أليس القرب بحجاب ؟

 

ليست المعرفة وليدة ساعات ، وليس سعي الإنسان لعناق النجوم علم جديد . الإنسان هو الإنسان في سعيه المحموم نحو الاستحواذ والمعرفة . ومنذ وقف الإنسان على ساقين وتميز بهما عن باقي مخلوقات الله وهو يسعى نحو الكمال والحقيقة المطلقة وفي كل مرة ينتهي من عمل ما يشبك يديه معتقدا أنها نهاية الطريق ليجد نفسه مرة أخرى في بداية الطريق الآخر نحو علم جديد ومعرفة جديدة ويدرك أن رحلة الإنسان نحو المعرفة والمعرفة الجديدة ما هي إلا رحلة العمر يفني فيها كل حياته ليذوي ويذبل ليحمل البيرق أناس أُخَرْ يستمرون في نفس الطريق وهذا ما دفع الفيلسوف الأول سقراط ليعرّفَ العَالِم بأنه الإنسان الذي يعلم أنه لا يعلم . والإنسان في رحلة المعرفة يعتمد على موارد وحاجات ويعيش في ظروف عادية وأخرى استثنائية يمكن أن نلخصها بما يلي:

* الإنسان يعيش على هذه الأرض ويتغذى مما تمنحه من عطايا وهبات بدءا من ضوء الشمس وانتهاء بما يقتاب به من حشاش الأرض .
* الإنسان يمتلك جسدا قد يسمو به إلى مصاف الملائكة وقد ينحدر به نحو البهائم .
* الإنسان يمتلك روحا تأسن إن أصابها الخمول والركود ولهذا نجده يطور مثله العليا ويسعى نحو الكمال الروحي والسعادة .
* الإنسان يعمل وفق أليات محدده فهو يجوع ويعطش ويبرد ويحب ويكره ويميل ويشتهي وتلازمه هذه الحاجات طوال حياته .
* الإنسان يأخذ ويعطي ويتفاعل ويصطدم بمحيطه ويستجيب وهذا ما يميزه أيضا عن باقي المخلوقات فهو يعبر عما يجول في خاطره وعما يؤلمه أو يسعده .
* الإنسان زائل سيرحل في يوم من الأيام وهذا ما خلصت له كل الفلسفات والعلوم وربما كانت الديمقراطية الوحيدة المطبقة على الكوكب هي ديمقراطية الموت لأنها تحتك بكل الناس وتساوي بينهم .
* الإنسان يمتلك عقلا يقارب به مسائل الكون ومشاكله وقضاياه الكبرى والصغرى وقد ينحدر به إلى مصاف الشياطين وقد يسمو به إلى درجات الملائكة رغم أن النور والنار من جوهر واحد تقريبا .

وفي هذا السياق وحيث أن طينة الإنسان تمر بمراحل وسنين ومعارف تغيره وتصقل تجربته في الحياة لدرجة أنه قد لا يعرف نفسه لو وقف أمام المرآة .سأروي لكم حكاية فيراتا الإنسان الذي حاول مثله مثل غيره من الطامحين أن يروي عطش المعرفة ليدرك في لحظة من لحظات العمر أن حجاب القرب لا يمكن تجاوزه أو اختراقه .

يحكى أنه في يوم من الأيام أن ملك راجبوتانا قد تمرد عليه الولاة واستطاعوا بطرقهم الملتوية سرقة طائر البلشون الذي يرمز للقوة والملك . ولما شعر الملك بأن عاصمته صارت مطوقة استعان بفيراتا المحارب النبيل الذي لباه وأقسم أن يبقى معه حتى يستعيد ملكه الضائع .

شق المحارب طريقة في الدفاع عن الملك وهاجم جحافل الأعداء ليلا ، وفي غمرة القتال عند الفجر استطاع أن يهزم الأعداء ووسط احتفال الجنود بالنصر راح فيراتا يتجول بين القتلى ليجد أخاه صريعا بين الثائرين المتمردين على الملك وعيناه شاخصتان متحجرتان . شعر فيراتا بحجاب من الدمع الحار السخي على أخيه الفقيد بينما الجنود يهتفون لفيراتنا نشيد النصر المؤزر ويلقبونه ” لمعة السيف” .

عاد فيراتا بجيشه إلى الملك وبينما كان الجيش يجتاز جسر المدينة رفع فيراتا سيفه نحو السماء وكأنه يهددها ثم يرخي ذراعه ليسقط السيف في النهر ويبتلعه التيار الجارف.

