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف ,ومسرحية انتبهوا ايها السادة ,ومسرحية الرهان ,السدادة ,ذاكرة الوجع والمسرات ,بين المالك والمملوك) .اقام الكثير من الورش في الامارات لصالح المجلس الاعلى لشؤون الاسرة وقدّم لهم ابوبريت(هويتنا والعولمة ).حاصل على جائزة افضل فنان عربي متميز في مهرجان الشارقة (ايام الشارقة المسرحية ).أما في السينما فقد بدأت مشاركاته المستمرة بعد ان قام بدور البطولة لاطروحة الدكتور رعد عبد الجبار ,ثم اطروحة تخرج الفنان عزام صالح فيلم (رؤى البهلول ).

وتوالت بعدها الادوار في اكثر من 12 فيلم من بينها (الفارس والجبل ,عمارة 13,حب في بغداد ,السيد المدير ,المنفذون ,سحابة صيف ,رصاص من الجانب الاخر ,صمت الراعي الذي حصل من خلاله على جائزة مهرجان دكا السينمائي وجائزة مهرجان مسقط السينمائي كأحسن ممثل ,وترشح لجائزة مهرجان وهران . وفي التلفزيون كتب ومثّل في مسلسلات وسهرات عديدة منها (الامانيالضالة ,يوميات فنجان ,عندما تسرق الاحلام ,صاعد النخل ,عنفوان الاشياء,ذئاب الليل ). وفي هذا العام مثل ابو العباس في افلام الشباب مثل فيلم (غرام الملا) اخراج بهاء الكاظمي ,وفيلم (العائلة )اخراج مجد حميد .يبقى ابو العباس كريما في عطائه الفني حاله حال اهل البصرة الكرام مبدعا عراقيا مازال في قمة عطائه الفني

لا تعليقات

اترك رد