زافين اليوسف يقتفي أثر الأشياء لا الأشياء ذاتها


 

” رؤى تشكيلية سورية ” المشروع الذي أطلقه عدنان أحمد في دار و غاليري الكلمات بحلب في أواخر العقد الأول من القرن الحالي كشكل من أشكال الدعم و التشجيع للمواهب التشكيلية الشابة في سورية و ذلك بإستضافتهم ضمن معارض جماعية ، و زافين اليوسف ( 1983 ) من ضمن الذين حلّوا ضيوفاً على كلمات ترجمة للمشروع ذاته ، و لم يخب ظن كلمات به حين اختارته كإحدى هذه الرؤى التشكيلية التي قد تساهم في ترجمة مشروعها ، فهو يحمل كل شروط البحث و التجديد ليرسم لنفسه فيما بعد تلك الملامح الدالة على الخصوصية التي سينبض بها لاحقاً ، فهو على بوابة حكاية سكانها طنين قزح ، و طرقات عبير ، و أعمدة ضوء ، و أصيص حياة ، و سياقات تعب ، و سيلج هذه البوابة بإمكانيات بها سيروي لنا تلك الحكاية التي هي حكايته ، حكايتنا ، سيرويها لنا مرات و مرات ، و نحن ينبغي علينا ألا نغفل عن سماعها مرات و مرات .

إن تجربة زافين مقارنة مع مجايليه ، تجربة فيها من العفوية الشيء الكثير حتى أننا نكاد نقول بأنها تنتج ذاتها تلقائياً ، بوصفها لغة مختلفة ، لغة مفتوحة على عالم شديد القرب من النفس ، و يسمح بإفتتاح أسئلة ، الإجابة عنها لا تحتاج إلى إختزال ، بل تخضع لتحولات أساسها الوجود و الكينونة ، فهو و بتجريدية تعبيرية يقتفي أثر الأشياء لا الأشياء ذاتها و لهذا فهو يحيل لحظة المناداة إلى ما يجعلها تطالب باللعب الحر حيث لا مقاطع ، لا كلمات ، لا حقيقة ، أي أنه يتفادى الإطلاق حتى أدق تفاصيله ، يتفادى الحدود ، فلا إكتمال عنده بل إيقاعات جمالية تجتاح المجالات و الحدود و الجهات ، و بالنتيجة فهو يطارد نصاً ، التناص معه ممزق و متلاشى ، بل التناص معه أشبه بخرافة ، خرافة في الرؤيا و خرافة في الربط بين المقاطع حيث العلاقة إشكالية ، أو قد تذهب نحو هذيان لوني عذب ، فهو أيضاً غير عارف إلى أين تمضي به البوصلة ، فهو فقط يروي باللون الذي يمشي به كنزهة في الفلاوات ، حاملاً أصيص نبتة يزرعها أينما حل و بين كل الألوان و في كل الظروف .

و الحق أقول أن زافين يحلم كثيراً ، و يعيش حلمه بين خرافاته أقصد بين عوالمه و تمفصلاتها ، و على أساسها يشرع في إستدعاء تشعبات حكاية ذلك الحلم بدءاً من الجذع و ما تحمله من تجاويف تتسع لقامته ، وصولاً لأغصانه العالية كعلو أسئلته و هي تطلق العنان لذاتها مغردة بإشارات إستفهام ، كل منها ستروي نيابة عنه هديلها و ثمارها ، فهو و من موقعه كفنان شاب يبحث لنفسه عن خطوة تحمله إلى ضفة رسمها بنفسه و إليها يستأنف المسير بحركات إنفعالية قريبة من ضوء النفس القابع في موضع ما قد تنقل مرافئه من مقام السارد المتخيل إلى مقام النابض بالحلم الظاهر له و للعيان ، و لا شك أن زافين من الجيل الذي يعمل جاهداً ليتحرر إلى حد بعيد من معالم الآخرين ، باحثاً عن معالم تخصه هو ، معالم يبلورها بإتباع العفوية كوسيلة للتحرر من التقاليد التشكيلية و قيودها ، و بوصفها مبدأ تحول من نطاق ما ، يغلفه تقاليد التصوير الموضوعي إلى كسر تلك التقاليد لإنجاز عمل لا موضوعي ، و ثمة محاولات له تلبي حاجاته الداخلية و تتغير وفقاً لمفهوم ما قد نحمّله لعمله وفق وسائل تقنية محددة ، و هذا يرتبط بمرفقات العمل من جهة ، و ما يأخذ من دلالات قد تكون هي ذاتها ما يمكن أن نسميه مساحيق لونية تكون بدورها مرادفة لعناصر حاملة للإحساسات تسهم في تثبيت فضاءاته بتعبير غير ملموس و مستقل من الجهات جميعها .

وهنا نستطيع القول بأن عمل زافين لا يخضع لتصنيف ، فهو يتجنب الأطر الثابتة و الجامدة ، بل يقترب من مدى بفضل وسائله التعبيرية التي سترفع بدورها درجة إقترابه من تقنيات غير مستخدمة في أمكنة أخرى ، أو قد يتفيأ شيئا عتيقاً ، مهملاً ، لكن غائراً في مجاورات هي على مسافات كثيفة من الغبش و ما تحته .

 

 

لا تعليقات

اترك رد