خرج الملك المزهو بالانتصار ليستقبل فيراتا وجنوده ويقلده سيف القيادة العامة المحفوظ في خزانة المملكة منذ خمسة الاف سنة . لكن فيراتا أسرع وركع عند قدمي الملك يقبل رداءه الملكي وقال” يا مولاي ! هل لي أن أطلب معروفا ؟ ” أجابه الملك :” لك ما تريد يا فيراتا قبل أن ترفع عينيك .” قال فيراتا : ” يا مولاي ! أعد هذا السيف إلى مكانه. أنا لن أحمل سيفا بعد اليوم. لقد قتلت أخي هذا الليلة.” شعر الملك بالحيرة والغضب وقال : ” ولكنني لا أستطيع أن استغني عنك يا فيراتا. ستكون منذ الساعة قاضي القضاة في هذه المملكة . ”

صار فيراتا منذ ذلك اليوم يوزع العدل بين الناس وصار صاحب الرأي والحكمة والفكر والمعرفة والعدالة الإنسانية وسماه الناس ” منبع العدل ” . وبقي الأمر على ما هو عليه إلى أن حدثت جريمة غريبة حيث قتل شاب احدى عشر رجلا من عائلة الفتاة التي أحبها ورفضوا تزويجها له . كان قرار فيراتا يقضي بحبس الرجل احدى عشرة سنة مع جلده كل عام مائة جلدة . صاح الشاب بفيراتا قائلا: ” أهذا هو

العدل؟ ما مقياس العدالة عندك ؟ هل جربت الجلد بالسوط ؟ هل تعلم كيف تحتسب السنين ؟ وهل جربت السجن يا سيدي القاضي ؟ ”

نظر فيراتا في عيني الشاب وتذكر عيني أخيه القتيل المتحجرتين الشاخصتين فقرر أن يجرب نتائج أحكامه في القضاء ليعرف كيف يعيش الناس ويجرب قساوة السجن وطعم الجلد بالسوط . فطلب من الملك أن يمنحه إجازة عساه يعرف الحق الحقيق ويدرك معنى أخر لمعرفة الحياة .

في منتصف الليل ، خرج شبح أسود من دار القضاء واتجه نحو السجن ليندهش السجان لرؤية فيراتا قاضي القضاة يريد أن يدخل السجن . أطاع السجان فيراتا وقاده إلى حيث يريد . ذهب للشاب السجين في أعماق السجن المظلم وأخبره أنه يريد أن يختبر عدل أحكامه على الناس وأن يحل محله لمدة شهر كامل فقد يعرف الصواب ويبرأ من الخطيئة . وفعلا خرج السجين وحل محله فيراتا وفي الصباح جلد فيراتا علانية أمام السجناء من دون أن يعرفه أحد وعند السوط السبعين داخ الرجل وغشي عليه وحُمل بعيدا مثل الوحش الميت .

بعد أيام شفيت جروحه وعاد إلى رشده ليكتشف عالما جديدا وفي اليوم الثلاثين حدثت ضجة خارج باب السجن . لقد كان الملك هو الزائر بعد أن علم بصنيع فيراتا . شعر فيراتا بألم في عينيه لأنه يرى النور للمرة الأولى بعد سجنه لنفسه . كانت الجموع المحتشدة مع الملك تلقبه ” الرجل الصالح” . لكنه أجابهم ببرود : “إن من يصدر حكما على غيره يظلم وفي هذا السجن أناس كثيرون يموتون بسبب أحكام أصدرتها أنا . ومقابلة الشر بالشر قانون ظالم . إن أنين السجناء والمعذبين يملأ نفسي خجلا . ”

قال الملك : “ستكون لتدقيق الأحكام في قصري من هذه الساعة . ”

رد فيراتا : ” رحماك يا سيدي . لم أعد أصلح للقضاء .”

قال الملك : ” ستكون مستشاري .”

رد فيراتا متضرعا وركع أمام قدمي الملك يقبل رداءه وقال:” إن السلطة تغري بالعدوان يا سيدي . وأنا أخشى الظلم . إن كان لي كرامة لديك دعني أعيش في داري هادئا مطمئن البال. ”

قال الملك : ” لك ما تريد .وأنا أفتخر من ينأى بنفسه عن الخطيئة في مملكتي .”

عاش فيراتا في داره ست سنوات هادئ العيش مطمئن البال يبتهل لله ويعمق نفسه بالحكمة ويواسي المعذبين والمظلومين ويقدم المشورة لمن يطلبها وصار الناس يلقبونه ” ساحة المشورة الصالحة ” .

ذات مساء سمع ضوضاء وجلبة خارج بيته وعندما استطلع الأمر وجد أحد أبنائه يجلد خادما عنده . أسرع فيراتا وأمسك السوط واستعلم عن المشكلة فقيل له أن الخادم يتأخر في جلب الماء من البئر . نظر فيراتا في عيني الخادم فرآهما متحجرتين شاخصين كعيني وحش ناقمتين كعيني أخيه الذي قتله .

قال فيراتا : ” أطلقوا الرجل فقد كفّر عن خطيئته . ”

فكر فيراتا مليا وقال في نفسه :” بأي حق أسلب أنا و أولادي حرية هذا العبد . ليس من حقي أن أسجن أحدا فكيف يكون من حقي أن أسجن العبد وأجعله رهن إرادتي .بأي حق آكل مما يزرع وأشرب مما يتعب واستعبده وأعيش عليه عالة مثل العلقة الحقيرة . ” ثم سجد فيراتا وتوسل لله أن يسامحه على سوء صنيعه ولما حلّ الصباح اجتمع بأولاده وأخبرهم بقراره بإطلاق العبيد من داره .لكنهم اعترضوا وقال له أحدهم :” أهذه هي حكمتك ؟ إنك توهن سلطة القانون . هؤلاء هم عبيدنا والأرض التي يعملون فيها ملكنا . ومن يسقي الحقول ؟ ومن يسوق الماشية ؟ هل تريد أن ترفع النير من عنق العبيد إلى أعناقنا . وإذا كنت لا تصدر أوامرك للخدم خوف الخطيئة فكيف تصدر أوامرك علينا نحن أولادك ؟ ”

صمت فيراتا طويلا وفكر ثم قرر أن لا يصوغ مصير أي إنسان وأن الله منح الناس كل الناس حق الحياة وأن الصالح لا يرضى أن يكون بجواره من الناس من هم عبيد له وأن عليه أن يكسب معيشته بيده وقال لهم : ” يا أولادي ! لقد علمتموني مالم أكن أعلم . لن أجبركم على شيء . خذوا كل شيء! وأنا راحل إلى حيث أعيش من دون خطيئة . ”

عندما حل المساء كان فيراتا قد جمع ما يحتاجه وانطلق متخفيا إلى الغابة وعند أشجار الدوح العظيم جلس يتأمل الحياة قرب النهر وبدأ يبني لنفسه كوخا جديدا ثم عاش في سلام روحي . وفي يوم من الأيام شاهده أحد الصيادين في الغابة وحوله الكثير من الطير وحيوانات الغابة في مشهد غريب يأسر النفس . أخبر الصياد زوجته بالخبر ومن زوجة لزوجة صار فيراتا من جديد حديث الناس وصار كوخه الصغير محجة للزائرين وفي يوم من الأيام وصله زورق محمل بالجنود وبينهم الملك زائرا . حياه الملك وقال : ” جئتك لأرى معجزة الصلاح فقد أتعلم كيف يكون .”

رد فيراتا قائلا : ” من اعتزل الناس يا مولاي لا يعلّم سوى نفسه. وقانون التأمل ليس قانونا للعمل.”

قال الملك : ” أخبرني ! هل من أمنية لأحققها لك ؟ ”

رد فيراتا : ” لم يعد لي ما اتمناه في هذا الكون . أنا أمتلك الدنيا وما عليها . ”

عاد الملك أدراجه إلى قصره بينما شهرة فيراتا تنطلق في الكون مثل الطائر الأبيض الحر في السماء . وأطلق عليه الناس في هذه الفترة ” نجم العزلة ” وصار القضاة يرددون بعد كل حكم يصدرونه :” لعل أحكامنا عادلة كأحكام فيراتا الذي يحيا لله ويكرس نفسه للحكمة .”

صار كوخ فيراتا محجة للناس وبنى المحبون والرواد بيوتا حول كوخه بحيث صار المكان قرية صغيرة أطلق عليها اسم ” مأوى الأتقياء” وصار الناس يحرصون على سلامها الروحي الخالد وهدوئها العميق .

وفي يوم من الأيام وبينما كان فيراتا يتجول في الغابة وجد حطابا مسكينا يعاني المرض فساعدة في الوصول إلى بيته في القرية المجاورة وفي الطريق شهد امرأة في عينيها غضب وذعر وخوف وما إن نظر فيهما حتى تراجع للوراء …إنهما عينا أخيه المتحجرتان الشاخصتان كعيني وحش وفي هذه المرة كانتا تقطّران بغضا وكراهية . شد فيراتا من عزيمته وتقدم نحوها كونه متأكد أنه ما أساء لها يوما. وقف فيراتا ببابها كالمتسول . فقالت له : ” وماذا تريد بعد الذي كان ؟ ”

رد فيراتا :” أطلب منك رد التحية . هل تعرفينني؟ ”

قالت : ” بل أنت فيراتا … نجم العزلة .”

رد فيراتا : ” وهل أسأت إليك يا سيدتي في شيء؟ ”

قالت بغضب: ” أسأت إلي؟ لقد هدمت بيتي وقوضت عائلتي وسرقت سعادتي . سأشكوك إلى قاضي الأحياء قبل أن أشكوك إلى قاضي الأموات . أغرب عن وجهي قبل أن يفور تنور غضبي. ”

ثم وقفت المرأة وأمسكت فيراتا من كمه وقادته إلى داخل الكوخ وهناك وسط الظلام شاهد شبح غلام مسحوق جامد النظرات مثل تلك النظرات التي شاهدها في عيني أمه الغاضبة .” إنه ثالث ثلاثة من الأخوة قتلتهم أنت وستقتله كما قتلت اخوته . انظر إلى هذا النول وهذا الكرسي الخالي . لقد توقف عن العمل منذ تركه زوجي ولحق بك إلى مأوى الأتقياء وبات أولادي يموتون جوعا الواحد تلو الآخر . فكيف تكفر عن ذنبك وتتوب إلى الله. ”

أجابها فيراتا : ” ولكنني لم أكن أعلم أن مذهبي سيغري غيري.”

قالت له : ” ولكن ألا تعلم أيها الحكيم الذي أغشى الكبرياء بصيرته أنك حين تختار عملك فإنك تختار للأخرين طريقهم أيضا وطريقة عملهم ؟ ألا تعلم أن ما تستمرأه أنت لذاتك قد يكون لغيرك مصابا وعلقما ؟ ولهذا السبب كانت مدافع الفقهاء عبر التاريخ هي الأكثر فتكا بين الناس يا سيدي . وأصحاب البدع والنظريات ليسوا بمأمن من شرورها التي قد تحدث بعد حين . ”

استحى فيراتا من كلام السيدة وانحنى لها احتراما ثم عاد لكوخه في مأوى الأتقياء وقرر أن يعود أدراجه نحو المدينة . وعندما علم الناس بقدومه اصطفوا من جانبي الطريق لتحيته لكنه هذه المرة عجز عن النظر في عيونهم ورسم ابتسامته المعهودة. لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يعجز فيها فيراتا عن الابتسام .

استقبل الملك فيراتا وعانقه فرحا بعودته إلى المدينة لكن فيراتا الذي أتعبه ضنك الحياة ركع عند قدمي الملك يسأله صنيعا .

قال الملك : ” لك ما تريد يا فيراتا قبل أن تنطقه شفتاك .”

قال فيراتا : ” يا مولاي ! لقد رغبت عن الخطيئة فما رغبت عني . لم أقع في الخطيئة عامدا متعمدا . لقد أضربت عن العمل وهذا بحد ذاته كان عملا . هربت من الناس فما تركوني . رغبت أن أكرس نفسي لنفسي وللتأمل فما نجحت . كنت سابقا أخدم نفسي والآن أريد أن أخدم غيري . أريد أن أمنح قلبي للناس . ”

قال الملك : ” إرادتك محققة يا فيراتا .”

رد فيراتا قائلا : ” يا مولاي لا أريد أن أكون حرا فالرجل الحر ليس حرا والذي يخدم الآخرين دون ارادته هو الحر الحقيقي.”

قال الملك : لا أفهمك يا فيراتا . ”

رد فيراتا : ” من الخير أن لا تفهمني يا مولاي . ”

ظن الملك أن فيراتا قد خرف ولكي يتبين الأمر سأله: ” أتريد يا فيراتا أن تصبح القيم على الكلاب في قصري؟ ”
ركع فيراتا عند قدمي الملك وقبّل طرف رداءه شاكرا وقبل الوظيفة الجديدة وفرح بها فرحا عظيما .

وذهب الرجل الذي منحه الناس أجمل ألقاب الفروسية والحكمة والعدل والتأمل إلى حظيرة الكلاب في القصر يرعاها . وعندما سمع أولاده بالخبر خجلوا منه وبه وتأفف الناس من صنيعه وأنكره الحكماء والكهنة والقادة ….

بعد شهور قليله خمد ذكر الرجل وبدأ المجتمع ينساه …. وحتى الآن لم يعرف أحد من أمره شيئا ….

أردت أن أروي لكم حكاية فيراتا الحكيم العالم العارف بأمور الدين والدنيا لعلي أقدم لمن يقرأ بين السطور رسالة المعرفة والحكمة الإنسانية .إنه الحجاب بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون . ألم يقل أحد الحكماء يوما: ” ومن أشعل النيران يطفيها”.

المقال السابقهكذا يلعب المزورون
المقال التالى” الراشدي “!!
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد